احتلت دول مجلس التعاون الخليجي مواقع متقدمة في تصنيف تقرير الامم المتحدة للعام 1999 للدول ذات التنمية البشرية العالية, ويأخذ هذا التصنيف بالاعتبار العديد من العوامل مثل نصيب الفرد من اجمالي الناتج الاجمالي والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والبيئية ومستوى المعيشة ونسبة المواليد والوفيات. ان تقييس جهود التنمية بدول مجلس التعاون الخليجي بضوء ما تحقق على صعيد التنمية البشرية يعد موضوعا بالغة الاهمية والحيوية لهذه الدول بشكل خاص, والخصوصية تكمن هنا في ان هذه الدول قد توفر لها من الموارد المالية خلال مرحلة السبعينات والثمانينات ما مكنها من تحقيق معدلات نمو كبيرة في مجال تحديث البنى المادية والخدمات الاجتماعية. وقد فاقت هذه المعدلات بشكل ملحوظ ــ ان لم نقل (كبير) ــ معدلات التنمية البشرية. ونعني بهذه التنمية هنا تحديدا دمج المعارف والانجازات الاقتصادية المتحققة بالبيئة المحلية (مناهج التعليم ومعاهد التدريب والكليات التقنية وأجهزة اقتصاديات توجيهية واستشارية) التي بدورها تؤمن تحويل هذه المعارف والانجازات الى معارف وانجازات وطنية (بمفهوم تملك المعارف والتقنيات الملازمة لها والناجمة عنها من قبل اجيال متعاقبة) وبالتالي ايضا ضمان تطويرها والبناء عليها في جهود ابداعية وتطويرية. والملاحظات التي يمكن ايرادها هنا انه اذا كانت هناك جهود ضخمة قد بذلت في مجال التعليم بكافة مراحله بدول المنطقة حيث امتلأت مؤسساتنا وشركاتنا وأجهزتنا الحكومية بالشباب المتعلم الا اننا مع ذلك نظل نتساءل عما اذا كانت حلقات التنمية الرئىسية ــ وخاصة المستقبلية منها ــ تحت سيطرتنا الكاملة وقادرين تقنيا وعلميا على توجيهها الوجهة التي نريدها مستقبلا. كذلك لم يتولد عن نماذج التنمية في دول المنطقة تكريس واضح لمبدأ المشاركة في تحمل المسؤولية والاعباء. وعندما توجهت هذه الدول الى تسعير بعض الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقدم في السابق مجانا أو بأسعار رمزية بدا وكأن الامر واقعا تحت ضغوط تراجع الموارد المالية اكثر منه جهود لتكريس ذلك المبدأ. كذلك الحال بالنسبة لربط الدخل بالانتاجية والكفاءة حيث بات من الواضح ضرورة وجود هذا الربط وهو موضوع قائم بذاته وبحاجة الى التعمق والدراسة. ايضا الحديث ينطبق على الكثير من المهن الحرفية والمتوسطة التي ظلت حتى امد قريب بعيدة عن هوى المواطنين ورغباتهم مما استدعى رفع شعارات مثل اعادة التأهيل الثقافي والاجتماعي لدى الشباب من اجل تقبل هذه المهام. والموضوع بطبيعة الحال مرتبط بعناصر اخرى وخاصة تحسين شروط العمل وسن القوانين الاجتماعية التي تزيد من جاذبية هذه المهن. وأخيرا ــ وفي مجال ايرادنا لبعض الملاحظات حول موضوع التنمية البشرية وصلتها بالنمو الاقتصادي بدول المنطقة ــ نشير الى الدور الذي لعبه ولا يزال يلعبه القطاع الخاص والمسؤولية التي يتحملها في هذا المجال. فمن جهة يملك هذا القطاع العشرات من المبررات لاستمرار تشغيله لمئات الآلاف والملايين من الايدي العاملة الاجنبية, ونحن نتساءل مرة اخرى عن الخطط والبرامج الموضوعة التي تعمل على ازالة هذه المبررات بصورة منهجية وموضوعية ولكنها جادة ومتسارعة ايضا. ان المقبل من الايام يحمل تحديات اكبر ومن شأنها ان تسلط الضوء بصورة اشد على نقاط الضعف خاصة فيما يتعلق بالضغوط المتزايدة على انماط ومستويات الرفاهية التي اوجدتها سنوات السبعينات والثمانينات, لذلك فإن اعادة صياغة برامج التنمية الاقتصادية بما يؤمن تنمية بشرية وطنية حقيقية يمثل في الوقت نفسه مدخلا رئيسا لتجاوز تلك الضغوط والحفاظ وتطوير ما تحقق من انجازات.