في الماضي الجميل, كانت الكلمة هي أساس العلاقة.. أيا كان شكل هذه العلاقة, تجارية كانت أم مالية أم قبل هذا وذاك شخصية. كانت الكلمة هي قانون السوق.. أما الآن, وبعد أن توارت الأمانة, فقد أخذت الشيكات تحتل أساس التعامل . المشكلة ان عددا كبيرا من هذه أصبحت تحمل خاتم (بدون رصيد) . وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول المسألة برمتها. وتجدد القضية وتتعالى الدعوات بوضعها تحت المجهر للبحث عن علاج لها, مع هروب تاجر وراء آخر, تاركا وراءه تركة من المديونيات الضخمة بعشرات وأحيانا بمئات الملايين من الدراهم. ان القضية التي كانت قد تفشت لتشكل ظاهرة مقلقة منذ منتصف الثمانينات, عادت لتفرض نفسها بقوة على الحياة الاقتصادية. ظهرت في أعقاب أزمة الصيف الماضي في سوق الأسهم, حيث تم تسجيل عدد كبير من الشيكات المرتجعة, التي جرى التعامل بها في السوق, حيث كانت ضمن الافرازات السلبية لأزمة سوق الأسهم, الأمر الذي جعل كثيرا من البنوك إلى دق ناقوس الخطر من عودة ظاهرة الشيكات المرتجعة. وفي الحقيقة, فإنه على الرغم من تصدر المصرف المركزي لهذه المسألة في العام 1993 باصدار ضوابط وقواعد لفتح الحسابات ومطاردة محترفي اصدار الشيكات من دون رصيد, الا ان هذه الضوابط, وان كانت أسهمت في الحد من الظاهرة, فانها لم تقض عليها, بل انها عاودت الظهور بقوة في الأيام الأخيرة, وخاصة مع توالي هروب التجار الهنود, الواحد تلو الآخر. كما انه إلى جانب ذلك هناك زيادة في اعداد القضايا, التي تحال للنيابة العامة من قبل مراكز الشرطة. وجهة نظر أمنية تقول ان الشيكات المرتجعة لم تختف, كما خيل للبعض, بل على العكس, فإن اعدادها في تصاعد, ولعل رقم نصف مليون شيك بدون رصيد سنويا باجمالي 14 مليار درهم ليس رقما مبالغا فيه على الرغم من ضخامته. والموضوع في حقيقته ان الاهتمام بالقضية قد يكون تراجع لفترة ما, لكن الأحداث الساخنة على هذه الساحة أعادته قسرا. اتهامات ومن النقاط التي يجب التوقف عندها هي ان كل قضية من قضايا الشيكات ستلزم وقتا طويلا في التحقيق. لكن هل اكتفت الجهات المسؤولة بما تم من اجراءات لمواجهة الظاهرة, علما بأن هذه الاجراءات غير كافية, وهو أمر أثبتته التجارب, وفي ذلك الدليل الكافي على مدى الحاجة إلى المزيد من الخطوات الاصلاحية. لكن كيف ينظر المصرفيون إلى المسألة, وما هي ردودهم على الاتهامات الموجهة إلى البنوك والمصارف بأنها تتنافس فيما بينها لمنح القروض والتسهيلات الائتمانية للأفراد من دون ضمانات كافية, ما يورط الافراد في اصدار شيكات بدون رصيد. يقول محمد نصر عابدين, الذي يشغل حاليا منصب المدير التنفيذي لبنك الاتحاد الوطني ان التساهل مع مسألة الشيكات المرتجعة أمر خطر للغاية, لان في ذلك يتعرض مضمون الشيك وقيمته في التعامل لهزة كبيرة في النقد, فضلا عن تعريض مصالح المستفيدين للخطر, الأمر الذي يربك في النهاية النشاط الاقتصادي. وأيضا هناك أصناف من أصحاب الشيكات المرتجعة, الأول يصدر الشيك دون أن يهتم بالتحقق من الحساب وكفايته, وهذا الصنف لا يمثل مشكلة, اذ سرعان ما يسوي أي خلل أما الصنف الثاني فهو أساس المشكلة, حيث انه يشمل أولئك العملاء الذين لا يتعاملون مع الشيك بالجدية الكافية. وسبب ذلك, كما يؤكد, هو التراخي أحيانا في تطبيق الجانب الرادع من القانون, واستفادة هؤلاء من كل الثغرات الممكنة. لذلك وجب الحزم, لكن الحزم, في التعامل مع معتادي اصدار الشيكات بدون رصيد, هذا اضافة إلى قيام المصارف باتخاذ اجراءات اضافية, سواء بفرض رسوم عن الشيكات المرتجعة أم بالتوقف عن اصدار شيكات لمن يسيئون استخدام الشيكات. لكن ذلك كله يظل مجرد علاج لأعراض المرض, وليس مع جذوره ومسبباته. ويرى ان الضوابط القانونية الموجودة حاليا, وان شملت عقوبات الغرامة, والسجن أو الاثنين معا لمن يصدر عنه بسوء نية شيك من دون رصيد ليست كافية أو رادعة بالمرة وعادة ما يمنح مرتكب الجريمة ميزة الخروج من الحبس بكفالة احضار مخففة لحين البت في المسألة. والحل يتمثل في اعادة دراسة الاجراءات استنادا إلى التجارب الماثلة والسابقة, وتشديد العقوبة في حق مرتكبي هذه الجريمة. ويقترح - مثلا - تشديد عقوبة السجن وزيادتها بدلا من العقوبة المقررة حاليا كما ينبغي تعديل قانون الاجراءات الجنائية بحيث يتم النص على ضرورة الحبس الاحترازي لمن يصدر شيكا بدون رصيد وعدم جواز الخروج بكفالة قبل صدور الحكم. ويقول لؤي بستنجي, المدير العام لجمعية مصارف الامارات ان ظاهرة الشيكات المرتجعة تعد افرازا للعمل المصرفي والتجاري, وعلى الرغم من سلبية الظاهرة الا انه يجب عدم النهوض فيها, حيث ان حجم الشيكات المرتجعة من دون رصيد لا يتجاوز 5% من اجمالي الشيكات المتداولة. وينبغي هنا أن نفرق بين الشيكات المرتجعة بدون رصيد والأخرى المرتجعة لأسباب مغايرة, كمضي ستة أشهر على تاريخ الشيك أو لعدم تطابق التوقيع أو لوجود شطب على الشيك غير مقترن بتوقيع محرره. أو غيرها من الاسباب. ويؤكد ان معالجة المسألة عندما يكون محرر الشيك سيئ النية لا يتم الا بتطبيق الفواتير النافذة واتخاذ كل الاجراءات اللازمة بحقه لتكون عقابا له ورادعا لغيره, خاصة وان تحرير شيك بدون رصيد جرم جزائي يعاقب عليه القانون (وخاصة المواد ,401 ,402 403) من قانون العقوبات والمادة 641 وما بعدها من قانون المعاملات التجارية. المصرف المركزي من جانبه قام, كما يشير سعيد الحاضر, المدير التنفيذي لدائرة العمليات المصرفية, بدراسة ظاهرة الشيكات المرتجعة بهدف التوقف على أهم الدوافع والاسباب المؤدية إلى انتشار الظاهرة, وتم الوقوف على أهم الاسباب. أسباب فهناك, كما يوضح, جملة من الاسباب أهمها عدم وضع الضوابط المناسبة من قبل المصارف على العملاء الذين يحصلون على دفاتر شيكات وعدم تشديد العقوبة في الاحكام القضائية, وتقديم البنوك والمصارف وشركات التمويل كل المغريات للعملاء للحصول على قروض ضخمة مقابل شيكات آجلة وبضمان رواتبهم, واختلاف درجات الثقافة والوعي لدى المتعاملين بالشيكات وعدم ادراك أهمية الشيك كأداة دفع وخطورة استخدامه بطريقة غير سليمة, والنمط الاستهلاكي والتجاري السائد في المجتمع, والذي يشجع الشراء الأهلي بموجب الشيكات, ويضيف الحاضر ان المصرف المركزي توصل الى وضع بعض الحلول التي يرى انها تسهم في الحد من ظاهرة الشيكات المرتجعة, وتمثل ذلك في التعميم الذي أصدره في العام 1993 والذي ينظم عملية فتح الحسابات لدى البنوك, وذلك للارتباط الوثيق بين فتح الحسابات وظاهرة الشيكات المرتجعة. اجراءات وتمثل التعميم في ترشيد وتنظيم عمليات فتح الحسابات الجارية وصرف دفاتر الشيكات للعملاء من قبل البنوك التجارية وحصر ذلك في المقيمين وتشمل الاجراءات مايلي: ــ عدم اصدار شيكات لأصحاب حسابات التوفير. ــ عدم فتح حسابات للقاصرين وغير المقيمين. ــ عدم فتح حسابات للذين ترتجع لهم أربعة شيكات لعدم كفاية الرصيد خلال عام واحد. ــ السماح لغير المقيمين بفتح حسابات توفير وحسابات تحت الطلب من دون دفاتر شيكات وتمكينهم من استخدام أجهزة الصرف الآلي وشيكات الكاونتر لأجل سحب المبالغ النقدية من حساباتهم. ــ الزام البنوك بتحديد الأسباب بشكل واضح وصريح عند ارجاع أي شيك. ــ اغلاق حساب العميل الذي ترتجع له أربعة شيكات تحرر بسوء نية خلال السنة وعدم السماح له بفتح حساب جار لمدة سنة على الأقل, ويسمح له بفتح حساب توفير أو حساب تحت الطلب بشرط عدم صرف دفاتر شيكات, اذ يكون بامكانه استخدام أجهزة الصرف الآلي أو شيكات الكاونتر لأغراض السحب. ــ تبلغ البنوك مركز المخاطر بالمصرف المركزي على الفور بتفاصيل اغلاق الحساب. ــ استرجاع العدد المتبقي لدى العميل من الشيكات التي تكون قد صرفت عند اغلاق حسابه لضمان عدم استخدامه لها. ويضع المصرف قائمة بأسماء الأشخاص الممنوعين من فتح حسابات جارية بسبب عدم كفاية الرصيد وتعميم هذه القائمة اليكترونيا على كل البنوك المشاركة, وينبغي على البنوك الا تسرب أية معلومات تحصل عليها من خلال اطلاعها على القائمة.