شهدت الامارات صيفا ساخنا هذا العام بأحداث غير اعتيادية بسبب ظاهرة هروب التجار الهنود من البلاد وما خلفته من استياء سواء لجهة القطاع المصرفي أو لجهة القطاع العام . وعلى الرغم من التشابه الكبير بين معظم قصص الهروب على الأقل في السيناريو والاختلاف في التفاصيل الجزئية لكن القصة الأكبر بلا منازع كانت هروب التاجر الهندي (مادهان باتيل) الذي فر آخذا معه مليارا و200 مليون درهم من 13 مصرفا محلياً. اختلاف هذه القصة ليس بسبب الثروة الطائلة التي جناها والتي تكفي عوائدها من المصارف السويسرية ان يعيش ثريا لبقية عمره في احدى دول أمريكا اللاتينية بسبب الحبكة الدرامية المتقنة التي نفذت في عملية الهروب للدرجة التي صدقها الناس وتعاطفوا معها باعتباره ضحية .. وانه ابن وفي .. دمر أعماله في سبيل انقاذ مجموعة والده في الهند, لكن التحقيقات كشفت الكثير والكثير من الحقائق .. فالمسألة ليست كما تبدو عليه في الظاهر .. لان (باتيل) الذي كان يعيش في الامارات منذ نحو 25 عاما كان يخطط لها منذ سنوات بعيدة ولم يضع هذه الخطة بين ليلة وضحاها, والأدلة على هذا كثيرة فعلى سبيل المثال لا الحصر .. قام أحد المصارف الوطنية باغلاق حسابه على خلفية بعض الشائعات حول تورط التاجر بعمليات غسيل أموال في لندن حيث لم يتلق البنك آنذاك اجابات مريحة من فرعه في لندن .. الا ان (باتيل) لم يفقد الأمل مع هذا البنك وأعاد فتح حسابه مع البنك من خلال فرع آخر. ورسم لنفسه طيلة الأعوام التي عاش فيها هنا وهو يدير مجموعته (سولو) التي كانت تختص باستيراد قطع الخردة والألمنيوم ومن ثم اعادة تدويرها .. رسم صورة المدير الهادئ .. ذي الشخصية الانطوائية .. الهادئة .. الذي قلما يظهر في المناسبات الاجتماعية بعكس النمط السائد لشخصية النصاب .. الذي يسعى وراء العلاقات الاجتماعية والانفاق ببذخ على الحفلات وغيرها. لكن الطرح الذي قدم به نفسه .. طيلة هذه الأعوام كشخص هادئ ومستقيم وملتزم بكافة الدفعات المالية في مواعيدها المحددة كان بمثابة ذريعة لطلب مبالغ أكبر وللدرجة التي بدا معها العميل المثالي الذي تتهافت عليه المصارف واقترض بسبب ذلك مبالغ فلكية من 13 مصرفا. أما المفاجأة الحقيقية فقد كانت ما كشفت عنه تحقيقات المصارف .. فالمصارف للوهلة الأولى اعتقدت ان المسألة تعثر مالي ليس الا بدليل حسن نية التاجر الذي أعلن عن مقر اقامته في العاصمة البريطانية لندن وبدأ محاموه عمليات تفاوض ومداولات واسعة مع ممثلي المصارف الدائنة .. الا ان التحقيقات بدأت تكشف الحقائق شيئًا فشيئاً. الدليل الأول الذي ظهر من خلال دراسة الوثائق بتفحص شديد هو قيام (باتيل) بتقديم وثائق شحن واعتمادات مستندية مزورة للمصارف, الا ان باتيل لم يكن بمقدوره القيام بذلك منفردا .. فكان لابد من معاونين. مصرفي بارز رفض الكشف عن اسمه أوضح لـ (البيان) ان باتيل قد تمكن طيلة هذه الأعوام من ارساء شبكة من المعاونين هم من الاصدقاء والمعارف والاقرباء قدم لهم خدمات عديدة اما على هيئة ايجاد وظائف أو مساعدات مالية وهدايا لكن الشق الأخطر هو قيامه بمساعدة بعضهم في انشاء شركات من بينها شركات شحن. هؤلاء جميعا قاموا بالمقابل برد الجميل لاحقا عن طريق القيام بخدمات له منها اصدار وثائق شحن مزورة وغيرها, كما توصلت التحريات إلى ان الشركاء الأوروبيين لباتيل لديهم عدة سوابق في عمليات افلاس ونصب وخاصة مع الشركات التي يتم التعامل معها عبر البحار. والأيام المقبلة سوف تكشف المزيد من الحقائق .. على أمل التمكن من القاء القبض على التاجر الهارب الذي فر مؤخرا الى بلده الام الهند. وبحسب المصدر المصرفي فان مسألة هروبه للهند تبعث على القلق اذ لايمكن القاء القبض عليه وهو محاط بالحماية اللازمة, معيدا الى الاذهان هروب المصرفي الباكستاني الذي كان السبب وراء انهيار بنك الاعتماد والتجارة الدولي اذ لم يتسن للانتربول الامساك به حين هرب الى الباكستان. ويظل السؤال الذي يطرح بقوة في الاوساط المصرفية الآن واكثر من اي وقت مضى.. كيف نواجه ظاهرة هروب التجار؟! (البيان) حملت هذا السؤال الى عدد من الخبراء والمدراء المصرفيين لمعرفة الاجابة عن هذا السؤال. من جهتهم اعترف المصرفيون بان هنالك خللا واضحا في الجهاز المصرفي ادى لوجود ثغرات استغلها التجار مرارا وقاموا بعمليات نصبهم. واجمعت آراء الخبراء المصرفيين على ضرورة احكام الرقابة على الائتمان المصرفي بشكل افضل من خلال جهة مركزية للمعلومات تقوم بتزويد كافة المعارف بالمعلومات اللازمة عن العملاء طالبي القروض وبما لايدع مجالا لاحد بالتلاعب مع البنوك بحيث لايتمكن التاجر من رهن مصنعه عدة مرات لعدة مصارف. واكد المصرفيون على أهمية التنسيق فيما بينهم وتبادل المعلومات بشكل اكثر حضارية على نسق الانظمة المصرفية المعمول بها في الدول المتطورة, وفيما يلي بعض الآراء. وكالات للمعلومات يقول سوريش كومار مدير عام بنك الامارات الدولي (انه لا توجد مشكلة بدون اخطاء.. ومن الهام ان نحدد ايضا الخلل حتى نضع الحلول المناسبة) . ويضيف ان عملية الائتمان تتطلب اصدار الاحكام وما حدث كان نتيجة اصدار احكام خاطئة مما يفي بان هنالك خللا في اصدار هذه الاحكام. ودعا كومار الى ضرورة مراجعة السياسات الائتمانية والتدقيق على نحو افضل في كافة المعلومات المالية واختيار مدققي الحسابات بعناية فائقة وكذلك المستشارين القانونيين. ودعا الى ضرورة تأسيس وكالات للمعلومات في السوق المحلية تقوم بتزويد المصارف بكافة البيانات المالية التي يحتاجها عن العملاء لضمان اعطاء القرض المناسب للشخص المناسب. وقال ان المشكلة الرئيسية التي نواجها هي غياب المعلومات الدقيقة عن مختلف القطاعات الرئيسية مثل قطاع الفنادق وقطاع الانشاءات والقطاع الصناعي وغيرها من القطاعات. واضاف نحن كبنوك يجب ان نعرف من هم اللاعبون الاساسيون في كل قطاع؟ ما حجم اعمالهم؟ وما هي خططهم المستقبلية؟ وغيرها من المعلومات الهامة المفيدة لنا والتي مع وجودها يصبح الائتمان اكثر سهولة وخاليا من المشاكل. وعن تأثيرات عمليات هروب التجار على القطاع المصرفي قال كومار (يجب الا نبالغ في تأثيراتها على البنوك.. فالبنوك لديها احتياطات قوية وبامكانها ان تتغلب على المسألة وتقوم باستيعابها) . خلل في عمليات الائتمان اما جراهام بيل مدير عام بنك رأس الخيمة فقد حمل الادارات المصرفية مسؤولية هروب التجار. وقال بيل (حين تحدث المسألة عدة مرات يعني ان هنالك خللا ــ وخللا رئيسيا استطاع التجار النفاذ منه عدة مرات. واضاف المشكلة ان المصارف ليس بامكانها ان تتوقف عن الاقراض.. لان مصدر ربحها الاساسي هو الفائدة التي تتقاضاها عن الاقراض والحل حسب رأيه هو ان تتحرك المصارف مع بعض وتجتمع لتضع رؤية واحدة اكثر شمولية لمعالجة الوضع بشكل جذري مؤكدا على اهمية الافصاح وتبادل المعلومات ما بين البنوك لاحكام الرقابة على السوق على نحو اكثر فاعلية. وأشار بيل في حديثه إلى ان دبي تعد مركزا تجاريا حيويا الأمر الذي يعني ضرورة قيام المصارف باعطاء تسهيلات تجارية لبضائع تتحرك سريعا مما يعني بأن عامل المخاطرة موجود في كافة الاحوال. لكن الحل يكمن في تحليل المخاطرة وقياسها ودراسة السوق بشكل أفضل لمعرفة أوضاع العملاء. واستبعد مدير عام بنك رأس الخيمة حدوث أي حالة مشابهة في رأس الخيمة كما حدث مؤخرا في دبي وعجمان. وقال ان السوق في رأس الخيمة صغيرة ولا تحدث بها عمليات نصب من هذا النوع لاننا نعرف السوق جيدا وما الذي يحدث فيه. وأضاف انه على الرغم من هذا فنحن ملتزمون بسياسة مجلس الادارة وهو التزام النهج المحافظ في الاقراض الشخصي وذلك لتحقيق نمو متوازن وبطىء لكنه ثابت عوض تحقيق نتائج باهرة ومن ثم التعرض لهزات أو أزمات. واسترجع حادثة تعرض لها بنك رأس الخيمة وهي عملية نصب من أحد عملاء البنك في الخارج بقيمة أربعة ملايين درهم. وقال على الرغم من ان المبلغ ليس كبيرا لكنه كان درسا قاسيا لنا ونحن ندقق كثيرا الآن في عمليات الاقراض خشية ان نقرض تاجرا يأخذها ويركب طائرة لبلاده في اجازة مبكرة ونضرب نحن كفا بكف. وأكد بيل على أهمية انسيابية المعلومات ما بين البنوك قائلا ان المشكلة الحقيقية التي تواجهها البنوك هي عدم وجود البيانات المالية الكافية للمعلومات ولو عرفت البنوك الدائنة لباتيل على سبيل المثال عن مديونيته للمصارف الأخرى لترددت كثيرا قبل أن تعطيه هذا الحجم من المبالغ. وأشار إلى ان الامارات لا تعيش بمعزل عن العالم الخارجي بل تتأثر بالمتغيرات العالمية والهزات الاقتصادية العالمية حتما ستلقي بظلالها عليها بشكل أو بآخر. وأضاف ان كثيرا من حالات الافلاس التي عصفت بالشركات كان سببها هو تأثر أعمال هذه الشركات بانهيار الاسواق الآسيوية والأزمة الاقتصادية في دول الكمنولث المستقلة. الا ان آثار هذه الأزمات لم يظهر بين يوم وليلة فقد استغرقت عدة أشهر مما يعني انه يجب على البنوك أن تراقب أداء عملائها ودراسة تأثرهم بعوامل السوق الخارجية. أسباب عدة وراء الهروب من جانبه حذر هاشم الدبل نائب الرئيس المقيم بسيتي بنك من تفاقم ظاهرة هروب التجار التي ازدادت بشكل كبير خلال الاعوام الماضية. وقال الدبل ان البنوك مدعوة الآن وبشكل عاجل إلى ضرورة وضع الخطط الكفيلة لمواجهة تكرار عمليات التحايل التي يقوم بها التجار ازاء البنوك. وأعرب الدبل عن اعتقاده بوجود عدة أسباب وراء هذه الظاهرة أهمها: غياب السيرة الذاتية للعميل بالمصطلح المصرفي. وعدم اطلاع البنك بصورة دقيقة على نشاط العميل. وعدم متابعة المصرف لطبيعة العمل ونشاط التاجر بشكل دوري. وعدم وجود الدقة في منح التسهيلات من حيث المتطلبات والبيانات. وعدم وجود ضمانات كافية أو عينية. وعدم مراجعة الوضع المالي بشكل دوري من خلال العمليات المصرفية اليومية. وقلة خبرة الموظف في تحديد المخاطر التي تواجه التاجر في وقت مبكر في نشاطه التجاري أو المصرفي. والانتقال إلى المهارات الضرورية لقراءة الميزانية المالية ومعرفة تلاعب اصحابها بها. وغياب الرقابة الداخلية لدى المصارف, وعدم وجود معايير في تقييم المستندات. ويرى ان هنالك خصائص مشتركة تجمع ما بين حالات هروب التجار منها على سبيل المثال ان التسهيلات المعتمدة غالبا ما تكون بمبالغ كبيرة وان التحقيقات تكشف دوما تورط أو اهمال أحد موظفي البنك. ومن بين الظواهر المشتركة لحالات النصب هو ان التسهيلات الممنوحة تكون من أكثر من مصرف واحد. أما عن جنسيات التجار فمعظمهم من حاملي الجنسية الهندية. ودعا الدبل البنوك إلى ضرورة التنويع في مجال الاقراض وليس الاقراض في مجال واحد بذاته, ودعا ايضا إلى ضرورة وجود زيارات ميدانية وضمانات كافية لهذه التسهيلات بالاضافة إلى التحقق من دراسات الجدوى وبلورتها بالواقع المحلي للسوق. وقال ان السياسة الائتمانية لدى المصارف يتم رسمها بناء على خطط ودراسات لحالة السوق بالاضافة إلى التطلعات المستقبلية للاقتصاد العام وعلى ضوء هذه الدراسات والاستنتاجات بتحديد اولويات سياسته الائتمانية. واضاف ان هنالك عدة بنوك قد نجحت في توقعاتها وسياستها الاقراضية فيما اخفقت اخرى, وسبب فشل الاخيرة حسب اعتقاده هو التغير الاداري المستمر لدى المصارف وخاصة الاجنبية لان الاعتماد على غير المواطنين يعد عائقا امام الاستقرار والولاء للوظيفة. ويؤكد الدبل على اهمية تطبيق استراتيجية التوظيف في الادارات العليا بسبب طبيعة وظروف اقتصاد الامارات الذي يتطلب مشاركة والتزام المصارف في الاستثمار لخطط طويلة المدى وليست قصيرة المدى الامر الذي يعد العامل الاساسي لتقليل المخاطر في معاملاتها المصرفية وزيادة ارباحها. ويقول ان هروب التجار الاجانب بالتزامات واعباء مالية كبيرة لا يمكنهم سدادها ليس بظاهرة طبيعية في تكرارها. ويضيف ان الازمات المالية سواء السابقة والحالية كفيلة بان تثبت ان المصارف المتورطة مازالت لم تع الدروس والاخطاء في التجارب السابقة, كما انها لم تعط اي المصارف اية اولوية لدراسة الحالات السابقة الامر الذي لم ينعكس على تغيير سياساتها الاقراضية الا على مستوى التغيير السطحي. ويرى الدبل ان دور البنك المركزي مازال مقصورا على وضع السياسات العامة والتشريعات للدورة المالية في الاقتصاد وان اجراءاته ازاء البنوك كانت تحذيرية وليست الزامية. ونوه الدبل ببعض المصارف الوطنية التي نجحت في سياستها الائتمانية وقللت من المخاطر الائتمانية والازمات مما جعلها محل ثقة المستثمرين والمساهمين. ورفض الدبل تحميل مسؤولية هروب التجار لحالة الركود الاقتصادي وقال ان ذلك يتطلب اعادة النظر باجراءات منح التسهيلات لان الاقتصاد في كل انحاء العالم يمر بفترة ركود يعقبها رخاء وهكذا. وقال ان دور المصارف خلال المرحلة المقبلة هو وضع اجراءات وقوانين حازمة لمثل هذه المخاطر مشيرا إلى سياسة الاقتصاد الحر التي تطبقها الدولة والتي كان لها كلفتها العالية. واضاف ان الازمات الاقتصادية السابقة والحالية قد خلفت وراءها مبالغ مالية تقدر بمليارات الدراهم الامر الذي يتطلب سياسة مالية حازمة ورقابية لمنع حدوث ظاهرة هروب التجار من جديد. كتبت سلام الشوا
