لقد لجأت دول مجلس التعاون الخليجي الى استخدام الاحتياطي بعد تراجع اسعار النفط, ومن المنظور الاقتصادي فان استخدام الاحتياطي من العملات الناجمة عن تصدير النفط يعد بمثابة الاسراع في استنزاف الثروة النفطية, فلو استمر تراجع النفط لفترة اطول بعض الشيء من تلك التي تعودنا عليها, ربما لعدة سنوات, فإننا سوف نستنزف الاحتياطي ومن ثم ستأتي المصاعب الكبيرة, لهذا فنحن بحاجة لسياسات هيكلية تسهم في تطوير العلاقة بين الموازنة العامة والاقتصاديات الخليجية بحيث تضعف من تأثير تقلبات اسعار النفط على اداء هذه الاقتصاديات, ومن المهم ان توضع هذه السياسات ضمن اطار عام ونعني بذلك تحديد هدف او اهداف اقتصادية استراتيجية نهدف الى تحقيقها على المدى البعيد. ويقول الباحث الدكتور احمد اليوشع ان النظرية الاقتصادية والتجاربة التنموية للدول النفطية تقترح ان لدى متخذي القرار في هذه الدول الخيار بين نموذجين للتنمية الاقتصادية. ويمكن ان يطلق على الاول النموذج (النفطي الاستثماري) واقرب نموذج لذلك التجربة الكويتية حيث تبنت الكويت سياسات اقتصادية ادت الى توظيف العائد على الثروة النفطية في شكل استثمارات خارجية واستخدام تلك الاستثمارات والعائد عليها للحفاظ على مستوى رفاهية الفرد الكويتي, وقد استطاعت الكويت استخدام تلك الاستثمارات عدة مرات اهمها جاء خلال فترة الغزو العراقي للكويت واعادة بناء الكويت كما استخدمت الكويت تلك الاستثمارات في السابق على سبيل المثال, بعد تراجع اسعار النفط بعام 1986 حيث قدرت المبالغ المحولة بنحو 9 مليارات دولار واختيار هذا النموذج يعتمد الى حد كبير على حجم العائد على الثروة النفطية فهذا النموذج لكي يكون مجدياً بحاجة لاستثمارات كبيرة كتلك التي كانت لدى الكويت. وهناك النموذج الثاني ويطلق عليه نموذج (تنوع الانتاج) والذي يتم توظيف الثروة النفطية لتنويع القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني ويهدف هذا النموذج لاعداد الاقتصاد لفترة ما بعد النفط والى تقليص تأثير القطاع النفطي على اداء الاقتصاد الوطني, وبطبيعة الحال بامكان اي اقتصاد نفطي ان يجمع النموذجين, اي الحفاظ على قطاع نفطي كبير وتنويع القاعدة الانتاجية للاقتصاد, وهذا النموذج انسب لدولة تمتلك ثروة نفطية واقتصاداً نشطاً كالمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة, اما بالنسبة لتجربة الاقتصاد البحريني فيبدو انها قد انحازت لصالح النموذج الثاني وذلك لسبب اساسي وهو عدم كفاية الموارد المالية العائدة على الثروة النفطية البحرينية لتبني النموذج الاول. ان كثيراً من المؤشرات الاقتصادية الراهنة لا تبشر بمستقبل زاهر وثابت لاسعار النفط في المستقبل البعيد حيث من المتوقع ان تستمر ضغوط الدول المستهلكة في سن ضرائب مباشرة على النفط لسد العجوزات في ميزانيات الانفاق لدى الدول الصناعية والنامية ناهيك عن تأثيرات بروتوكول كيوتو في الحد من استهلاك النفط بحلول عام 2010 والذي يقدره الشيخ احمد زكي يماني رئيس مركزالدراسات العالمية للطاقة بمعدل 5.4 ملايين برميل يومياً, ونتيجة لهذا البروتوكول يتوقع ان يخسر النفط موقعه التنافسي بما لا يقل عن 5.2 دولار للبرميل في عام 2005 وحوالي 6 دولارات للبرميل بحلول 2010 وذلك عن طريق سن ضرائب من قبل الدول الصناعية المستهلكة على المنتجات النفطية لتقليل الآثار البيئية الضارة الناتجة عن احتراق هذا الوقود. ان هامش الربح الاجمالي على برميل النفط ما زال يعد كبيرا قياسا الى الكثير من انواع السلع الاولية المنتجة عالمياً هذا الفارق او الهامش يزيد خمس او ست مرات عن كلفة الانتاج في دول الاوبك الامر الذي لا تجد له مثيلاً في الصناعات الاخرى وهذا ما يحدو بالشركات النفطية الى الاستمرار في توظيف استثمارات هائلة في مجال الاستكشاف والانتاج. ولولا دخول الحكومات في عملية الانتاج المباشر منذ عقد السبعينات لكنا شاهدنا تدهورا كبيراً وسريعاً في اسعار النفط قبل هذه الفترة حيث لعبت دول الاوبك دوراً مهما ورئيساً في المحافظة على اسعار هذه السلعة الحيوية وقد كان للمملكة العربية السعودية دور ريادي في قيادة هذه المنظمة الى بر الامان عدة مرات بايجاد توازن بين مصلحة الدول المنتجة وتوقعات المستهلكين في الحصول على امدادات متوفرة من الطاقة في معظم الاحيان وبأسعار مقبولة. وعندما نريد التعرف على آثار انخفاض اسعار النفط على اقتصاديات الدولة المنتجة في دول الخليج يمكننا ان نلاحظ بداية ان هناك علاقة مباشرة بين تحقيق الدخل الريعي من النفط ودرجة الاستقرار الاجتماعي. في نظم الاقتصاد الريعي لا تحتاج الدولة الى الافراد حيث تقوم الدولة بتحمل الحد الادنى من الانفاق على مواطنيها دون الحاجة الى مشاركتهم المباشرة في تحمل الاعباء الضريبية وفق هذه المعادلة امكن للدول المنتجة تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بين مواطنيها الا ان ذلك لا يعني في الحقيقة تحقيق اقتصاد وطني معتمد على نفسه. الدكتور مارفن زونيس استاذ الاقتصاد السياسي الدولي من جامعة شيكاغو اشار في دراسة الى ان انخفاض اسعار النفط سيؤدي الى الاخلال في عملية المساومة الاجتماعية في الدول المنتجة للنفط, الامر الذي قد يهدد عملية الاستقرار السياسي الذي تمتعت بها هذه المنطقة منذ مطلع السبعينات من هذا القرن ويستطرد مارفن زونيس في سياق الكلام بأن الدول المنتجة للنفط لم تتمكن حتى الآن من تحقيق مجتمعات اقتصادية قادرة على الاستمرار او حتى طبقة متوسطة فاعلة تساهم في تطوير مجتمعاتها بالقدر الذي تمكنت فيه من خلق عدد غير قليل من الاثرياء, تجدر الاشارة الى ان مجموع الموجودات البنكية في العالم العربي تقل عن موجودات بنك تشيس منهاتن على سبيل المثال. فدول الخليج العربية المنتجة للنفط بلغ عدد سكانها بحلول عام 1998 ما يقارب الـ 25 مليون نسمة ويقدر ناتجها الاجمالي GDP بحوالي 235 بليون دولار, للملاحظة هذا الدخل يقل عن سويسرا والتي يصل عدد سكانها الى 6 ملايين نسمة ولا تنتج نفطا البتة.