منذ فترة برزت على السطح مشكلة الايجارات في المراكز التجارية تمثلت في عدم استقرارها ومغالاة بعض المراكز في الاسعار وخلو بعضها الآخر والاهم من ذلك انعدام استراتيجيات تأجير مدروسة في هذه المراكز مما دفع بالعديد من التجار الى ما يشبه (التذمر) من هذا الحال والمطالبة بتدخل الهيئات الحكومية لكبح جماح الايجارات ووضح حد لها. فهل اصبحت ايجارات المراكز التجارية وبالفعل غير مناسبة ولا تتماشى مع الظروف الاقتصادية الحالية؟ ولماذا تغيب استراتيجيات التأجير داخل المراكز؟ وعلى هامش كل ذلك.. لماذا تغيب المعلومات الدقيقة عن مراكز التسوق في دبي مثل كافة المراكز في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية. كل هذه الاسئلة طرحناها على المسؤولين عن المراكز لمحاولة الاجابة عليها والبحث عن حل للخروج من قضية ـ قد تتحول الى مأزق اذا لم يتم ادراكها منذ البداية. على الجانب الآخر هناك رأي من المستأجرين في القضية, الفترة الماضية شهدت لجوء بعض المراكز في محاولة لحل الازمة ـ الى عدم تحصيل ايجارات من الملاك لمدة شهرين وثلاثة شهور كفترة سماح لهذه المحلات.. البعض الآخر اعطى خصما تصل الى 50% على الايجارات في ظل ذلك لم يشارك عدد من المراكز في فعاليات الصيف احساسا بالاهتمام الاعلامي بالمراكز الكبيرة فقط واستحواذها على منظم الفعاليات على حد قول احد المسؤولين بهذه المراكز. مرهف كيشي مدير عام مركز حمر عين وعضو المجلس العالمي للمراكز التجارية ومقره نيويورك لديه رؤية خاصة تشرح الوضع الحالي, فقد شهدت دبي خلال السنوات الخمس الماضية طفرة في بناء المراكز التجارية التي جاءت مواكبة لحركة النشاط الاقتصادي والتجاري التي شهدت نموا وازدهارا مطردين في مختلف المجالات ومع ان الحديث عن هذا العدد الكبير من المراكز التجارية اصبح مجال جدال واسع ـ كما يقول ـ فالبعض يشجع على المضي قدما والاستمرار في بناء مراكز جديدة لترسيخ ريادة دبي كأكبر مركز تسوق في المنطقة لاستقطاب السياح والمتسوقين من كافة انحاء العالم وتنفرد دبي بأنها قبلة التسوق الاولى في هذا الجزء من العالم. إلا ان آخرين وانا منهم ـ والكلام لمدير مركز حمر عين ـ يؤكدون انه لا خوف على ريادة دبي وانها لا تزال تستبق بأشواط جميع المتسوقين ويطالبون بوقفة في انشاء المراكز واعادة دراسة وتأهيل ما لدينا من مراكز والاعتماد على الكيف لا الكم في ريادتنا. وجهة النظرة هذه يدلل عليها مرهف كيشي بعدة شواهد اولا انه باستثناء سبعة مراكز يمكن ان يطلق عليها حقيقة مراكز تجارية, لا ترى الباقي سوى عقارات او مساحات ايجارية للمحلات, ثانيا مراكز تجارية معدومة الهوية مؤجرة عشوائيا مع اهمال في تقسيم المحلات ونشاطاتها واخطاء قاتلة في البناء والخدمات, ثالث الشواهد هي معظم المراكز الصغيرة اصبحت حديثا تعاني من ضعف في الاشغال ووجود مساحات ايجارية خالية, الشاهد الرابع ان هناك تقليدا اعمى وتكرارا لنفس المحلات في اكثر من مركز تجاري مما يفقد هذه المراكز التميز والتخصص والتفرد. ثم آخر الشواهد ـ كما يراها مرهف كيشي ـ تتمثل في بروز مشكلة الايجارات في المراكز على السطح منذ فترة وعدم استقرارها ومغالاة بعض المراكز في الاسعار وانعدام استراتيجيات تأجير مدروسة في هذه المراكز مما حدا بالعديد من التجار الى التذمر الشديد من هذا الحال والمطالبة بتدخل الهيئات الحكومية لكبح جماح الايجارات ووضع حد لها. عرض وطلب اما بشأن الايجار فيقول مدير عام حمر عين بأن علينا ان نسلم بأن الايجار دائما يخضع للعرض والطلب ولنشاط المركز التجاري نفسه, فالمركز الذي يقدم تسهيلات وخدمات مميزة للمستأجرين والزوار ويقوم بضخ اموال واستثمارات هائلة في البناء والتصميم وميزانية مفتوحة للتسويق والترويج.. هذا المركز يستقطب زوارا اكثر وبالتالي تحقق محلاته مبيعات جيدة وهنا يحق للمركز ان يحصل على ايجارات جيدة في حين ان المركز الذي يتعامل مع محلاته بصفة عقارات ويؤجر مساحات فقط مع اهمالها بعد ذلك نجد ان محلاته تعاني من الافلاس ومن هنا كان لابد من دراسة دقيقة للاسعار لا تجحف بحق المركز النشط وفي الوقت نفسه لا تكبد المستأجرين اعباء ضخمة في المراكز الضعيفة. ويؤكد على ضرورة ان تبدأ عملية رسم وتطبيق استراتيجية التسويق والتأجير في المراحل الاول المبكرة للانشاء وهذه الاستراتيجية يجب ان تأخذ بعين الاعتبار متطلبات السوق المحلية وعادات وتقاليد متسوقي دبي والامارات الاخرى وبقية الوافدين ونوعية السياح والزوار واتباع خطط علمية مدروسة في دراسة ديموجرافية تحدد الشريحة السكانية التي يسعى المركز لاستقطابها مع تحليل مفصل عن كافة الشرائح الاخرى وهذا سيقودنا الي معرفة احتياجات السوق التي نستهدفها من المحلات ونوعيتها وطبيعة نشاطها حسب هوية المركز المقررة سلفا. الشيء الآخر وضع استراتيجية تأجير مدروسة ومرنة ومتلائمة مع النشاطات التجارية المطلوب تواجدها في المركز تضع بعين الاعتبار مساحات المحلات ومواقعها ونشاطها التجاري وتميزها والتضحية في فترات ايجارية كثير من الاحيان لجذب اسماء عالمية شهيرة لتضيف شيء الى سمعة المركز نفسه او عند الشعور بأن المستأجر سوف يستثمر بشكل جيد في المركز من ديكورات ملفتة وبضائع جيدة وتسهيلات للزوار. تجربة امريكية ـ اوروبية ويرى مرهف كيشي ضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين وخاصة في الدول التي اصبح لها باع طويل في صناعة المراكز التجارية ومن اهمها الولايات المتحدة الامريكية التي اصبح اجمالي المراكز التجارية فيها حتى نهاية عام 98 نحو 43 الفا و661 مركزا تجاريا.. ومعظم المراكز التجارية هناك يتم تحديد اسعار ايجاراتها على اساس مبيعات القدم المربع الايجاري في المركز وهو اسلوب علمي ومتعدد الفوائد حيث يتم في كل مركز تجاري تقديم تقارير مفصلة عن المبيعات من كل محل الى ادارة المركز التي تعتمد بدورها على ادخال هذه المعلومات الى الكمبيوتر وبدوره يقوم بتحويلها الى تقارير مفصلة تمكن ادارة المركز اخذ فكرة كاملة عن مبيعات المحلات في كل جزء من المركز وحتى حسب النشاط وحسب الموقع وفي الاوقات المختلفة من العام وهذا يساعدها في ايجاد الحلول للعديد من المشاكل لاصلاح الخلل في بعض المحلات او تقوية بعض النشاطات او دعم المناطق المنزوعة قليلا. وقياس جدوى الحملات الترويجية ومدى تأثيرها على نسبة المبيعات. اما عن مبيعات القدم الايجاري الواحد وذلك بتقسيم اجمالي المبيعات على كامل المساحة الايجارية للمركز وبالتالي يعرض كل مركز كما تباع القدم المربعة الايجارية في كل مركز ومبيعات القدم في كل مركز لا تكون سرا بل يعلن للجميع وعليها ستعتمد اسعار التأجير في المركز بشكل منصف للمستأجر والادارة ويستطيع اي مستأجر جديد ان يأخذ فكرة عن معدل المبيعات في المركز ويعرف تماما اين وكم وكيف يستثمر في مركز معين. كما يمكنها الاستفادة من التجربة الاوروبية حيث ان معظم المراكز تكون ايجاراتها على اساس مبلغ معين بسيط يغطي الخدمات وجودتها والتسهيلات التي يقدمها المركز الى المحلات والباقي يكون نسبة من المبيعات 10 ـ 15% او اكثر حسب ما يتفق عليه الطرفان. ومن هنا نرى ان كل التجربتين الامريكية والاوروبية تعتمد على بناء الثقة بين المستأجر والمالك وتبادل معلومات دقيقة ومفصلة عن نشاط ومبيعات المحال التجاري وبالطبع هذا الشيء لا يمكن تطبيقه في مراكزنا بين ليلة وضحاها فالامور تحتاج لفترة زمنية لبناء الثقة ما بين الادارة ومالك المركز وما بين المستأجرين واعطائهم عقودا طويلة الامد نسبيا مع زيادة ثابتة ومحدودة مسبقا حتى لا يفاجأ بزيادة مصاريفه مستقبلا بحيث يطمئن المستأجر الى بقائه في المحل فترة اطول ما يجعله يضخ استثمارات اضافية في محله ثم ان اي مستأجر يجب ان يفهم ان المبيعات ليست معلومات يملكها وحده بل عليه اعطاء تقرير عنها للادارة مع ثقته التامة انها تعمل من اجله ومن اجل تحسين ادائه. وخير مثال على ضرورة ما سبق ان معظم الشركات الكبرى والاسماء اللامعة التي تأتي لتستثمر في دبي وتفتح فروعا لها في المراكز التجارية اصبحت تطالب وباصرار معلومات شاملة عن المركز ومبيعاته لان مثل هذه الاسماء لاتستثمر عشوائيا بل بشكل علمي ومدروسة لذا كان واجب مراكز الاهتمام بالمعلوماتية والتحليل العلمي واعطاء تقارير مدروسة لهؤلاء المستثمرين مع اعتماد المصداقية الى اقصى الحدود, لذا فلتكن هذه دعوة الى جميع ادارات المراكز التجارية في دبي ومستأجري المحلات بها الى العمل بروح الفريق الواحد وبناء الثقة فيما بينهم وتبادل المعلومات الرقيقة عن كل ما يتعلق بنشاطهم التجاري من اجل المصلحة المشتركة وهي نواة لنبدأ بتحسين السياسة الايجابية في مراكزنا ويتساءل مدير عام حمر عين لماذا لايكون لنا موقعا على شبكة المعلومات العالمية (الانترنت) مثل مجموعة المراكز العالمية لترويج دبي كمركز تجاري عالمي؟! فالتعاون بين جميع المراكز مهم لتأكيد تكاملها والاستفادة من بعضها البعض لا ان تتنافس منافسة هدامة فيما بينها واعتماد الانانية المفرطة وخدمة مصالحها الخاصة فقط.. وقد بدأت نواة هذا التعاون في مجموعة مراكز دبي مع شعورنا ان اداءها لايزال ضعيفا من خلال افق ضيق لايرتقى للمستوى المأمول منها والامال التي عقدت عليها من اجل التنسيق التام والجاد مع الهيئات الحكومية لحل مشكلات المراكز التجارية ومحالها والمساعدة في تأهيل المراكز الضعيفة وتذليل كافة الصعوبات امامها لتزدهر وتسهم في الحركة التجارية بفعالية وعدم الاكتفاء بالتركيز على مركز او مركزين دائما كواجهة لدبى والاهتمام بتكامل المراكز التجارية وخلق هويات متعددة والاهتمام بالتخصص وحل المنازعات الايجارية واعادة النظر في الرسوم الحكومية على المحلات الحملات الترويجية والتسويقية في المراكز واقامة دورات تعليمية وتدريبية لادارات المراكز والنهوض بها الى مستويات عالية وطرح افكار جديدة ومبدعة في عمل المراكز التجارية وتغيير فلسفة ادائها ودورات توعية للمستأجرين والباعة لتقديم افضل الخدمات لمتسوقي وزوار دبي وبناء الولاء والثقة بين المراكز التجارية وبين المستهلكين بتقديم جودة في البضائع ومستوى عال في الخدمة. وضع طبيعي ويقول شافاك سريفاستافا مدير عام مركز الغرير انه من المتعارف عليه ان السوق تمر بدورات اقتصادية تتراوح بين الانتعاش والركود ومن الطبيعي ان تتبع سياسة التأجير حركة السوق الا ان ذلك يعتمد على عدد من عناصر القوة التي تتوفر لكل مركز تسوق على حدة والتي تقرر مدى اقبال المستأجرين عليه نتيجة لجاذبيته للزوار والمتسوقين فمركز التسوق القوي يحافظ على جاذبيته بغض النظر عن الركود وبالتالي تستطيع ادارته تحديد مستوى الايجارات الذي يلائمها ويوجد اليوم مراكز تسوق في دبي تعرض على المستأجرين ساحات مجانا نظرا لضعف الاقبال عليها واوضاع السوق حاليا, في حين ان هناك مراكز اخرى يبدي التجار استعدادا لدفع اموال كي يتمكنوا من استئجار محلات فيها ولكنهم لايستطيعون بسبب وجود قائمة انتظار طويلة نظرا لقوة هذه المراكز. خلاصة القول ان مثل هذه الاوضاع طبيعية في اقتصاد يقوم على حرية السوق. وحول تفسيره المعلومات الدقيقة عن ايجارات المراكز بشكل عام يرى سريفاستافا ان الايجارات موضوع حساس يرغب كل مركز تسوق في ابقائه طي الكتمان. ويوضح مدير عام مركز الغرير ان وجود عقود ايجار طويلة المدى يعتمد على كل حالة على حدة فالمحلات الكبيرة الملتزمة تجاه المركز والعملاء مثل المتاجر الضخمة متعددة الاقسام ومحلات السوبر ماركت ذات الاسماء الشهيرة وما شابهها والتي تحتل مساحة كبيرة في المركز يكون من الافضل للمستأجر والمالك ابرام عقد طويل المدى ولكن في حالات اخرى مثل المستأجر الذي يريد ان يجرب فكرة جديدة قد يكتب لها النجاح او الفشل فإن من الافضل للطرفين ان يكون العقد قصير المدة. وتطبق مراكز التسوق كلا النوعين من عقود التأجير فاذا اراد شخص ان يدير دارا للسينما مثلا مع ما يتطلبه ذلك من استثمار ضخم في تجهيز الصالة فمن المؤكد انه سوف يسعى الى وضع مستقر لحماية استثماره وبالتالي فان مركز التسوق يدرك ان العقد طويل المدى هو الانسب للطرفين في هذه الحالة, وفي المقابل فإن ادارة المركز لاتسمح بتأجير مساحة ضخمة (35 ــ 40 ألف قدم مربع) لمدة قصيرة ذلك ان رحيل المستأجر بعد انتهاء عقده القصير سيترك مساحة خالية تؤثر على صورة المركز. ويرى ان المدى الزمني لعقود المحلات الكبيرة الذي يناسب المراكز والمستأجرين على السواء يتراوح بين 10 ــ 15 عاما. وحول السياسة التأجيرية لمركز الغرير يقول نحن نتبع السوق ونحرص على ان تكون سياستنا التأجيرية متسقة مع اوضاع السوق عامة وفي سبيل اتخاذ السياسة الصحيحة نقوم دائما بدراسة السوق بفعالية وتفهم وتحليل القوى المؤثرة فيها اراء واتجاهات المستأجرين قبل ان نحدد سياستنا كما نحدد اجل العقد (طويل المدى او قصير المدى) اعتمادا على مكانة المستأجر والفكرة التي سيجلبها الى المركز, اضافة الى ذلك فإننا نقسم المركز الى ثلاث مناطق اولى وثانية وثالثة اعتمادا على موقعها داخل المركز وجاذبيتها وسهولة الوصول اليها. ويؤكد ان هناك دورا حيويا تلعبه الحكومة بالطبع ويتمثل في تطبيق مبدأ حرية السوق وحمايته من الممارسات غير السوية التي تضر بهذا المبدأ. تحقيق ـ عادل السنهوري