أهل القانون والمتعاملون به لابد ان يكون لهم(دلو)في الموضوع فهم اكثر الناس تعاملاً مع قضايا التجار ومشاكلهم المتعددة من هنا فإن الابعاد الكثيرة لما يحدث في السوق حالياً يستدعي بعضها اللجوء الى اهل القانون باعتبارهم اقدر الناس على معرفة الاسباب المباشرة والأساسية لتعثر بعض التجار وما يترتب على ذلك من تخلف عن تسديد الديون من خلال عملهم وخبرتهم القانونية فماذا يقولون ؟ اعتراض على التسمية الدكتور حبيب محمد شريف الملا المحامي والمستشار القانوني المعروف يرفض ويعترض على تسمية موضوع تعثر التجار (بالظاهرة) لان هذه الكلمة قد تعطي انطباعاً لا يعكس طبيعة الحال اذ انه قياسا الى عدد المنشآت التجارية العاملة في الدولة فإن خروج البعض نتيجة تعثرهم في سداد ديونهم لا يمكن تسميتها ظاهرة وعدد هؤلاء قليل نسبياً بالقياس الى عدد المنشآت العاملة وهذا الامر طبيعي ويتكرر في العديد من الدول اذ انه في الحالات التي تشهد فيها حركة الاقتصاد نوعاً من الصعوبة فإنه من الطبيعي ان تتأثر حركة التجارة وقدرة البعض على سداد التزاماتهم المالية, ومن الطبيعي كذلك ان يتعثر بعض الذين يعملون في مجال التجارة في مثل هذه الظروف الا ان النتائج المترتبة على مثل هذا التعثر تختلف في دولتنا عنها في الدول الاخرى. واشار الى ان المستثمرين الاجانب لا يمتلكون اية اصول عقارية او غيرها الامر الذي يجعل من خروجهم من السوق اسهل الطرق لمواجهة تعثرهم المالي, وهذا بالاضافة الى ان القانون لدينا يجرم عملية اصدار شيك بدون رصيد حتى ولو كان ذلك راجعاً الى اسباب تجارية بحتة نتيجة تعثر الوضع المالي للساحب مثلاً. ولو لم يكن مثل هذا السيف الجائر مسلطاً فإن الكثير من التجار سوف يفضلون البقاء ومحاولة علاج مشاكلهم المالية وجدولة ديونهم بموجب قوانين الافلاس وغيرها. ويضيف د. الملا (لقد شهدت بنفسي حالات عديدة يخرج فيها التجار من السوق لا لعدم قدرتهم على جدولة ديونهم ولكن بسبب رجوع بعض شيكاتهم والخوف من ايداعهم السجن. معالجة اقتصادية ولا يرى د. حبيب الملا بأن المسألة هي في عدم وجود تشريعات مناسبة او غياب التنسيق كما انه لا اتصور وجود اي تشريع يمكن ان يمنع خروج التجار فهي مسألة طبيعية في اوقات الشدة الاقتصادية وتوجد في جميع الدول وان كانت لا تتمثل في الهرب بقدر ما تتمثل في حالات افلاس واللجوء الى المحاكم لجدولة الديون. ولكن المشكلة كما قلت تكمن في طبيعة المعالجة بحد ذاتها والنظرة العامة الى المشكلة فإن عدم تمكين المستثمرين من تملك الاصول سواء في شركاتهم او في العقارات ينتج عنه حتماً تحويل اصولهم الى ارصدة سائلة في الخارج مما يجعل عملية الخروج من السوق سهلة من ناحية ويحرم الدائنين من ناحية اخرى من استيفاء ديونهم من قيمة تلك الاصول وعليه فالمسألة تحتاج الى معالجة اقتصادية من منظور شامل اما الحلول الجزئية فلن تجدي نفعاً. ويؤكد د. الملا ان هذا الخروج بحكم كونه ظاهرة طبيعية لا يمكن منعها نهائياً لكن يمكن الحد من آثارها واولى الخطوات في نظري هي رفع الغطاء الجنائي عن اصدار شيك بدون رصيد وتفعيل وتبسيط نصوص الافلاس الواردة في القانون التجاري بحيث يشكل ذلك نوعاً من الامان لمن تتعثر اوضاعهم المالية بأن اول أمر سيواجهونه لن يكون قضبان السجون وانما سوف تتاح لهم او للجادين على الاقل فرصة لجدولة ديونهم وترتيب اوضاعهم تحت رقابة قانونية وقضائية تعينهم على تخطي الأزمة التي يمرون بها وفي الوقت نفسه تضمن حقوق دائنيهم. مثال واذكر مثالاً بسيطاً هنا والكلام للدكتور الملا لأحد التجار الهنود الذي هرب ورجع الى بلده تاركاً وراءه تركة ثقيلة من الديون تقدر بعشرات الملايين, وقام احد البنوك نيابة عن عدد كبير من دائنيه باجراء مفاوضات معه لجدولة ديونه وتمويل تجارته حتى يتمكن من تسديد جميع التزاماته, وفعلاً فقد رجع المذكور الى الدولة وبدأ بمباشرة اعماله الا انه بعد اسبوع من ذلك تم ايداعه السجن نتيجة لتقدم احد دائنيه الصغار بشكوى جزائية عن شيك بدون رصيد بقيمة 000.25 درهم. ونتيجة لدخوله السجن فقد فشل في الوفاء بباقي التزاماته فتراكمت عليه وما زال هذا الشخص في السجن منذ اكثر من سنة ونصف بينما لم يحصل دائنوه على اي درهم من حقوقهم. ويؤكد بأن تكرار مثل هذا الامر من شأنه ان يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي بشكل عام نظراً لان حركة التجارة سلسلة مترابطة فبالتالي فإن اخفاق تاجر في سداد التزاماته يترتب عليه توقف العديد من تربطهم بذلك التاجر روابط مشتركة من سداد التزاماتهم كذلك مما يترتب عليه تكرر حالات الافلاس وتضرر الاقتصاد بشكل عام. اعادة نظر في التراخيص والشيكات اما علي الشامسي المحامي والمستشار القانوني فيرى ان هذه المشكلة التي طرأت في السوق في الفترة الاخيرة نتيجة لتراكمات اعمال ونشاطات غير طبيعية ومستترة ظلت تعتمل حتى طفت على السطح مشيراً الى ان اساس ذلك هو التنافس بين التجار من الاطراف المتعاملة في السوق ويمكن وصف المنافسة بالرخيصة فالبنوك على سبيل المثال لم تحسم المشاكل منذ بدايتها لذلك تراكمت تلك المشاكل. ويقول علي الشامسي ان عدم وجود اجهزة منظمة للمعلومات ساعد في انتشار مثل تلك الاحداث في السوق وشارك في ذلك ايضاً القطاع الخاص الذي لم ينتبه الى تلك المسألة المهمة اعتقد ان انشاء جهاز للمعلومات الاقتصادية والتجارية سوف يؤدي الى التقليل او الحد من الظاهرة فالبنوك يمكنها معرفة كل التفاصيل عن العميل بمجرد التقدم اليها للحصول على اية تسهيلات او اعتمادات مالية ولذلك فالفترة المقبلة تتطلب وجود مثل هذه الانظمة للمساعدة على التطور ومواكبة ما يحدث حولنا في العالم. أما عن الاسباب وراء تعثر التجارة فترجع الى وجود ضعف في البيئة التشريعية وخاصة فيما يتعلق باعطاء الرخص, فقد تم فتح المجال بشكل واسع أمام اصدارات الرخص التجارية, بالاضافة الى ان قانون الشركات يحتاج الى اعادة صياغة من المشرّع, ومن جانبنا لا نستطيع طرح حلول لأن الوضع الحالي في السوق يوضح الأمر, فالمطلوب من المشرع بحث المشكلة التي لم يتضمنها النص لايجاد الحلول المناسبة, فالتطوير لمصلحة المجتمع. أما بالنسبة للرخص التجارية, ففي رأيي ــ كما يقول علي الشامسي ــ ان الرخصة يجب ان تعطى للتاجر المواطن فقط, لانه الوحيد المدرك للسوق وكيفية تنميته وتطويره بسبب حرصه ومتابعته لما يجري, واذا كان الغرض من اعطاء الرخص لكل المواطنين تنويع مصادر دخولهم فإن هناك وسائل اخرى غير الرخص, والنقطة الثانية هي اعادة النظر في كثرة الرخص التجارية في الدولة لذات النشاط الواحد والنوع الواحد من التجارة. ويضيف علي الشامسي ان البنوك ساهمت في المشكلة التي تعرضت لها بسبب القروض غير المغطاة بضمانات تكفي للسداد, كما ان الازمات الاقتصادية في المنطقة وفي شرق آسيا أثرت بالسلب على الوضع البنكي. وفي الوقت ذاته فإن موضوع الشيكات المرتجعة يحتاج الى اعادة نظر ايضا, فالمطلوب تشريعات خاصة وليس وجود مادتين فقط لمعالجة القضية ويجب الفصل بين قضايا شيكات التجار والشيكات الشخصية.. كما ان البنوك لابد ان تساهم في الحل, فهي تعطي للشخص قرضاً وتأخذ منه شيكات دون ان يكون لديه رصيد, وتبدأ بعد ذلك في الشكوى اذا تأخر عن السداد. ويؤكد ان المسألة برمتها تحتاج الى تقوية البنية التشريعية التي تتعلق بالوضع الاقتصادي ومسايرتها للتطور الذي يحدث في السوق وتغير آلياته وارتباطه بالاحداث العالمية. مسؤولية الشركات المكتب العربي الدولي للمحاماة والاستشارات القانونية بالشارقة.. وهو المكتب الذي يباشر بعض القضايا المتصلة بهذا الموضوع, يقول المستشار القانوني عمر المنزلاوي انه في مثل هذه الحالات يكون الشريك الوافد وخاصة في الشركات (ذات المسؤولية المحدودة) والتي هي دائما في الغالب تكون محل ومسرح لهذه الظواهر السلبية, يكون هو المالك الفعلي للشركة, والشريك المواطن لا يزيد عن كونه كفيل ولا يمارس أي عمل اداري أو أي شكل من اشكال الشراكة المباشرة في الشركة, ومن هنا تأتي الظاهرة, ومثلما حدث في قضية أحد التجار الهنود الذي كان هو المالك الفعلي لأربع شركات منها الشركة الأم ذات المسؤولية المحدودة مع الشركات الثلاث الأخرى, وكلها شركات ذات مسؤولية محدودة وبتراخيص مختلفة, وشركاء مواطنين كفلاء مختلفين, ولجأ التاجر للبنوك للحصول على تسهيلات ائتمانية باسم الشركة الأم, وأصدر قرارا من تلقاء نفسه باعتباره مديرا للشركات الأربع بأن تضمن الشركات الثلاث الأخرى الشركة الأم لدى البنوك, وقدم عقود رهن بموجودات وممتلكات الشركات الثلاث للبنوك كضمان للقروض, وهنا نرى ان المدين أمام البنوك بالقروض والكفيل الضامن لهذه القروض في الحقيقة, والواقع هو شخص واحد, وكل هذه الأمور تمت بقرارات فردية من التاجر الهندي ودون علم شركائه المواطنين الذين هم في الحقيقة ملاك لموجودات هذه الشركات, والتصرف من قبل هذا التاجر غير قانوني ومخالف لقواعد الشركات ولأحكام القضاء, حيث تنص المادة (43) من قانون الشركات على انه (لا يجوز للمدير القيام بالتصرفات التي تجاوز الادارة العادية الا بموافقة الشركاء أو بنص صريح في العقد, ويسري هذا الحظر بصفة خاصة على التصرفات الآتية: أ ــ التبرعات الكبيرة. ب ــ تقرير رهن على عقارات الشركة ولو كان مصرحا له في عقد الشركة ببيع العقارات. ج ــ بيع متجر الشركة أو رهنه. وينص في عقد الشركة ذات المسؤولية المحدودة على ان (مدير الشركة يمثل الشركة في علاقاتها مع الغير وله في هذا الصدد أوسع السلطات.. الا انه في حالة الاقتراض من البنوك أو بيع المحلات والعقارات والرهون وكذلك الاشتراك في المؤسسات الاخرى فلا يجوز اجراؤها الا بناء على قرار جماعي من الشركاء) . ويقول المنزلاوي ان التاجر الهندي لم يلتزم بهذا كله ولم يحصل على أية موافقة من شركائه لا على كفالة ولا على رهن, وهي الوثائق التي حصل بموجبها على التسهيلات الائتمانية من البنوك, وهنا بالتحديد تظهر الثغرات وتتضح الاسباب وراء هذه الظواهر السلبية. والمسؤولية هنا في رأي (المنزلاوي) تقع على البنوك التي أهملت ولم تدقق وتراجع جيدا الوثائق والمستندات المقدمة لها للحصول على التسهيلات الائتمانية, ولم تتحر الدقة في بحث مدى صلاحيات الشخص المتقدم للحصول على هذه التسهيلات, وهذه ظاهرة تتكرر كثيرا وموجودة في بلاد أخرى كثيرة. أزمة حرب الخليج ويقول المستشار القانوني أحمد عبدالباقي ان تعثر التجار في سداد القروض والائتمانات البنكية بدأ يظهر في الاسواق بعد أزمة حرب الخليج والتي تبعها ركود في الاسواق, وكادت هذه الظاهرة تنتشر وتتفشى لولا قدوم الروس للأسواق والذين أحدثوا فيها طفرة انتعاشية ساعدتها على النشاط والاستقرار لعدة سنوات, ثم عاد الأمر للظهور مرة اخرى مع غياب الروس ومع الركود الذي أصاب الاسواق في كل انحاء العالم بسبب الأزمات الاقتصادية العالمية وانخفاض أسعار النفط. ويقول عبد الباقي ان البنوك هنا تتنافس على جذب العملاء عن طريق منح أكبر قدر من التسهيلات الإئتمانية بأقل قدر من الشروط, وكلما أعلن بنك عن تسهيلات أكبر, وهذا بالقطع دفع البعض للطمع في هذه البنوك والتحايل عليها والحصول على قروض كبيرة منها والهروب بها, وأصبح من السهل على البعض تقديم أوراق صورية وغير قانونية للبنوك للحصول على التسهيلات الائتمانية, وتسارع البنوك بمنح القروض والتسهيلات حتى لا تتهم بالتعقيد وعدم المرونة مما يتسبب في هروب العملاء الى بنوك أخرى, ويضيف (عبدالباقي) قائلاً ان العلاقة بين الكفيل المواطن والشريك الوافد هي التي أدت الى إنتشار نوعية الشركات ذات المسؤولية المحدودة في البلاد وهذه الشركات بالتحديد بظروفها وتكوينها القانوني هي التي أتاحت الفرصة لظهور هذه الظواهر السلبية, وإنتشار حالات النصب والاحتيال والهروب بالأموال, لأن المسؤولية المحدودة تضمن القروض والتسهيلات الائتمانية بالشركة نفسها وموجوداتها ومبانيها ومحتوياتها وليس بالأشخاص أنفسهم سواء المواطنين أو الشركاء الوافدين, والبنوك تمنح التسهيلات والقروض بضمان وجود الشركة أو المصنع, ومن المفترض أن على البنوك أن تعاين بدقة الشركة وموقعها وممتلكاتها قبل منح القرض وحتى بعد منحه للتأكد من استمرار الأوضاع, ولكن للأسف البنوك لاتفعل ذلك إلا نادراً, وتعتمد فقط على المستندات التي يقدمها الشريك الوافد والتي تكون في الحالات التي نتحدث عنها مستندات غير قانونية وغير موثقة أو معتمدة من أطرافها جميعهم, ولا تقوم بعض البنوك بمراجعة كل عقود الشركة المقدمة لها وخاصة عقود الرهن والملكية التي تكون في الغالب صورية وغير حقيقية, والشريك المواطن الذي هو في الغالب يكون مجرد كفيل لايحصل من الشركة إلا على مبلغ مقطوع سنوياً مقابل كفالته يكون هو الضحية أيضاً في مثل هذه الحالات, لهذا نقول ان الكفالة في الشركات ذات المسؤولية المحدودة هي أحد الأسباب الرئيسية وراء ظاهرة هروب التجار الوافدين بالأموال, الى جانب مسؤولية البنوك التي تحدثنا عنها وضرورة تشديد الرقابة عليها من قبل المصرف المركزي. تشديد الرقابة ويقول أحمد إبراهيم أحمد المحامي والمستشار القانوني ان المصرف المركزي يتحمل مسؤولية كبيرة في ضرورة تشديد الرقابة الجادة على البنوك خاصة في عمليات منح القروض والتسهيلات الائتمانية, ولاننسى أن هذا كان أحد الأسباب التي أتاحت الفرصة في صيف العام الماضي للإضطرابات التي وقعت في أسواق الأسهم عندنا والتي لعبت فيها قروض البنوك وتسهيلاتها الائتمانية دوراً كبيراً. ويضيف بأن الأزمات الاقتصادية العالمية لها تأثير كبير وخاصة على أسواق الخليج التي تعتمد على تجارة إعادة التصدير بشكل كبير, والإنتعاشة التي حدثت في أسواقنا بسبب قدوم الروس في السنوات الماضية أنقذت الأسواق الى حد كبير, ومنعت تفشى هذه الظواهر السلبية مثل هروب التجار وغيرها. ويقول ان قرار صاحب السمو رئيس الدولة بعدم منح قروض لمحدودي الدخل من الأشخاص مواطنين أو وافدين إلا بضمانات قانونية وواقعية كافية, لاتلتزم به البنوك, ثم تعود تصرخ وتشكو, ومن البديهي أن ترفض المحاكم في الدولة دعاوى البنوك لأنها لم تلتزم بالقرارات. ويطالب أحمد ابراهيم بإعادة النظر في قوانين الشركات ذات المسؤولية المحدودة خاصة فيما يتعلق بوضع الشريك الكفيل أو المواطن, ووضع قيود على سفر الشركاء الوافدين في هذه الشركات مثلما هو موجود في بعض الدول المجاورة والتحرى جيداً حول عدم وجود التزامات مالية أو قانونية عليهم تجاه جهات داخل الدولة. دتحقيق: عادل السنهوري مغازي البدراوي