بعد أن كان الاقتصاد الأمريكي يقوم في فـترة سابقـة خـلال هذا القـرن علـى مرتكزات كـونـت قوتـه الصناعيـة الهائلــة, مثـل مصانـع الحديد والصلب الضخمة ومشروعات تجميع السيارات ومجمعات البتروكيماويات وناطحات سحاب تكاد تلامس السماء , أصبح إجمالي الناتج المحلي يستند إلى أفكار مبتكرة بدلا من القـوة الماديـة والجهـد البدني المنتجين لمـا لـه قيمة. اليوم, باتت القيمة الاقتصادية تتمثل على نحو متزايد في سلسلة من الداوائر والأفكار المعقدة فيما يطلق عليه البرمجيات, لتكون غالبية ما ننظر إليه اليوم على أنه ذو قيمة وجالب للثروة متركزاً في الأدوات الفكرية والمصادر غير المحسوسة أو الملموسة. إن الاقتصاد الأمريكي أكثر من أي اقتصاد آخر يعتبر, كما هو واضح وكما يصفه كبار الاقتصاديين, محكوما بما يطلقون عليه (التدمير الإبداعي والابتكاري) , في وصف لعملية متتالية ومتواصلة تقوم خلالها التكنولوجيات الناشئة بإزاحة القديم وإخراجه تماما من الساحة. وترتفع مستويات المعيشة عندما يتم استخدام الدخول الناتجة عن المرافق الإنتاجية التي توظف تقنيات قديمة أو متقادمة في تمويل الأصول الرأسمالية الجديدة التي تمثل التكنولوجيا شديدة الحداثة. هذه هي العملية التي يتم من خلالها الآن إدارة الدخول, وهي عملية تراكمية.. خطوة تتلوها أخرى. وهي عملية تفترض مسبقا حدوث تموجات متتالية للاقتصاد كنتيجة لإحلال الجديد محل القديم. ومع أنها عملية لها جذورها في التاريخ القديم, إلا أنه يبدو أنها أخذت تكتسب سمة التسارع الشديد في السنوات الأخيرة, مما غير من سماتها وصفاتها. لقد بدأت عملية التمازج المذهل للتقنيات التي تشكل ما نطلق عليه تكنولوجيا المعلومات, وهو تمازج لعبت المصادفة فيه دورا لا يمكن إنكاره, بدأت في إحداث تغييرات وتبدلات جوهرية في الطريقة التي نؤدي بها أعمالنا ونصل من خلالها إلى القيمة الاقتصادية. ويتم ذلك في أحيان كثيرة بوسائل وطرق لم تكن منظورة حتى قبل عقد واحد. وقبل حدوث هذا التدفق الشديد لابتكارات تكنولوجيا المعلومات, كانت عمليات اتخاذ القرار الاقتصادي في القرن العشرين تتعطل في غالبيتها بسبب معلومات قديمة وغير مكتملة عن تفضيلات الزبائن في الأسواق, وأيضا بسبب تباطؤ سير المواد خلال النظم الانتاجية للشركات. نتيجة لذلك كان أصحاب الأعمال مطالبين بتوفير ضعف ما هو مطلوب فعليا من المواد والعمال حتى يقوا أنفسهم عواقب الأخطاء المحتملة بشدة في مجال التخطيط الإنتاجي. واستلزم ذلك أيضا وجود مخزون كاف لضمان الوفاء ببرامج الإنتاج, إلى جانب أعداد إضافية من فرق المساندة والالات الاحتياطية للاستجابة لأية تطورات طارئة. لا يعني ذلك أن كل أوجه النقص وعدم الدقة قد ولت وراح زمانها, بل هناك بقايا كثيرة للأخطاء الناتجة عن عدم الدقة في التقدير, وإن كان التقدم الهائل في المعلومات وتوافرها خلال السنوات الأخيرة أحدث خفضا حادا في مستويات الشكوك التي تواجه عملية إدارة الأعمال, ما مكن الأعمال المختلفة من التخلص من كميات كبيرة من المخزون الذي لم تعد له ضرورة, وكذلك الاعتماد على عدد أقل من العاملين وتوفير بعض أوجه الإنفاق. ونتيجة لذلك كله حدث نمو أسرع في حجم الناتج لكل ساعة. ومن النتائج الأخرى لما يحدث أن العمليات الوسيطة بالإنتاج والتوزيع, والتي كانت تعد ضرورية ولازمة عندما كانت المعلومات غير متاحة ومراقبة الجودة ضعيفة, أصبحت قليلة وربما عديمة الفائدة, لذا يتم تجاوزها في كثير من الأحيان, وربما تستبعد نهائيا. ويتوقع مع الانتشار الكبير لاستخدام شبكة الانترنت أن تتغير كثيرا الطريقة التي تتم من خلالها إدارة أجزاء كبيرة من شبكات التوزيع. علاوة على ذلك, فإن الابتكارات التكنولوجية أخذت تتجاوز ببعيد أرضيات المصانع وقنوات التوزيع بالجملة والقطاعي. وعلى سبيل المثال, فإن علم التكنولوجيا الحيوية يحدث ثورة في مجال الطب والزراعة, نتائجها لها تأثيرات هائلة على نوعية الحياة ليس فقط في الولايات المتحدة, بل في العالم كله. وهناك ما يشبه الانفجار في تنوع الإنتاج في ظل الابتكارات التي لا تتوقف للخروج بتصميمات ونوعيات شديدة الاختلاف تفتح المزيد من الأبواب أمام إرضاء مختلف الأذواق, والوفاء باحتياجات لم تكن موجودة بالمرة قبل عقد أو عقدين. وبموازاة ذلك حدثت زيادات في الدخول لكن الأمر المؤسف حتى الآن هو أن المكاسب المحققة لم تنتشر على قاعدة عريضة, كما كان مأمولا. لكن يبقى أن نتساءل: كيف يمكن صيانة هذه الآلية الاقتصادية المذهلة؟ وكيف لنا أن نضمن وصول ثمارها إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص؟ بالتأكيد لابد لنا من أن نعزز البيئة التي تساعد على تحقيق المزيد من التقدم في مجالات التكنولوجيا المختلفة. ومن الضروري في هذا السياق أن نشدد على معايير أخلاقية يجب عدم التقليل من أهميتها في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة. وعلى سبيل المثال, فإن الثقة تشكل الأساس لأي نظام اقتصادي يقوم على تبادل المنافع. وفي كل الصفقات تقريبا, لايزال الاعتماد منصبا على الكلمة مع من يشكلون الطرف الآخر في العمل أو التجارة. فإذا غابت الثقة, فإن تبادل السلع والخدمات لا يمكن أن يتم على أي مستوى معقول. وتفترض القوانين التجارية والقواعد التعاقدية أن نسبة ضئيلة فقط من التعاقدات هي التي تحتاج إلى التحول إلى ساحات القضاء, فإن خالف عدد كبير من رجال الأعمال والتجار الثقة التي تستند إليها الصفقات والتعاملات, فستكون النتيجة حدوث ما يشبه الشلل للنظامين القضائي والاقتصادي. ولم تكن مصادفة أنه في القرن التاسع عشر كان بإمكان كثير من المصرفيين في الولايات المتحدة التعامل من دون وجود ضمانات محددة, وذلك لأنهم تمكنوا من تطوير شهرة بأن الكلمة هي خير سند وضمان. ولنجاح المؤسسات آنذاك, كان ضروريا أن يثق الناس في المتعهد في استرداد ما قدموا. والآن, مثلما كان الوضع سابقا, لا يمكن أن يكتب النجاح طويلا لمتعهد عرف عنه عدم الالتزام بعهوده. في عالم اليوم, حيث تزيح الأفكار العناصر المادية جانبا في إنتاج كل ما له قيمة اقتصادية, يصبح التنافس على ترسيخ الشهرة والسمعة الجيدة قوة محركة, تعطي دفعات قوية للاقتصاد, والسلع المصنعة يمكن تقويمها الآن قبل اكتمال الصفقات, بينما مقدمو الخدمات يتم تقويمهم في الغالب على أساس سمعتهم. إن الآلة الاقتصادية شديدة التعقيد التي نسميها (الاقتصاد الأمريكي) تتألف في النهاية من مجموعة من الأشخاص الذين يكافحون ويبذلون ما في وسعهم لتحسين ظروفهم الحياتية. والقيم الفردية لهؤلاء الأمريكيين سوف تواصل تأثيرها على هيكل المؤسسات التي تساند الصفقات والتعاقدات والتعاملات بالأسواق, مثلما ظلت تفعل في الماضي. ومن دون الثقة المتبادلة والتزام المشاركين في الأسواق بحكم القانون, فلن يكون هناك مجال لأي ازدهار في الاقتصاد. إن نظام العمل يقوم بصفة جوهرية على التعامل الشريف بين الأفراد وإذا ما نظرنا حولنا في عالم اليوم لزادت قناعتنا وتأكدنا كم أن هذا الشيء قيم. وعلى الرغم من أنه تم تحقيق الكثير في مختلف المجالات, إلا أنه ستظل هناك حاجة للقيام بالكثير من الأشياء. فمع ما حدث من تطور لافت على سبيل المثال في مجال تحجيم الممارسات والصور المختلفة للتمييز, وخاصة العنصري منه, إلا أن المهمة لاتزال بعيدة كل البعد عن الاكتمال. إن النظام الرأسمالي والسوق الحرة لا يمكن أن يعملا بكفاءة إلا إذا حصل كل المشاركين على فرص متكافئة لكي يحقق كل منهم أفضل ما يطمح إليه. فإذا نجحنا في إتاحة هذه الفرص للجميع, فسيساعد ذلك بالتأكيد على توسيع قاعدة الاستفادة مما ينعم به الاقتصاد الأمريكي من وفرة. رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي