منذ مطلع الثمانينات والعالم يشهد تغييرات تتزايد وتيرة تدفقها الى درجة ارباك متخذ القرار العام والخاص, في البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء: العولمة, او تحول العالم, الذي كان فيه لا يعرف بلد ماذا يدور في البلد المجاور , أصبح كما لو كان يتقلص في حجمه الى مدينة واحدة. التكنولوجيا والاتصالات والمعلومات تدمج العالم وتترك آثارا بعضها لمسناه والبعض الآخر لا ندرك أين سيؤدي بنا. والوطن العربي كجزء من هذا العالم يدرك ان خصوصياته تواجه وضعا جديدا ومعظم الدول العربية اخذت تتعامل مع تلك المستجدات وتتغير للاستفادة من الايجابيات وتفادي ما يمكن تفاديه من السلبيات. ويمكن استعراض هذه المتغيرات وأثرها على فرص نجاح التجربة الجديدة باقامة منطقة حرة عربية مشتركة كخطوة أولى نحو السوق العربية الموحدة. أولاً: المتغيرات العالمية: العولمة الحديث عن العولمة وسماتها وما يمكن ان يترتب عليها حديث معاد مكرر. وما يعنينا هنا هو ما تعنيه في سياق حركة التنمية الاقتصادية العربية والتكامل العربي. فتحرير التجارة الدولية وعولمة الانتاج عظمت الاعتماد المتبادل. والدول النامية التي كانت تحاول ان تنتج للاحلال محل الواردات اصبحت نمورا اقتصادية عندما اضافت الى ذلك وتوجهت الى الانتاج نحو التصدير, ورغم الأزمة المالية التي تعرضت لها دول شرق آسيا فإن القاعدة الانتاجية لديها مازالت قوية, بل ان انخفاض اسعار عملات تلك الدول يعطيها مزيدا من القوة لاقتحام اسواق العالم. ولم يعد تحقيق الميزة في الانتاج يعتمد على الوحدة الانتاجية المغلقة انما انتقل الى حساب التكاليف لمختلف مراحل الانتاج ومكونات المنتج. الاجزاء التي يعتمد انتاجها على البحث والتطوير والابداع تحتفظ بها البلدان المتقدمة قريبا منها بما يحافظ على كفاءتها واسرارها والمكونات كثيفة العمالة تبحث عن الموقع وافر العمالة المدربة منخفضة الاجور, والمكونات التي تعتمد بشكل اكبر على الطاقة تبحث عن المكان الذي تتوفر فيه الطاقة بأسعار مناسبة, وهكذا. وكما ان انفتاح العالم اطلق حركة انتقال السلع والانشطة الاقتصادية فهو يعطي حرية متزايدة لحركة التدفقات المالية والاستثمارات دون اعتبار للحدود الموضوعة. جات ومنظمة التجارة العالمية: رغم ان الاتفاقية العامة حول التجارة والتعريفات الجمركية (GATT) بدأت منذ عام 1947 الا ان جولة اورجواي التي بدأت في سبتمبر 1986 وانتهت باتفاقيات مراكش في ابريل 1994, تختلف بشكل جذري من حيث عدد اعضائها ومن حيث الانشطة والسلع التي تغطيها, الى جانب ضبطها للتنفيذ والمتابعة بواسطة منظمة التجارة العالمية. والدول العربية منها اعضاء في المنظمة الدولية حاليا وهي مصر والبحرين والكويت والمغرب وموريتانيا وقطر والامارات وتونس وجيبوتي ومنها من يفاوض على الانضمام, وهي السعودية والاردن وعمان والسودان والجزائر وليس هناك خلاف على أنها جميعا ستصبح اعضاء والجميع سينال ويناله من آثار نتائج جولة أورجواي من ذلك: نظرا الى ان الدول العربية مستورد صاف للمنتجات الزراعية ونتيجة لمنع الدول المنتجة من دعم منتجاتها الزراعية فإن الاسعار ترتفع, وعلى الاقل في المدى القصير تزداد قيمة فاتورة الاستيراد العربي من المنتجات الزراعية التي كانت مدعومة, اما على المدى المتوسط والطويل فانه بالعمل المدروس الجاد يمكن تحويل تلك السلبية الى ايجابية. إذ كان العالم العربي وحتى قبل عشرين سنة يشكو من ان المنتجات الزراعية المدعومة التي تغرق الاسواق وقفت حجر عثرة أمام استغلال امكاناته الانتاجية. إذ كان العالم العربي وحتى قبل عشرين سنة يشكو من أن المنتجات الزراعية المدعومة التي تغرق الاسواق وقفت حجر عثرة أمام استغلال امكاناته الانتاجية. الآن هذه الحجة تنتفي فهل نستطيع ان نثبت صحة ما كنا نقول؟ لا شك ان الواردات المدعومة من بلد المصدر تحد من المقدرة على الانتاج والتسويق بشفافية وأسعار السوق, إذ أن الدعم يشوه هيكل الاسعار والتكاليف ويؤدي الى المنافسة غير المتكافئة. لكن الدول العربية بدون تحقيق الاستقرار المنشود وتهيئة مناخ الاستثمار والانفتاح على بعضها البعض تجاريا ستظل مقدرتها على الحركة محدودة, حاليا, وبغض النظر عن التنمية والتكامل عربيا, تكون هناك فوائض وقتية او موسمية في بعض المنتجات الزراعية او مواد البناء يقابلها عجوزات في بلد عربي آخر, لأسباب مناخية او دورات قطاع التشييد, إلا ان صعوبات التبادل التجاري بصيغته الحالية تحد من التكامل المطلوب. في 9 ديسمبر 1996 اعلن وزراء تجارة العالم ممثلو الدول اعضاء منظمة التجارة العالمية انهم سيعملون على الاسراع بازالة العوائق امام صادرات الدول النامية من المنسوجات. وهذا الموضوع كان مجال جدل بين الدول الصناعية والدول النامية. وباطلاق حرية دخول الاسواق ربما تتضرر بعض الدول العربية من ناحيتين, الاولى: ان تلتهم حصتها في الاسواق المستهدفة دول أخرى مثل الصين والهند, والثانية: ان تزول الاسباب التي أدت الى قيام استثمارات في المنسوجات لدى بعض الدول العربية للاستفادة من حصصها في تلك الاسواق المقيدة فتنهي انشطتها. هناك اكثر من 135 اتفاقية ثنائية بين الدول العربية منها التجارية الصرفة ومنها ما يتضمن تحرير التجارة. وكما هو معلوم فإن جات 1947 تستثني من حق الدولة الاولى بالرعاية فقط التكتلات وبحد أدنى ما يهدف الى قيام منطقة تجارة حرة. والاتفاقات الثنائية العربية عدا بضع منها لا تهدف الى تحقيق منطقة تجارة حرة وبالتالي فهي موضع تساؤل. ومنطقة التجارة الحرة العربية 1997م تجيز لاعضائها التعامل فيما بينهم بما يسبق البرنامج الزمني المتفق عليه وبالتالي تستطيع تبادل منافع الاتفاقات الثنائية وذلك في نطاق التكامل العربي. لكن, في هذا الصدد ووفق GATT يجب على الدول العربية الالتزام بتنفيذ منطقة التجارة الحرة. التكتلات الاقليمية حسب (WTO) فإن هناك 76 اتفاقية اقليمية لتجارة حرة او اتحاد جمركي, ونصف هذا العدد ابرم في التسعينات بين مجموعات مختلفة وبلدان متفاوتة تفاوتا شاسعا في مستوى المعيشة NAFTA على سبيل المثال, فأجر العامل في الولايات المتحدة حوالي ثمانية أضعاف مثيلة في المكسيك, تدفقت الاستثمارات على المكسيك للاستفادة من مزايا تحرير التجارة في المنطقة, مما سيؤدي الى ان تحل صادرات المكسيك من المنتجات كثيفة العمالة محل صادرات دول اخرى الى الولايات المتحدة الامريكية وكندا, كذلك فإن الاتحاد الاوروبي يتجه بقوة الى أوروبا الشرقية, حتى وإن كان وبحماس أقل, يتجه إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط, فإن اضافة المنطقتين معا ستكون نتيجته بالنسبة للدول العربية المحافظة على حصتها في الاسواق الاوروبية, على أفضل تقدير. المتغيرات على الصعيد العربي التغيرات والمتغيرات على المستوى العربي جعلت الدول العربية أقدر على تحقيق التكامل عربيا ومن ذلك: الاصلاحات الاقتصادية ومنها النقدية والمالية والبنيوية وافساح المجال امام القطاع الخاص, حققت قدرا لا بأس به من الكفاءة في مختلف المجالات, وأزالت, أو هي تزيل العديد من العوائق التي كانت تعرقل الجهود العربية المشتركة مثل ما يتعلق بــ: شدة الاعتماد على الرسوم الجمركية في الايرادات الحكومية حيث اوجدت بدائل من الضرائب المختلفة. تحرير اسعار صرف العملات وقابلية التحول النقدي. تسوية المدفوعات. تصحيح الاسعار وشفافية الاسواق. تحسين مناخ الاستثمار, ولو انه نسبيا يحتاج الى المزيد. بصفة عامة اصبحت الانظمة اقرب الى التشابه منها الى التنافر عندما كان العديد من الدول العربية الهامة تنتهج سياسات الاقتصاد الموجه. للمقارنة, فإن المجموعة الاوروبية عندما بدأت عام 1958 اعتمدت على التجارة في تحريك نموها الاقتصادي وكانت تجارتها البينية آنذاك حوالي 40% وهي في عام 1996 تزيد على 60% إذ أن وجود تجارة بينية مؤثرة جعلها تحرص على مزيد من التكامل فيما بينها مما ساعدها ايضا في اقتحام الاسواق العالمية. إذ كانت حصتها في التجارة العالمية 25% في البداية وصلت الى أكثر من 40% العام الماضي. اما الدول العربية فتراوحت تجارتها البينية في الخمسينات بين 2% و4% من تجارتها مع العالم. وفي السنوات الأخيرة تراوحت بين 8% و10% فالقاعدة الانتاجية اصبحت تدعم التجارة العربية البينية. ففي عام 1996 تجاوزت الصادرات العربية البينية 12 بليون دولار امريكي ورغم انها كنسبة مئوية في حدود 8% فقط من اجمالي صادراتها الا ان المقارنة بالارقام تخفي مكونات الصادرات العربية من النفط والمواد الاولية الاخرى التي تشمل الجزء الاعظم من الصادرات العربية الى العالم. وان اكثر من 20% من المنتجات المصنعة المصدرة عربيا (و30% من الصادرات الزراعية) تتجه الى البلدان العربية. وعلى اعتبار ان القيمة المضافة في الصادرات العربية 80% فإن مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي العربي لعام 1996 المقدر بحوالي 550 بليون دولار بلغت حوالي 20%. وبالتالي فإن مقولة ان هياكل الانتاج العربية هزيلة ومتوازية, وعدم وجود سلع كافية يمكن تبادلها, في طريقها الى الزوال, فالتجارة العربية البينية نمت في المتوسط منذ عام 1985 بقدر اكبر من نمو التجارة الخارجية العربية, بصفة عامة (6%) مقابل (4%). وجود المؤسسات المالية العربية ودورها المتزايد في تمويل وضمان الصادرات, مثل صندوق النقد العربي والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار, ومثل الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي قرر محافظوه في 10/5/1997 دعم القطاع الخاص مباشرة بدءا بمبلغ 500 مليون دولار خصص لهذا الغرض. كان ضعف المعلومات التجارية وغيرها هاجسا امام محاولات التكامل العربي في السابق, اما الآن فتغير الوضع لدى صندوق النقد العربي وبرنامج تمويل التجارة العربية وتوفرت المعلومات من مصادر عربية وأخرى دولية. كذلك يسر المهمة تطور أنظمة المعلومات دوليا مثل Internet. متابعة التنفيذ والتزام الدول العربية بخطوات التحرير التي يتفق عليها في الاطار العربي كانت أبرز العراقيل. وقد صمم البرنامج التنفيذي العربي 1997, بما يمكن في المتابعة المستمرة ودور القطاع الخاص المتنامي, بحد ذاته, يساهم في تنفيذ التزام الحكومات. العمل على إقامة منطقة تجارة حرة عربية اصبح مطلبا عربيا من مختلف المستويات وهذا ما اكده ملوك ورؤساء الدول العربية في قمة 23 يونيو 1996. كما ان المؤتمر السادس لرجال الاعمال والمستثمرين العرب (وهو اكبر تجمع اقتصادي عربي دوري يعقد كل سنتين) أوصى بإقامة منطقة التجارة الحرة العربية باعتبارها المشروع العملي الملائم لبناء التكامل العربي. وكما ذكر في البداية فإنه خلال السنوات القليلة الماضية التقت المساعي العربية المختلفة, بما فيها مشروع السوق العربية المشتركة واتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري, عند هدف إقامة منطقة التجارة الحرة. كتب عبدالفتاح فايد