هل تستطيع المنتجات المصرية النفاذ إلى الأسواق الخارجية لمواجهة الزيادة المضطردة من الواردات؟ .. وهل يتزايد نصيب الصناعة من الناتج القومي خلال السنوات المقبلة بعدما تراجع نصيب الزراعة لصالح الخدمات ؟ .. واقع الحال يؤكد أن المنتج المصري مازال عاجزا عن اختراق أسواق أفريقيا إلى جانب الأسواق العربية رغم الطفرة الكبيرة التي حققها القطاع الصناعي خلال السنوات الماضية وإذا ما قورنت استثمارات الصناعة بما يصدره هذا القطاع فان النتيجة في غير صالحه وقد يستمر هذا الوضع إلى سنوات مقبلة. (البيان) تدق أجراس الخطر حتى يمكن تدارك العجز الكبير في الميزان التجاري المصري.. ولا سبيل لمواجهة هذا العجز إلا من خلال تنمية الصادرات الصناعية ذات المزايا النسبية.. واتباع استراتيجية الإحلال محل الواردات والتصنيع من أجل التصدير وهي استراتيجية اتبعتها مصر في الستينات واستطاعت من خلالها تحقيق طفرة تنموية مازالت هي الأعلى في تاريخ الاقتصاد المصري ولو استمرت هذه الاستراتيجية في السبعينات والثمانينات لأصبحنا بحق ــ نمر على النيل. والعجز المزمن في الميزان التجاري المصري ليس وليد سنوات التسعينات فقط لكنه ممتد من سنوات طويلة!! وعندما كانت مصادر الدخل القومي المصري المتمثلة في عائدات النشاط السياحي والبترول مرتفعة لم يكن للعجز أثر واضح.. لكن عندما تقلصت هذه الموارد في التسعينات ظهر التأثير السلبي للعجز الذي بلغ مداه في العام الماضي وأصبح 3.12 مليا ر دولار طبقا لبيانات مجلس الوزراء المصري في تقريره الأخير. وما لم يتم تنمية الصادرات المصرية من خلال فتح أسواق جديدة في أفريقيا والبلاد العربية .. فان العجز سوف يستمر بصورة تهدد العملة المصرية في مواجهة الدولار الذي تقيم به معظم الواردات .. وخلال الأعوام القليلة الماضية ترأس الرئيس المصري حسني مبارك المجلس الأعلى للصادرات في محاولة لمعالجة العجز المزمن و نجحت الحكومة المصرية في معالجة عجز الموازنة العامة للدولة, ومعدلات التضخم التي وصلت لأدنى معدلاتها خلال العام الماضي 8.3%. وبلغ معدل نمو الناتج القومي 7.5% لكن عجز الميزان التجاري تزايد بما يهدد برامج الإصلاح فمقابل كل جنيه يتم تصديره نستورد بأربعة جنيهات أي أن الصادرات المصرية لا تغطي سوى 25% فقط من الواردات. وميزاننا التجاري مصاب بالعجز مع كل دول العالم بما فيها الدول الأفريقية وكذلك الدول المعروف عنها أنها دول مستوردة ولا تملك الشهرة في مجال الصادرات .. كما يعاني ميزاننا التجاري عجزا مع البحرين وكينيا والسودان وهو ما يؤكد أن الصادرات المصرية فشلت في اختراق الأسواق الأفريقية والعربية حتى في غياب المنافسة. عجز دائم ويرى رئيس اتحاد المصارف العربية ورئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري محمود عبد العزيز في تعليقه على تراجع الصادرات المصرية في ظل زيادة الواردات من الخارج إن العجز في الميزان التجاري سيظل قائما لعشرات السنين لأنه عجز فادح ولا سبيل في المستقبل سوى خلق الأسواق الجديدة وتطوير أساليب التسويق والتخصص في الإنتاج في ظل اتفاقية التجارة العالمية (الجات) . ويرى عبد العزيز أن تطبيق اتفاقية التجارة العالمية يمكن أن يساعد على زيادة الصادرات المصرية. ويفتح الباب أمام أكثر من سوق للواردات حيث تستطيع مصر في هذه الحالة أن تحصل على احتياجاتها من أي دولة في العالم. أما الدكتور حمدي عبد العظيم الأستاذ بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية فيقول أن زيادة الواردات لا يمثل مشكلة وعلينا أن نبحث عن صيغ لزيادة الصادرات ويرى أن السنوات المقبلة وبعد انضمام مصر إلى تجمع الكوميسا سوف تعود بالفائدة على الصادرات المصرية التي تتمتع بترحيب شديد من جانب البلاد الأفريقية, وكذلك الاتفاقات الثنائية بين البلاد العربية من شأنها زيادة الصادرات المصرية. وبنظرة محايدة إلى هيكل تجارة مصر الخارجي نرى أن صادرات كينيا لمصر 216 مليون دولار, ووارداتها ستة ملايين فقط وصادرات البحرين لمصر 17 مليون دولار ووارداتها تسعة ملايين دولار فقط وصادرات أثيوبيا لمصر 74 مليون دولار أما الواردات فإنها طبقا لما يقوله تقرير وزارة التجارة المصرية خمسة ملايين دولار فقط. وبيانات وزارة التجارة أيضا تقول أن مصر دفعت 11 مليار جنيه في استيراد مواد استهلاكية ووسيطة كان أهمها القمح والوقود والذرة والصوف والتبغ والأخشاب وورق الصحف والطباعة, ودفعنا 778 مليون جنيه في استيراد سيارات الركوب, و28 مليون جنيه نظير استيراد ثلاجات كهربائية للمنازل رغم وجود أكثر من شركة مصرية متخصصة في إنتاج الأدوات الكهربائية والمنزلية, ورغم أن صادرات أحد مصانع القطاع الخاص المصري من التلفزيونات بلغت 40 مليون جنيه في العام الماضي إلا أن الشركات المصرية استوردت بـ 325 مليون جنيه تلفزيونات معظمها جاء من أسواق دول جنوب شرق أسيا بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت باقتصاديات هذه الدول في الصيف قبل الماضي. صور مقلوبة و بلغت واردات مصر من اللحوم 750 مليون جنيه في العام الماضي والشاي 340 مليونا أي أن مصر تستهلك ما قيمته مليون جنيه شاي تقريبا كل يوم و700 مليون جنيه أدوية و506 ملايين جنيه ألبان و 310 ملايين جنيه أسماك. هذه عينة من واردات مصر الغذائية التي تمثل السبب الرئيسي في خلل الميزان التجاري. وفشلت الصادرات المصرية في اختراق الأسواق العربية في التسعينات حيث بلغت الصادرات 1726 مليون جنيه في حين بلغت الواردات 3046 .. أما صادراتنا للبلاد الأفريقية فبلغت 122 مليون جنيه, والواردات 471 مليون أي أن صادرات مصر للدول الأفريقية تغطي 25% فقط من الواردات! ومازالت مفاجآت الميزان التجاري مستمرة ويؤكد أن العجز لصالح كل الدول التي تتعامل معها مصر وعلى سبيل المثال فان صادرات أوكرانيا لمصر 017.1 مليار جنيه, والصادرات المصرية لأوكرانيا 33 مليون جنيه فقط, وصادرات مصر للمجر 130 مليون جنيه, الواردات 12 مليون جنيه وتركيا تصدر لنا بـ1700 مليون جنيه وتستورد منا بـ 400 مليون جنيه فقط. و تصدر روسيا الاتحادية لنا بـ 1274 مليون جنيه وتستورد منا بـ44 مليون جنيه رغم أن السوق الروسي كان يستقبل 20% من الصادرات المصرية. ولا تغطي الصادرات المصرية لإنجلترا سوى 17% من الواردات وتبلغ قيمتها نحو 372 مليون جنيه في حين تبلغ الواردات 1755 مليون أما إيطاليا التي تعتبر الشريك التجاري الأول لمصر في أوروبا فان صادراتنا لها 1490 مليون جنيه في حين تبلغ الواردات 3777 مليون جنيه. وكانت رحلة الرئيس المصري حسني مبارك للصين في مايو الماضي محاولة لفتح المجال أمام الصادرات المصرية والاستفادة من الخبرة الصينية حيث تبلغ صادرات الصين لمصر 1422 مليون جنيه وتبلغ واردات الصين من مصر 22 مليونا فقط. فشل تصديري يوجد لمصر فقط 9 مكاتب تصدير في أفريقيا تقوم بمهمة الترويج للصادرات المصرية في وسط وغرب القارة الأفريقية وجنوبها وهذه المكاتب تعاني نقصا شديدا في الإمكانيات المادية في ظل المنافسة الشرسة من جانب الشركات العملاقة التي تحاول السيطرة على السوق الأفريقي. و كما يقول مصدر مسؤول بوزارة التجارة والتموين فأن خطوط الملاحة المستثمرة والطرق تحتاج إلى استثمارات ضخمة لا يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص, وأن انضمام مصر إلى تجمع الكوميسا بداية طيبة لخلق فرص للصادرات المصرية في الأسواق الأفريقية التي تحتاج إلى صادرات تامة الصنع. لكن د. أحمد جويلي وزير التموين والتجارة الخارجية يرى أن السوق الأفريقي يقع تحت سيطرة مناطق النفوذ الاقتصادية العالمية مثل ــ اتحاد الكومنولث والاتحاد الأوروبي ومنطقة الفرنك ــ وتشتد المنافسة على هذا السوق من جانب منتجات الدول الصناعية نظرا لتعود المستهلك الأفريقي على منتجات هذه الأسواق.. كما أن السوق الأفريقي كما يقول د. جويلي سوق سعر وليس سوق جودة وبالتالي فان المنتج المصري غير الخاضع للمعايير القياسية يواجه تحديات السعر داخل هذه الأسواق. لكن يمكن للسلع الزراعية والسجاد والموكيت والمنسوجات المصرية ان تخترق السوق الأفريقي في وضعه الحالي .. وكذلك السوق العربي .. ولا يجب أن ننسى أن حجم تجارة مصر الخارجية مع البلاد الأفريقية لا تمثل سوى نسبة 1% فقط من تجارة مصر الخارجية.. وعن سبب العجز في الميزان التجاري مع البلاد الأفريقية يقول د. جويلي في ظل تحرير التجارة والسماح للقطاع الخاص المصري بالاستيراد فان رجال الأعمال يبحثون عن الأسواق التي يحصلون منها على ما تحتاجه السوق المصري بأقل الأسعار ولا ننسى أن الواردات المصرية من أفريقيا في معظمها في صورة مواد خام وسلع زراعية لا يمكن إنتاجها في مصر. أما عن عدم قدرة المنتجات المصرية على اختراق الأسواق العربية فيرجع ذلك إلى القيود الشديدة المفروضة على الصادرات المصرية للبلاد العربية بينها على سبيل المثال المواصفات التي تتمسك بها بعض الدول العربية وهناك قيود على استيراد منتجات زراعية مصرية مثل الماعز والأغنام ولا ننسى أننا مقصرون في هذا المجال حيث لا نملك الخبرة الكافية عن الأسواق العربية .. كما أن تعطل إنشاء السوق العربية المشتركة حتى الآن يمثل أحد أهم أسباب تراجع فرص المنتجات المصرية في الأسواق العربية. القاهرة ــ (البيان) صبحي بحيري