ما زلنا نعيش في البانوراما الرائعة التي ولدت في أسبوع المفاجآت التراثية حيث أصبحت مدينة دبي تتزين بحلى التراث وتحمل صورة واقعية عن حياة أجدادنا بالماضي وتاريخهم العريق . وكما كانت اللحظات جميلة عندما شاهدنا مساء أمس بمركز لامسي بلازا مساهمة الاطفال في احياء التراث الشعبي وسعيهم إلى تحقيق التواصل ما بين الحاضر والماضي.. على الرغم من ان حصيلة معرفتهم بالتراث ضئيلة مقارنة بالكبار.. فأبدعوا فعلا في توصيل رسالة التراث إلى كل الجمهور الذي توقف عن التسوق بالمركز لمشاهدة ماضي الامارات عبر العروض التي قدمها الاطفال حيث قدم فريق الأولاد فقرة الألعاب الشعبية التي كان الصبية يمارسونها في تلك الآونة مثل الكرابي ولعبة الحبل وخبز رقاق وخوصة بوصة وطاح المطر والحويم ولعبة الذيب واليواني وشيبة شيبة وهدو المسلسل والطشت. ونجد ان هذه الألعاب بدأت تندثر في ظل التطور ودخول ألعاب الكترونية حديثة سيطرت على أذهان ابنائنا وأنستهم ألعاب الأجداد فكانت هذه فرصة جيدة لتعريف الأجيال بهذه الألعاب التي مارسها الآباء والأجداد. كما قدم الأولاد صورة واقعية للحياة البحرية التي عاش بظلها الأجداد فكان البحر هو مصدر الرزق والمورد الغذائي لهم حيث تزخر مياهه بأكثر من ثلاثمائة نوع من الأسماك مما أدى ذلك إلى احتراف الصيد البحري وتصنيع أدواته من شباك مختلفة وتخزين الفائض منه اثر تمليحه في صفائح معدنية. وقد برع هؤلاء الأطفال في عرض هذه الحرفة من خلال الشباك التي عرضوها أمام الجمهور وارتدائهم زي الأجداد الخاص عندما كانوا يتوجهون إلى البحر.. كما انهم أنشدوا مجموعة من الأغاني التي كانت تردد من أفواه الصيادين لحظة الخروج للصيد والغوص. فكم كان هذا المنظر جميلا خاصة عندما جذب الزوار والأجانب فهم لا يعرفون ماضي هذه الدولة وشاهدوا الوجه الحضاري لها فقط. فكانت هذه العروض حقا معبرة عن ماضي الامارات لانها نبعت من قلوب صغيرة لا تعرف التصنع وعن ماضيهم الأصيل الذي لن ينسى أبدا كما انها رجعت بذاكرتنا للوراء إلى حياة البساطة والعناء من أجل الحصول على لقمة العيش نعم هذه العروض بمثابة الاعتزاز والفخر للصغار في ظل التطور والنهضة التي تشهدها الدولة في المجال الاقتصادي والعمراني والتعليمي والاجتماعي. الزي الشعبي والذهب القديم كما رسمت الزهرات الصغيرات (الفتيات) لمسة تراثية سحرية على هذه العروض فقدمن الأزياء الشعبية التي ارتدتها الأمهات من الجلاليب والحلي والذهب بأشكالها التقليدية.. فكان بريقه يشير إلى الماضي العريق وبتصميم فريد لا ينسى.. كما انهن قدمن التسريحات القديمة التي تميزت ببساطتها فكانت رمز جمال المرأة المواطنة. أسواق الماضي وفي الماضي نجد ان الاسواق المنشأة كانت ضيقة ومسقوفة ومتخصصة تقوم على طرفيها دكاكين العطارين والصاغة والخياطين والحدادين وغيرها.. وتعددت لتشمل سكة الخيل وسوق المناظر والتمر والحبال والعرصة والسبخة. وعلى هامش هذه الفقرات تم استعراض مجموعة من اللوحات الفنية التي قدمها الأطفال مثل أغنية (دبي دانة الدنيا) وأغنية (قالوا شتاها حلو بس صيفها أحلى) للمرطبة ريم المحمودي وأغنية (ألف لا شيلة) بجانب تقديم مجموعة من المسابقات التراثية بطرح أسئلة على الزوار من مختلف الحياة البرية والبحرية والبرية.. فتهافت أهالي البلاد للمشاركة والاجابة على الاسئلة ليؤكدوا ان التراث باق بصدورهم ولن يندثر أبدا فهو الماضي والحاضر. كما التقينا بـ (عتيجة السبت) موظفة بوزارة التربية, حيث أشارت الى ان هؤلاء الاطفال قد شاركوا باحياء عدة عروض عن الماضي في مناسبات عديدة وفي مفاجآت صيف دبي جمعناهم من جديد لتقديم هذه العروض وهم فريق دائم في قرية التراث ولهم استعداد كبير في عرض تراثهم بكل أمانة ونقل موروثات اجدادنا الى كل الناس, خاصة انهم من ابناء الامارات ويعرفون ماضيهم عبر حكايات الآباء والامهات لهم, فجاءت هذه العروض تعبيرا صادقا عن ماض تأصل في نفوسهم وحب عميق لموطنهم الاصلي وولاء كبير للتراث. البائع يتجول بعربته القديمة وما جذبني في الحقيقة بمركز لامسي بلازا هو البائع المتجول الذي يتجول بعربته القديمة على شكل مركب صغير محملا ببعض المكسرات المتعارف عليها قديما مثل النخي, السبال, الحب, الحلويات, وهو يردد أهازيج وأغاني قديمة وبصوت عال جذب لفت أنظار الكل, حيث يقول (حار ما برد) و(حار يتقلب) .. فنقل هذا المنظر صورة حية عن الماضي القديم ودخل التراث في المراكز التجارية ليحكي للناس قصته, فما أجمل هذه الصورة التي مزجت التطور الذي تشهده الامارة بالماضي الذي يصور الحياة البسيطة التي عاش بظلها السكان, وما أعجبني حقا هو اقبال الناس على شراء الحلويات التي كان البائع يتجول بها في العربة وتهافت الناس لشراء النخي والحب وتبادل الحديث مع البائع وبلهجة الماضي دون استخدام مقدمات الحديث وبكل سلاسة وعفوية.. كأنهم شاهدوا هذا الرجل بالماضي, وهاهو الآن يعود ليذكرهم من جديد بتلك الأيام الحلوة والصحبة الجميلة. كل هذا يشير الى حنين هؤلاء الناس للماضي القديم فكانت لهفتهم في مشاهدة هذا المنظر دليلا على عرفانهم وتقديرهم لتلك الحقبة واقبالهم على شراء الحلويات من البائع المتجول وترك ركن الحلويات. القريب منه والذي كان يضم أشهى وأرقى أنواع الحلويات هو حنين للمأكولات الشعبية التي كانت تصنع بالماضي.. كل هذا يؤكد ان المفاجآت التراثية قد نجحت في نقل عالم الماضي لأبناء الحاضر ليعيشوا في ظله من جديد. كتبت - عائشة عثمان