مع اقتراب العالم من الألفية الثالثة, أصبح هناك اتفاق على أن التنمية ليست أموالا فقط, إذ لابد من أن تكون هناك سياسات اقتصادية كلية سليمة, والتأكد من متانة الموقف المالي والنقدي والسياسات المتبعة في هذا المجال . علاوة على ذلك, من المهم مراقبة التدفقات الرأسمالية, والحرص على توفير الشفافية. وهذه كلها نقاط أخذت تكتسب اهتماما إضافيا بعدما حدث من أزمات في كوريا, تايلاند, اندونيسيا, البرازيل وروسيا, وهو ما أكسب الأزمة صفة العالمية. فقد بدأت الأزمة في دولة ثم أخذت تنتقل عبر نظامنا الدولي إلى دولة تلو أخرى, وتترك آثارا اجتماعية إلى جانب آثارها المالية والهيكلية. تأثرت مصر بما حدث في كوريا, وطالت العدوى أمريكا اللاتينية. والدرس الذي تعلمه العالم من تجربة العامين الماضيين أنه لا يمكن لأحد الآن الادعاء بوجود ذلك الفاصل أو الحاجز بين ما هو مالي, وما هو هيكلي أو اجتماعي. وبالنسبة للبنك الدولي, حيث المسؤولية الأكبر والاستثمار طويل الأجل يتركزان في مجال السياسات الهيكلية والتأثيرات الاجتماعية, فإن المشكلة هي العلاقات المتداخلة بين ما نسعى للقيام به خلال أوقات الأزمات وفي الظروف العادية بالسياسات الاقتصادية الكلية. إننا نتدخل ونشدد في تدخلنا على ضرورة وجود تعليم جيد, ورعاية صحية متقدمة, وطرق سليمة وبنية تحتية متطورة, إلى جانب توفير الطاقة والمياه, والالتزام بسياسات بيئية قوية. درس آخر تعلمناه من سلسلة الأزمات الأخيرة, وهو أنه إلى جانب الجوانب الاجتماعية, يجب أن تلقى السياسات الهيكلية اهتماما خاصا, ليس فقط إبان الأزمات, لكن أيضا خلال فترات التحول. فقد تتمكن الدولة من وضع سياسات مالية ونقدية محكمة, لكن إذا لم يصاحب تلك السياسات أداء حكومـي قـوي وسليم, أو إذا لم تلازمها حملـة شاملة لمواجهة التأثيرات المزعجة للفساد, أو وجود نظام قانـوني قوي ومتين لضمان حماية حقوق الملكية والوفاء بالعقود أو الالتزام بحقوق الإنسان, فلابد أن تبرز نقاط ضعف لا مفر منها في الهيكل العام. ومثل هذه النواقص ستقفز إلى السطح حتى لو كان لدى الدولة نظام معقول لكن القضاء يعاني من بعض أوجه عدم الأمانة, وخاصة من جانب القضاة. ولدينا مثال واضح حين شن الرئيس الجورجي إدوارد شيفاردنادزه حملة تستحق كل الإشادة لمواجهة سطوة القضاة الذين جمعوا من الثروات ما جعلهم الأغنى في بلادهم جورجيا. وتمثلت المواجهة التي أطلقها شيفاردنادزه بمعاونة البرلمان الجورجي في الترتيب لمساءلات أو بالأحرى اختبارات للقضاة أذاعها التلفزيون, وكانت النتيجة مذهلة, حيث أخفق في هذه الاختبارات نحو 170 قاضيا من بين العدد الإجمالي والبالغ 200 قاض. وتمت إقالة القضاة الفاشلين على الفور واستبدالهم بقضاة جدد في سابقة سيتذكرها الجورجيون طويلا. ومن المشجع أنه عندما تبدأ في التعامل الجريء مع القضايا الهيكلية, يمكن أن يحس الجميع بالفرق في غضون فترة زمنية قصيرة. ولنأخذ مثلا دولا مثل كوريا, تايلاند, اندونيسيا وروسيا. وهي دول عانت ـ كما هو معروف ـ من نقاط ضعف مختلفة في النظامين المالي والمصرفي, وتأثيرات هذا الضعف لمسها وأحس بها كثيرون, وخاصة الفقراء. ولننظر كذلك إلى نتائج وتداعيات افتقار الدولة لنظام اجتماعي جيد أو لشبكة حماية اجتماعية شاملة حتى ولو كان لدى هذه الدولة نظام مالي متماسك وسياسة نقدية سليمة. عند انتقال هذه الدولة إلى مرحلة الخصخصة عريضة القاعدة, ستكون النتيجة تسريح أعداد كبيرة من العاملين, فتتفاقم مشكلة البطالة ولا يجد الناس حتى قوت يومهم. قادنا ذلك إلى أن نتأكد من أن السياسة المالية والنقدية السليمة لا تتأثر إلا في ظل هيكل قوي للحكم. ونظام قانوني وقضائي سليم, وآليات دقيقة للاشراف المالي, وفوق كل ذلك شبكة حماية اجتماعية شاملة. إن البنك الدولي في مأزق شديد وورطة حقيقية عندما يفكر في الألفية الثالثة, فهناك إدراك لدى مسؤولي البنك أن كثيرا من الدول التي يتعامل البنك معها, ليس هناك الهيكل السليم اللازم. فهل نتحرك ونتقدم قبل التعامل مع المشكلات الهيكلية؟ وهل هناك أي فائدة من الحديث عن السياسة المالية والنقدية قبل البدء في وضع الأسس المتينة للهيكل السليم؟ وهل سنتمكن من بيان الفوارق بين تلك الدول الشيوعية السابقة مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك والتي حققت نجاحات لافتة, والجمهوريات السوفييتية السابقة التي تفتقر تقريبا إلى أي هيكل أو التي يمكن أن تكون لديها تنظيمات هيكلية لكنها تعاني من الفساد المنتشر؟ والمهمة الماثلة أمام مسؤولي البنك الآن هي كيفية تقديم المساعدات القيمة للحكومات, وخاصة عندما تكون النظرية واضحة لكن الممارسات التطبيقية صعبة. فهل السياسة المالية والنقدية المرضية تكفي أم لا؟ بالنسبة للبنك, الإجابة هي باختصار أنها لا تكفي. لكن الصلة بين السياسة النقدية المالية السليمة وذات القاعدة العريضة والإصلاح الهيكلي وتقديم الأهداف الاجتماعية هي لب المشكلة التي تواجهها وتواجهها المؤسسات المالية الدولية الأخرى. إن البنك لديه أهداف رائعة منها على سبيل المثال خفض معدلات الفقر في العالم إلى النصف. ولدينا كذلك هدف توفير التعليم للجميع في شتى أنحاء العالم. ونسعى أيضا لرفع متوسط الأعمار في العالم كله, هذا علاوة على توفير خدمات رعاية صحية أفضل للجميع, وهي كلها أهداف نبيلة وتسعى مؤسسات أخرى إلى تحقيقها إلى جانب البنك الدولي. لكن كلها امنيات, فالأرقام الحالية تقول إن المسافة لاتزال بعيدة بيننا وبين هذه الأهداف, فمعدلات الفقر تزداد باطراد, وعدد من يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم يتجاوز 4,1 مليار شخص, بينما هناك نحو (ثلاثة مليارات شخص يحيون على أقل من دولارين في اليوم. وليس هذا كل شيء عن صورة الفقر والفقراء في العالم, بل مجرد ملامح عن المشكلة والحقيقة المؤلمة التي يجب أن يواجهها العالم بأسره. وليس الفقراء فقط. فخلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة سيضاف نحو ملياري نسمة إلى سكان العالم. وأفضل التقديرات تشير إلى أن المليار ونصف المليار شخص الذين يعيشون تحت خط دولار واحد في اليوم يمكن أن يزداد عددهم إلى ملياري شخص. وهكذا, يجب أن نسأل أنفسنا: هل عند انتقالنا إلى الألفية الثالثة سنقوم بنفس ما نقوم به الآن مع علمنا بأن المشكلات ستزداد صعوبة وستتسع مساحاتها خلال العقدين المقبلين؟ وهل هناك تغييرات لازمة علينا أن نقوم بها في الطريقة التي نتعامل بها مع عملية التنمية يمكن أن تخرج عنها نتائج كمية وكيفية مختلفة؟ الشيء الوحيد المؤكد هو أننا إذا واصلنا القيام بنفس ما نقوم به الآن فلن نحصل على النتائج أو نصل للأهداف المرجوة التي سبق ذكرها. لذلك لابد من التفكير بطريقة مختلفة للتوصل إلى إجابات فيها من الابتكار والإبداع الكثير. هل يجب علينا أن نعطي اهتماما أكبر بالمسائل الهيكلية؟ وهل علينا أن نصر على الدول التي نعمل معها ولا تملك التمويل الكافي بضرورة البدء بالإصلاحات الهيكلية؟ نحب أن ندخل الألفية الثالثة وأمامنا أدلة تنير أمامنا الطريق. لذا, يجب أن نحدد الأولويات منذ الآن, ونلح على ضرورة الالتزام بمسألة التوازن في عملية التنمية الواسعة. لكن لابد من تغيير الإجراءات والسياسات ليس بالبنك فقط, بل في المجتمع الدولي كله. والفعالية تحقق, كما يدرك الجميع, من خلال المشاركة بين مختلف الأطراف ـ الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الإقليمية والدولية. ومن دون ذلك لن نقترب أبدا من الأهداف التي نتمنى ويتمنى العالم كله تحقيقها. رئيس البنك الدولي