هل السماح للشركات الأجنبية بالدخول إلى قطاع النفط الكويتي والاستثمار فيه إقرار بقبول المشاركة في ثروات البلاد الطبيعية؟ أم أنه خطة اقتصادية هدفها تطوير هذا القطاع والاستفادة من الخبرات الأجنبية في هذا المجال؟ الاختلاف حول توصيف هذا المشروع هو الذي أوجد المعارضة التي يلقاها, فالمعارضون يرون في ذلك عودة للاستيلاء الأجنبي على ثروات البلاد, فضلا عن كونه مخالفة دستورية. أما المؤيدون, وفي مقدمتهم وزير النفط, فيرون أن الأمر في حقيقته نقل للتقنية والخبرة الأجنبية والمساعدة في تطوير القطاع النفطي. الإجابة بنعم على أي من التساؤلين السابقين ستحدد مسار هذا المشروع مستقبلا. عاد وزير النفط الكويتي الشيخ سعود ناصر الصباح إلى طرح قضية مشاركة الشركات الأجنبية في تطوير حقول الشمال ومضاعفة إنتاجها مرة ثانية, هذا الطرح وإن كان يشكل حذراً إلا أنه قد عارضه بعض التكتلات السياسية الكويتية وبعض أعضاء مجلس الأمة الجديد. الوزير الكويتي أكد على أن المشروع المطروح ليس وليد اليوم ولكن تاريخه يرجع إلى العام ,1994 حيث قامت مؤسسة البترول الكويتية وشركة نفط الكويت بدراسته من جميع جوانبه, كما قامت جهات قانونية وفنية ومكاتب استشارية بدراسة النواحي التي تعنيها وسلمت توصياتها إلى مؤسسة البترول. وأضاف الوزير أن الاستعانة بشركات نفط أجنبية بعد خمسين عاما من الخبرة في هذا المجال ترجع إلى أسباب تقنية بحتة, فهناك في الكويت حقول رئيسة وأخرى ثانوية. فالحقول الأساسية يكون استخراج النفط منها سهلا مثل حقل برقان. أما الحقول الثانوية فهي الواقعة في شمال البلاد وهي خمسة (الرتقة, والصابرية, والعبدلي, والروضتين, وبحرة) . هذه الحقول تنتج نحو 450 ألف برميل يوميا, وتطويرها يصل بالإنتاج إلى 900 ألف أو مليون برميل, وتكلفة التطوير تقدر بنحو سبعة مليارات دولار. وقال إنه ليس هناك استعداد لتحميلها لقطاع النفط أو حتى للقطاع الخاص. الأسباب وأورد وزير النفط ثمانية أسباب وراء الرغبة في الاستعانة بالشركات الأجنبية, هي جلب التكنولوجيا الحديثة اللازمة لتطوير إنتاج هذه الحقول, وزيادة القدرة الإنتاجية للكويت لتصل إلى 3 ملايين برميل يوميا في العام ,2005 علما بأن الكويت كانت تنتج 4 ملايين برميل يوميا خلال فترة السبعينات, وخفض تكلفة إنتاج البرميل بنسبة 30% بما يعود بالنفع على البلاد. من الأسباب كذلك توفير المزيد من فرص العمل للأيدي العاملة الوطنية, حيث تم اشتراط استعانة الشركات العالمية بنسبة 60% من الكويتيين ضمن العمالة اللازمة و30% من جنسيات الشركات و10% من جنسيات أخرى, وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة الشمالية في الكويت حيث سيتم بناء ميناء ومدينة سكنية شبيهة بمدينة الأحمدي, وتوفير سوق للإنتاج النفطي الكويتي حيث من ضمن الشروط الموضوعة في عقود الشركات الأجنبية التزامها بشراء الإنتاج بالسعر السائد عندما تطلب منها مؤسسة البترول الكويتية ذلك. كما أن ربط مصالح الكويت بالشركات النفطية العالمية يحقق أهدافا استراتيجية خاصة بعد مرحلة الغزو, إضافة إلى تخفيف الضغط الحالي على حقل برقان وإيجاد فرصة لتجديده وتطويره بعد الانتهاء من تطوير حقول الشمال. وأوضح الشيخ سعود أن التركيبة الاقتصادية للمشروع مبنية على مفهوم الخدمات التشغيلية, أي الأجر مقابل العمل, ولا يوجد أي نوع من أنواع المشاركة في الثروة الطبيعية, بل إن مؤسسة البترول انتهت في دراساتها إلى أنه من الممكن أن تتقاضى الشركات مقابلا نظير كل برميل تنتجه أو أن تعطي حافزا لزيادة الإنتاج. لا مشاركة في الثروة وطلب الوزير استبعاد كلمة المشاركة في الثروة لأنه غير وارد, مشيرا إلى وجود تباين في الآراء القانونية فيما يتعلق بآلية التنفيذ, فهناك من يرى أن تكون بقانون استنادا إلى المادة 152 من الدستور, وهناك من يرى أن الأمر لا يحتاج إلى قانون كونه لا يتضمن بين طياته اي استثمار لموارد طبيعية. وطرح رأيه قائلا إنه يتطلع إلى آلية لا يكون هناك اختلاف حولها, أي أن يكون هناك اتفاق حكومي وبرلماني بشأنه عندما تصل الوزارة إلى الشكل النهائي بعد تلقيها عروض الشركات الأجنبية التي أرسلت إليها الدراسات النهائية الخاصة بالمشروع. الوزير الذي كان يتحدث أمام الجمعية الاقتصادية الكويتية, قال إنه ناقش المشروع مع اللجان الاقتصادية في مجلس الأمة السابق, وإنه حريص على أن يعرف الجميع كل تفاصيله وأبعاده الاقتصادية والاستراتيجية لما يحتويه من طموحات اقتصادية عالية الفوائد تستمر بين 20 و25 عاما هي فترة العقود المقترحة للشركات الأجنبية. وأنهى الوزير حديثه بالقول إن المشكلة في الكويت هي التردد في اتخاذ القرار, فالشركات الأجنبية تعمل في معظم الدول الخليجية, وإيران التي يبلغ عدد سكانها 70 مليونا تستعين بالشركات الأجنبية والكويت ذات السبعمئة ألف نسمة لاتزال مترددة. أول رد على الوزير جاء من إحدى حركات المعارضة, حيث قالت إنه حفاظا على الثروة النفطية, فإن الحركة ستظل تراقب قضية المشاركة النفطية في حقول الشمال. والحركة لا تعارض مبدأ الاستعانة بالخبرات الأجنبية لتطوير الحقول شريطة ألا تمس سيادة الدولة وملكية ثرواتها وأن يتم وفقا لأسس العلنية والمنافسة, وأن يكون خاضعا لتشريع يصدره مجلس الأمة وتوافق عليه السلطة التنفيذية ويصدق عليه أمير البلاد. * من جانبه قال أحد المعارضين إن الكويت قادرة على إدارة القطاع النفطي رافضا مبدأ المشاركة الأجنبية من قبل شركات عالمية. وأضاف أن الشركات الأجنبية كانت تهيمن على قطاع النفط في السابق, حيث وصل معدل الإنتاج في ذلك الوقت إلى خمسة ملايين برميل قبل العام 1973 بسعر دولار و30 سنتا للبرميل الواحد. وكان ذلك بمثابة استنزاف لثروات الكويت واحتياطياتها مقابل مردود ضعيف للغاية, بل إن الشباب كانوا يقفون في طوابير للحصول على وظيفة دون جدوى, وحتى التاجر أو المقاول الكويتي كان يحصل على الفتات لأن الشركات كانت تحتكر عقود المقاولة والتوريد. وأضاف قائلا إن النفط هو شريان من شرايين الحياة في الكويت, ولا يجب أن يسلم بلد حياته إلى شركة أو شركات أجنبية مرة أخرى بعد أن تخلصت منها منذ نحو ربع القرن أو يزيد. أما الداعون إلى المشاركة بحجة أن البلاد لا تستطيع استثمار سبعة مليارات دولار ستستثمرها الشركات الأجنبية لتطوير حقول الشمال, وكذلك الحاجة إلى تقنية متقدمة وكذلك الأهداف الاستراتيجية, فإن هذه الحجج وعلى الرغم من وجاهتها إلا أنه يفترض وجود الخبرة الفنية والمعلوماتية الكافية لدى الكويت لتطوير الطاقات الإنتاجية لحقول الشمال, كما يمكن الاستعانة بشركات متخصصة للخدمات البترولية لتعويض أي نقص وطني في المجال التقني. الكويت ــ عبدالحميد بدر الدين