كان لمؤسسات وصناديق التمويل العربية منذ بداية إنشائها في مطلع الستينات وحتى الآن دور بارز في توفير التمويل اللازم للمشروعات العربية المشتركة. وحماية الدول العربية النامية من تعسف ومغالاة مؤسسات التمويل الدولية من حيث منح القروض وفترة السماح وأجل السداد وأسعار الفائدة على القروض.. وكذا تحملها مسئولية تمويل المشروعات التنموية الحيوية ذات الطبيعة الهيكلية والتي تعمل بالبنية الأساسية وهي مشروعات تحتاج إلى شروط خاصة في عملية التمويل لا يمكن توفيرها في حالات مؤسسات التمويل الدولية الأخرى. ولكن في ظل التطورات الاقتصادية العربية الراهنة والمتمثلة في العجز المستمر في الموازنات العامة الناجم عن التكاليف التي تحملتها دول مجلس التعاون الخليجي في حرب تحرير الكويت إضافة إلى انخفاض أسعار النفط والذي بلغ أدناه مع نهاية العام الماضي مكلفا الدول العربية خسائر تجاوزت 76 مليار دولار.. وبالتوازي مع التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية في ضوء عدم تنوع هيكل صادراتها وانخفاض معدل التجارة فيما بينها.. وكذا بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي أعقبت انهيار أسواق المال في دول شرق آسيا والتي أدت إلى انخفاض الطلب العالمي على السلع والمنتجات ومنها النفط الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاديات العربية لاسيما في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.. في ضوء المعطيات السابقة فإن تساؤلات كثيرة تثار حول مستقبل دور صناديق التمويل في تمويل مشروعات التنمية المشتركة خاصة مع انخفاض الإيرادات العامة لدول مجلس التعاون الخليجي الأمر الذي يلقي بظلاله على استمرار التزام تلك الدول في ضم الموارد والأموال في الصناديق سواء المنشأة في إطار جامعة الدول العربية أو نظيرتها الخليجية الوطنية. 150 مليار دولار في البداية قدر تقرير للإدارة الاقتصادية بأمانة جامعة الدول العربية إجمالي تكاليف المشروعات الإنمائية التي ساهمت مؤسسات التمويل وصناديق التنمية العربية في تمويلها بنحو 150 مليار دولار منها 93 مليارا تخص المشاريع الإنمائية داخل حدود الوطن العربي.. مشيرا إلى أن رؤوس أموال تلك المؤسسات والصناديق التي يرجع بدء ظهورها على الساحة الاقتصادية العربية الى عام 1961 تجاوز 34 مليار دولار.. وأن المجموع التراكمي للعمليات التمويلية لها حتى نهاية عام 1996 بلغ 45 مليار دولار بواقع 11 ملياراً و250 مليون دولار بنسبة 25% للبنك الإسلامي للتنمية بجدة و9 مليارات و450 مليون دولار بنسبة 21% للصندوق العربي مقابل 8 مليارات و550 مليون دولار بنسبة 19% للصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي و6 مليارات و300 مليون دولار بنسبة 14% للصندوق الكويتي و3 مليارات و150 مليون دولار بنسبة 7% لكل من صندوقي الأوبك والنقد العربي بينما بلغت مساهمة صندوق أبوظبي للتنمية مليارات و800 مليو ن دولار بنسبة 4% مقابل مليار و350 مليون دولار للمصرف العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا. عمليات تمويل وحدد التقرير حصة البلدان العربية من المجموع التراكمي للعمليات التمويلية لتلك المؤسسات والصناديق بنحو 28 مليار دولار بما يوازي 62% مقابل 71 مليار دولار بنسبة 38% للدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. مشيرا إلى أن مشروعات قطاع الطاقة بما تتضمنه من كهرباء ونفط وغاز استحوذت على 27% من إجمالي القروض المقدمة يليه قطاع النقل والاتصالات بنسبة 19% ثم قطاعي الزراعة والصناعة بنسبة 17% لكل منهما الأمر الذي يوضح أن قطاع البنية التحتية من طاقة ونقل ومواصلات واتصالات وطرق ومياه يحتاج لاستثمارات ضخمة للوصول به إلى المستوى الملائم لتلبية الاحتياجات الأساسية للتنمية وخدمة الأنشطة الإنتاجية. وأوضح أن مؤسسات التمويل العربية لا تضع نسب مسبقة تتبعها في توزيعها لقروضها بين قطاعات النشاط الاقتصادي .. وأنها تستند في اختيارها للمشاريع المختلفة التي تمولها إلى الأولويات الإنمائية للدول العربية . وأن دور مؤسسات التمويل العربية لا يقتصر على المساهمة التي تقدمها للدول المستفيدة فقط وإنما لاستقطاب العون الدولي لمشاريع التنمية في الدول العربية وتحسين فعالية هذا العون من خلال آلية لمتابعة تنفيذ المشاريع وتقديم الدعم المؤسسي والمساهمة في تدريب وتطوير وتنمية الأدوار البشرية. وأشارت الأمانة العامة لإدارة الشئون الاقتصادية بالجامعة العربية في تقريرها إلى أن تدفق التمويل الإنمائي من مؤسسات التمويل العربية يقود بشكل مباشر إلى تهيئة لجذب المزيد من استثمارات القطاع الخاص حيث تمكنت المشاريع الكبرى الممولة من مؤسسات التمويل وصناديق التنمية العربية أن تكون مصدرا لا يستهان به في تنشيط حركة الاستثمارات العربية وزيادتها إلى حوالي 3.2 مليارات دولار العام الماضي مقارنة بنحو 95.1 مليار دولار عام 1997 وإقامة مشاريع إنتاجية وخدمية حيوية كثيرة علاوة على العون الفني الذي تقدمه هذه المؤسسات ويساهم بفاعلية لا تنكر في جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول العربية من خلال تمويل دراسات جدوى مشاريع استثمارية جديدة.. وكذا تمويل دراسات قطاعية لتحديد المشروعات الاستثمارية ذات الأولوية في القطاعات المختلفة.. ورفع كفاءة الأجهزة التخطيطية والتنفيذية في الدول المستفيدة لزيادة قدرتها على إعداد وتنفيذ المشاريع الاستثمارية وذلك من خلال إعادة تنظيم هذه الأجهزة وإدخال النظم الإدارية والمالية الحديثة التي تساعد على رفع كفاءة الأداء وإلغاء الروتين وبالتالي تحسين مناخ الاستثمار وجذب الاستثمارات الجديدة. آليات جديدة للتمويل وشدد التقرير على حاجة الاقتصاد في الوطن العربي لأدوات عربية جديدة تهتم بالتمويل المتوسط وطويل الأجل لمشاريع القطاع الخاص تتناسب مع تنامي دوره في الاقتصاديات العربية مستقبلا لاسيما في ظل تضاعف حجم المسئولية الملقاة على عاتقه نتيجة الأوضاع الاقتصادية والتحديات المحيطة بالعالم العربي وتراجع إيرادات الدول السيادية التي كانت تضخ في تمويل المشروعات المتعلقة بالبنية التحتية.. موضحا أن مؤسسات التمويل وصناديق التنمية العربية مطالبة مستقبلا بالاهتمام بتعزيز دور القطاع الخاص في الدول العربية بما يتجاوب مع سياسات التخصيص التي تنفذها الكثير من الدول العربية في إطار برامجها الإصلاحية ويساعد على إفساح المجال للفعاليات الخاصة لتقوم بدور أكبر في التنمية الاقتصادية سواء في الأنشطة الانتاجية والخدمية أو في بعض قطاعات البني الأساسية وذلك من خلال تمويل مشروعات القطاع الخاص. تحويل التجارة ورصد التقرير عدة أنشطة ساهمت فيها مؤسسات التمويل وصناديق التنمية العربية تخص مجال التجارة منها المساهمة في تسهيل نقل السلع من خلال مشروعات تطوير النقل الجوي والبحري والبري وزيادة طاقاتها للنقل والمناولة في كثير من الدول العربية.. إضافة لإنشاء موانئ جديدة وتطوير عدد من الموانئ القديمة وزيادة طاقاتها بإقامة أرصفة جديدة.. علاوة على إنشاء برنامج تمويل التجارة العربية برأسمال 500 مليون دولار لتعزيز وتنمية المبادلات التجارية العربية ومضاعفة القدرات الإنتاجية والتنافسية للمنتج والمصدر العربي.. موضحا أن إجمالي عمليات البرنامج حتى نهاية عام 1996 تجاوزت ملياراً و325 مليون دولار تمثلت في منح 210 خطوط ائتمان وإبرام 106 خطوط ائتمان.. وأن قيمة المعتمد لعمليات برامج تمويل التجارة في البنك الإسلامي للتنمية تجاوز 11 مليار دولار. مطلوب 250 مليار دولار ويرى الدكتور علي نجم محافظ البنك المركزي المصري الأسبق أن حاجة الدول العربية لآليات تمويلية في الفترة المقبلة أكثر من أي مرحلة سابقة لاسيما وأن الاحتياجات المالية لتمويل البنية التحتية في الدول العربية في العشر سنوات القادمة تتجاوز 250 مليار دولار على أقل تقدير الأمر الذي يتطلب مؤسسات تمويل وصناديق تنمية ومصارف عربية قادرة ماليا ومهنيا على المساهمة الفعالة في تأمين هذه الاحتياجات.. موضحا أن اللجوء لمؤسسات تمويل دولية لتوفير هذه الاحتياجات يكلف الكثير ويعرض الاقتصاديات العربية لشروط تعسفية في قيمة القروض وفائدتها وفترة السماح والسداد بالإضافة إلى أنه قد يملي عليها مواقف معينة تضطر لقبولها تحت وطأة الحاجة.. مشددا على ضرورة ليس فقط بقاء مؤسسات وصناديق التمويل العربية وإنما مضاعفة قوتها ماليا وفنيا حتى تتمكن من تحمل مسؤولية تحديات المستقبل. موقف حرج ووصف الدكتور علي نجم موقف مؤسسات وصناديق التمويل العربية خلال الفترة المقبلة بأنه حرج في ضوء تراجع الأوضاع الاقتصادية العربية بصفة عامة والخليجية بصفة خاصة.. مؤكدا على أن الدول الخليجية كانت منذ البداية تساند هذه الصناديق وتدعو لإنشائها وتمولها من أجل تمويل مشروعات الإنماء العربية في دول العجز غير أن الأوضاع الراهنة ربما لا تمكنها من الاستمرار في أداء هذا الدور نظرا لما تعانيه من تراجع حاد في عائدات النفط الأمر الذي يجعلها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والاهتمام باحتياجاتها الوطنية في المقام الأول. الحل في دمج البنوك وينصح الدكتور علي نجم بالاتجاه في الفترة المقبلة إلى تبني سياسة الاندماج بين البنوك العربية وتكوين كيانات مصرفية ضخمة تستطيع توفير التمويل والاحتياجات اللازمة للمشروعات التنموية العربية.. مشيرا إلى أهمية أن يكون هذا الاندماج طواعية ودون تدخل إداري من الحكومات العربية وذلك من خلال منح حوافز ومزايا للمصارف المندمجة.. موضحا أن عمليات الاندماج من الممكن أن تتم بين بنوك قطرية أو أخرى عربية.. مؤكدا أن الأسلوب الثاني بالاندماج بين البنوك في الدول العربية المختلفة يساهم بفاعلية أكبر في تعويض التراجع المحتمل لنشاط مؤسسات وصناديق التمويل العربية الفترة المقبلة. وأضاف أن الاندماج المصرفي أسلوب أثبت نجاحه في معظم دول العالم لدرجة أنه لم يصبح قاصرا على المصارف والبنوك وبدأت الشركات ومكاتب المحاسبة العالمية الكبرى في إتمام عمليات اندماج عملاقة موضحا أن عام 1996 شهد نحو 1452 حالة اندماج مصرفي على مستوى العالم قيمتها تتجاوز 153 مليار دولار مقابل 2.83 مليار دولار عام 1995 وحوالي 6.108 مليارات دولار عام 0199 مشير إلى أن حالات الاندماج في القطاع المصرفي العربي قليلة في حين أن القطاع يعاني من تخمة بنوك صغيرة هشة يجب دمجها معا في كيان واحد أو دمجها في بنوك كبيرة.. وشدد على المرحلة المقبلة والتحديات التي تواجه الاقتصاد العربي وآخرها المأزق المتوقع لمؤسسات وصناديق التمويل العربية الذي يتطلب إعادة النظر في هذه المسألة. تنويع الموارد ويقترح الدكتور حمدي عبد العظيم عميد مركز البحوث بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن تتجه مؤسسات وصناديق التمويل العربية إلى تنمية مواردها بشكل ذاتي من خلال توظيف بعض أموالها في الاستثمار في أذون الخزانة الدولية التي تطرحها بعض الدول بفائدة كبيرة أو في المساهمة في بعض المشروعات ذات العوائد الكبيرة.. موضحا أن تنويع الموارد ومصادر الدخل لهذه المؤسسات والصناديق يوفر لها الأمان من المخاطر المفاجئة التي قد تحدث في حالة اعتمادها على مورد واحد مثلما حدث مع تراجع أسعار النفط. وأوضح أن تراجع أسعار النفط وتداعيات الأوضاع الاقتصادية ستؤثر على أداء مؤسسات وصناديق التمويل العربية لا سيما الخليجية منها التي تعتمد بشكل رئيسي على الموارد القادمة من الدول المؤسسة والتي لن يكون بمقدورها تأمين نفس المساعدة نظرا لتراجع إيراداتها.. مشددا على أن إبقاء أموال تلك المؤسسات راكدة دون استثمار أمر غير منطقي وأنه يجب الاتجاه لاستحداث موارد جديدة توفر السيولة اللازمة لاستمرار هذه المؤسسات في أداء دورها وتمويل المشروعات الإنمائية العربية. ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم أن دمج صناديق التمويل العربية في صندوق واحد بشكل مؤقت لحين تحسن أسعار النفط المتوقع أفضل البدائل المطروحة لأن دمجها سيمنحها قدرة مالية كبيرة يضاعف من دورها التنموي ومرونة في تعديل سياستها وبرامجها بحيث يمكنها تخصيص شريحة أكبر لتمويل مشروعات القطاع الخاص والمساهمة في مشروعات عربية مشتركة تحقق التكامل الاقتصادي العربي بحيث تستفيد عدة دول متجاورة من هذه المشروعات.. كما يتيح توفير القروض بشروط أفضل وآجال أطول. الحاجة إليها ماسة وشدد الدكتور إبراهيم فوزي رئيس هيئة الاستثمار على أهمية مساندة صناديق ومؤسسات التمويل العربية.. موضحا أنها ساهمت بصورة فعالة في مشروعات التنمية العربية خلال الفترة الماضية.. وقال أن أهميتها تزايدت في الآونة الأخيرة في ظل المعطيات الاقتصادية التي تسود العالم الآن وأهمها التوجه نحو رفع الحواجز.. ويرى أن أداء هذه المؤسسات والصناديق تتميز بتحسن أوضاعها المالية من خلال أرباحها المحققة وأدائها الاقتصادي الذي شهد تطورا ملحوظا خلال السنوات الماضية نتيجة القناعة العربية بأهمية مشاركة هذه المؤسسات في تطوير اقتصاديات البلدان الأعضاء فيها سواء تجسد ذلك في مشروعات البنية التحتية أو تثمين الموارد البشرية. وأضاف أن تلك المؤسسات ساهمت بفاعلية في عشرات المشروعات داخل مصر.. حيث بلغت قيمة الأموال المقدمة من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي نحو 5 مليارات جنيه خصصت لحوالي 25 مشروعا إنمائيا كما يقدم صندوق أبو ظبي تمويل عدة مشروعات حيوية لاسيما في المناطق الجديدة وفي قطاعات إنتاجية وخدمية مختلفة.. كما يساهم الصندوق الكويتي في تمويل مشروع نقل المياه لوسط سيناء.. ويمول البنك الإسلامي للتنمية 14 مشروعا.. موضحا أن صناديق التمويل وافقت مؤخرا على المساهمة في عدة مشروعات أخرى أبرزها مصنع الحديد المزمع إقامته في أسوان باستثمارات 755 مليون دولار ورأسمال 240 مليون دولار حيث تدرس الصناديق سد الفجوة التمويلية بين رأس المال والاستثمارات المطلوبة.. ومشروع طلمبات الدفع في توشكى واستصلاح واستزراع 135 ألف فدان في سيناء. القاهرة ـ البيان ـ يوسف شاكر