احياء التراث ليس عودة للماضي بقدر ماهو بعث لذاكرة الاجيال ودعم لخطى النمو والتقدم في الطريق لمستقبل مشرق, لان الامة التي تتقطع الاوصال بينها وبين ماضيها وتفقد التواصل مع تراثها التاريخي تفقد في نفس الوقت هويتها واصالتها, ويترتب على ذلك ان تصبح هذه الامة مجرد كيان سلبي يأخذ اكثر مما يعطي ويتكون وينمو مثلما يريد له الآخرون لا كما يريد هو, وتتخبط هذه الامة التي تفقد تاريخها بين المتناقضات غير الملائمة لها ولا لمجتمعها, ولاتستطيع في نفس الوقت ان تضع اقدامها على الطريق الصحيح للمستقبل, لان الطريق للمستقبل لايبدأ من اليوم او الغد بل يبدأ من الامس ومن الماضي القريب والبعيد, هذه هي سنة الحياة وسنة التطور البشري, وليس غريبا ان نجد بعض الدول حديثة التاريخ تحاول ان تذهب بهذا التاريخ الى ابعد الحدود في الماضي البعيد, وان لم تجد فانها تبتدع لنفسها تاريخا يربطها بالمكان والزمان ويضعها في حلقات التطور البشري, وذلك ليس فقط بهدف التباهي والتفاخر بالماضي امام الشعوب الاخرى او بهدف استخدام هذا التاريخ للدعاية والترويج السياحي الحديث, ولكن ايضا بهدف غرس الانتماء والاصالة والوطنية في نفوس الشعوب ودعم اواصر الصلة والارتباط بين الشعب والارض التي يحيا عليها والوطن الذي يعيش في كنفه حتى تتولد لديه الدوافع القوية لحماية هذا الوطن والعمل على نموه وتطوره ورفعة شأنه. هذه المقدمة الطويلة المقصود منها ايضاح مفهوم ومعنى احياء التراث, وهي المهمة الصعبة والجادة التي تتولاها حاليا دائرة موانىء وجمارك دبي ويعاونها في ذلك اللجنة المسؤولة عن مفاجآت صيف دبي وبعض الدوائر الحكومية الاخرى, وذلك من خلال المفاجآت التراثية التي بدأت يوم الخميس الماضي وتستمر لمدة اسبوعين حتى الرابع من اغسطس. ومما لاشك فيه ان تولى مسؤولية المفاجآت التراثية مهمة صعبة, وتستلزم من الجهة القائمة عليها دراسة واعداد جيد, لانه من السهل عليك ان تقلد الآخرين, واذا اصبت او اخطأت في تقليدهم فلن يلومك احد, ولكن من الصعب عليك ان تكون (انت نفسك) وتستعيد ماضيك وتراث اجدادك لتقدمه لابنائك وللآخرين, لانه هنا لن يكون مسموحا لك بالخطأ, ولن يغفر لك ابناء امتك هذا الخطأ وخاصة كبار السن منهم والمتعصبين بشدة للتراث والعادات والتقاليد القديمة, ولهذا فاننا نعتبر تولي مسؤولية المفاجآت التراثية التي اخذتها على عاتقها دائرة موانىء وجمارك دبي امرا هاما وصعبا, وان كنا وبعد مرور بضعة ايام من هذه المفاجآت التراثية نستطيع ان نقول وبصدق ان فريق العمل في دائرة الموانىء والجمارك بكل فرد فيه قد نجحوا بشكل كبير في تحمل هذه المسؤولية واداء هذه المهمة الصعبة والذي ينعكس بشكل واضح في الاقبال الكبير على الكم الهائل من الفعاليات التراثية التي اعدتها الدائرة والتي تقدم يوميا في اكثر من عشرين مركزا تجاريا وفندقا. فائدة المهرجانات ونعود لنسأل البعض الذين كانوا منذ عامين يشككون في فائدة المهرجانات في دبي, ويقولون ان من سلبياتها انها تفقد دبي هويتها العربية والاسلامية, ما رأيهم في المفاجأت التراثية التي تم تخصيص مدة مضاعفة لها عن المفاجآت الاخرى, وما رأيهم في فعالياتها؟ لاشك ان هؤلاء قد غيروا رأيهم تماما في مهرجانات دبي على مدى العامين الماضيين بعد التطور الكبير الذي حدث فيها, وبعد ان تحولت الى صناعة مستقلة تشارك فيها كل دوائر الحكومة, وتقوم عليها ادارة مستقلة, وتتضافر فيها جهود القطاعين العام والخاص, وتقدم من خلالها فعاليات لاتهدف فقط, كما مانوا يعتقدون, الى الترويج التجاري لدبي, رغم ان التجارة في حد ذاتها كنشاط جزء لايتجزأ من تاريخ دبي وتراثها باعتبارها منذ عقود طويلة مضت واحدة من اهم المراكز التجارية في المنطقة بما تملكه من مقومات تؤهلها لذلك. لقد اصبحت الفعاليات التراثية التي تهدف الى احياء التراث والتاريخ وتؤكد على اصالة دبي وهويتها العربية والاسلامية تشغل الآن حيزا كبيرا ضمن فعاليات المهرجانات على مدى العامين الماضيين وخاصة بعد انطلاق مفاجآت صيف دبي في العام الماضي, وتجربتها الثانية في هذا العام, والتي تقدم فيها دائرة الموانىء والجمارك نخبة من الفعاليات التراثية التي تم اختيارها وتقديمها في شكل رائع وجذاب يلقي اقبالا كبيرا من جمهور المواطنين والمقمين والاجانب الزائرين ايضا. الواقعية والصدق انه لمنظر بديع ان نرى كبار السن من المواطنين وهم يشاركون في الفعاليات التراثية هذا العام بحماس وفاعلية ونشاط, ونشاهد مواطنا مسنا يرتدى الزي العسكري الوطني القديم ويشارك في الفعاليات في مراكز التسوق ليقدم للناس صورة حية لما كانت عليه القوة العسكرية في دبي في الماضي, وما وصلت اليه الآن من تقدم وتطور في قوتها العسكرية التي اصبحت تتضمن احدث ما وصلت اليه تكنولوجيا الصناعة الحربية في العالم. ومن الفعاليات التراثية التي تلقى اقبالا كبيرا من الجمهور فرق الفنون الشعبية المنتشرة في العديد من المراكز التجارية تقدم الرقصات والاغاني الشعبية ويشارك فيها النساء والرجال من كبار السن والشباب, ويشارك في فعاليات هذا العام خمس فرق محلية للفنون الشعبية تؤدي الوانا مختلفة من الفنون التراثية في الغناء والرقص الشعبي مثل (العيالة, والدان, والليوة, والانديما, والبحرية) , وتأكيدا منها على الانتماء القومي العربي لدبي دعت دائرة الموانىء والجمارك فرق فنية شعبية من الاقطار العربية المجاورة مثل السعودية والبحرين وعمان لتقدم فنونا من تراثها الشعبي بجانب الاعراس التي تقدمها في صورة حية وواقعية من هذه الاقطار الثلاثة, والتي تجذب بشدة الجمهور ويحدث عليها زحام شديد في قاعات مراكز التسوق, كما شاهدنا ذلك بشكل حي في العرس البحريني في مركز سيتي سنتر, وفي العرس السعودي في تاون سنتر. حرفيون حقيقيون ومن الفعاليات الحية والجذابة والتي يلتف حولها الجمهور وخاصة الاجانب منهم فعاليات الحرفيين الذين يقدمون صورة واقعية للحرف القديمة, والتي اندثر منها الكثير الآن مع التطور التكنولوجي, واجمل ما في فعاليات الحرفيين ان الذين يقومون بها ليسوا ممثلين او مقلدين يقدمون ادوارا مكتوبة لهم, بل هم بالفعل مواطنون حرفيون يمتهنون هذه الحرف ويجيدونها, وورثوا خبرتهم فيها عن الاباء والاجداد, وغالبيتهم من كبار السن, وهو الامر الذي يضفي على الفعاليات صدقا وواقعية يجعلها اكثر جاذبية للجمهور, ويعكس هذا في حد ذاته براعة وحسن اعداد المجموعة التي اعدت هذه الفعاليات في دائرة الموانىء والجمارك, والتي توخت الصدق والواقعية في الفعاليات حتى تقدم صورة حية وصادقة للتراث والعادات والتقاليد, وهذا في حد ذاته عامل جذب سياحي كبير عندما نطرح التاريخ والتراث للجمهور كما هو بلا تصنع او ادعاء, وتقدم شخصيات واقعية بلا ماكياج او رتوش او اداء مصطنع. وكما يؤكد مدير عام دائرة الموانىء والجمارك في دبي الدكتور عبيد صقر بوست على ان مهمة احياء التراث وجمعه وتوثيقه وتقديمه في الشكل اللائق به هي مهمة ومسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الاجيال, وتتولاها الدائرة تلبية للدعوة الكريمة التي اطلقها صاحب السمو رئيس الدولة وتوجيهاته السامية والدائمة بضرورة جمع التراث وتوثيقه باعتباره النبراس الذي سوف نقتدي به دائما للحفاظ على موروثاتنا وهويتنا العربية والاسلامية والتي ستكون عونا وطريقا مثاليا للاجيال القادمة. كتب مغازي البدراوي