رحل العاهل المغربي الملك الحسن الثاني بعد سنوات من العطاء لوطنه ولشعبه, وبعد ان قاد مسيرة المغرب 38 عاما نحو الحداثة, اذ يحسب للعاهل الراحل انه ترك بلدا ينعم سكانه البالغ عددهم 29 مليون نسمة باستقرار اقتصادي نسبي, فضلاً عن كونه احدى جهات الجذب السياحي الهامة في العالم . في مقابل ذلك يجد الاقتصاد المغربي نفسه بعد رحيل الملك في مواجهة ضغوط لم يجد لها حلا ناجحا بعد, فمشكلة النمو السكاني الذي يتجاوز معدلات النمو الاقتصادي لا تمكن الفرد المغربي من الاحساس بكثير من الجهود المبذولة, وهناك أيضاً مشكلة البطالة, التي تؤرق الحكومة الحالية وقبلها الحكومات السابقة. وهكذا, فإن الملك الجديد سيدي محمد والذي يبلغ من العمر 35 عاما ويحتل الترتيب الثامن عشر في سلسلة ملوك الأسرة العلوية التي تتولى الحكم في المغرب منذ ما يزيد على أربعة قرون, سيجد أمامه مجموعة كبيرة من الملفات المفتوحة التي يتوجب عليه التعامل معها بكل الحرص, والمهمة ليست سهلة, على الرغم من انه يتم اعداده لخلافة والده وقيادة القوات المسلحة الملكية منذ فترة طويلة. ومن القضايا الملحة على الصعيد الاقتصادي تسريع العمل على تقوية بنيان الاقتصاد المغربي الذي لا يزال ينظر اليه على انه اقتصاد زراعي بالدرجة الأولى, وحالة الاقتصاد تتأثر كثيرا بمقدار ما يهطل من أمطار, لذلك فإن البلاد تعرضت في السنوات الأخيرة لمصاعب شديدة عندما أطل الجفاف برأسه, ولم يحدث هذا مرة واحدة, بل تكرر مرات ومرات وكانت النتيجة ــ حسبما تشير دراسات اقتصادية مستقلة عدة ــ تفاقم مشكلة الفقر. وقد بذلت محاولات كثيرة اثناء فترة حكم الملك الحسن الثاني, منها ايجاد جهاز وطني للتعامل مع هذا الملف بمعاونة من البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية, ونتيجة لذلك حدث بعض التحسن في معظم المؤشرات الاجتماعية (السكن, التعليم, الصحة) لكن ظلت مشكلة البطالة وخاصة في المدن على مستوياتها. وبالفعل تمثل ظاهرة البطالة المعضلة الأكبر للملك الجديد حيث تضع بعض التقديرات نسبة البطالة فوق 15%, وأحيانا 20% في المدن, هذا الى جانب الجهود المطلوبة من جانب الملك الجديد للتعامل مع مشكلة الفقر التي يتسبب الجفاف في نحو 60% منها. ومن الملفات المفتوحة ايضا مشكلة الديون التي تثقل كاهل الاقتصاد المغربي, وشكل العلاقة مع صندوق النقد الذي لا ينفك يطالب الدول التي تلجأ اليه بالاسراع بوتيرة الخصخصة, حتى ولو كان ذلك على حساب الفقراء. وهناك محاولات لتوفير شبكة حماية لهؤلاء الفقراء, وعناصر هذه الشبكة تشمل (صندوق المقاصة) وهو يهدف في المقام الأول الى توفير السلع الأساسية بأسعار معقولة, لكن المشكلة ان تكاليف هذا الصندوق في ازدياد متسارع, فبينما كانت القيمة الاجمالية لنفقات صندوق المقاصة 1.4 مليار درهم مغربي في العام ,1983 قفزت هذه القيمة الى خمسة مليارات درهم في العام ,1996 وعناصر الشبكة الأخرى تضم الى جانب ذلك مؤسسة التعاون الوطني ومؤسسة الانعاش الوطني وبرنامج المطاعم المدرسية وبرنامج انعاش العمالة وصندوق الكوارث الطبيعية وصندوق مكافحة آثار الجفاف, وهي جميعها محاولات ترمي الى تأمين الدعم والمساعدة للفئات الفقيرة. والملاحظة المهمة في هذا السياق ان المسألة ستكون أصعب بالنسبة للملك المغربي الجديد, فهو بطبيعة الحال يفتقر الى الثقل الكبير الذي كان يتمتع به والده الملك الراحل على المستويات كافة اقليميا ودوليا, وهذا الثقل كانت له مردوداته على الاقتصاد المغربي. والعلاقات مع المؤسسات المالية الدولية, خاصة وانه يحوز ثقة ودعم الدول الصناعية, الولايات المتحدة وفرنسا بصفة خاصة, ولعل هذه العلاقة الخاصة مع الفرنسيين هي التي أوجدت لاحدى الفرق العسكرية مكانا في العرض العسكري الأخير في جادة الشانزلزيه. وسيحتاج الملك محمد الى سنوات حتى يبني بعضا من الثقل الذي استلزم الكثير من الحكمة والحصافة والمهارة في التعامل مع المعطيات المختلفة واللاعبين المختلفين على الساحة الدولية. والملك سيدي محمد, الذي شغل في الفترة الأخيرة منصب جنرال بأربعة نجوم في الجيش الملكي المغربي يحمل شهادة في القانون من احدى الجامعات الفرنسية, ويشتهر بالدأب في العمل والهدوء والاهتمام الشديد بالتقنيات الحديثة, ومنذ العام ,1990 والملك الجديد ينشط من تواجده على الساحة العامة, ويبدي اهتماما خاصا بالقضايا الاجتماعية, ولاسيما تقديم المساعدات للفقراء. وهو كثير التردد على العواصم العربية, وكثيرا ما مثل والده الراحل في المناسبات الرسمية المختلفة, بما في ذلك جنازة العاهل الأردني الراحل الملك حسين في شهر فبراير الماضي, ويقول بعض المراقبين الغربيين ان الملك محمد السادس شديد الاختلاف عن والده, كما يشير د. ويليام زاوتمان من جامعة جونز هوبكنز, وهو خبير معروف في الشؤون الافريقية, وهو كما يضيف معروف في أوساط الفقراء والمرضى, لاهتمامه الشديد بهم في السنوات الأخيرة, كما ان اعدادا كبيرة منهم تتجمع دائما أمام قصره الذي يقع بالقرب من المطار. وقد يعني ذلك ان مشكلة الفقر والفقراء ستحظى بأولوية في أجندة العاهل المغربي الجديد وان كانت المساعدات الشخصية التي تعود على توفيرها للفقراء اثناء توليه منصب ولي العهد لن تكفي لحل المشكلة, ولابد من التعامل معها من منظور أشمل, هذا المنظور سيتطلب الى حد كبير الاسراع بحل مشكلة الصحراء الغربية التي تستنزف بلا شك جزءا من الميزانية المغربية, وهي مشكلة طال أمرها, وتعطلت كل محاولات الأمم المتحدة لحلها. كذلك, هناك ملف العلاقات مع الجزائر, والتي تشرع هي الأخرى في البحث عن أساليب جديدة للخروج من أزمتها, وتشير التقارير الى رغبة متبادلة من الطرفين لتحسين العلاقات, وهو ما يمكن ان يعود على كليهما بالنفع المتبادل, وأمام الملك محمد السادس أيضاً ملف التحرر السياسي الذي بدت معالمه مع اختيار الملك الراحل لرئيس وزراء يمارس معارضة ليرأس الحكومة الأخيرة في عهده فهل يسير الملك الجديد في الخط نفسه أم يبحث له عن مسلك آخر ورداء مختلف؟!