مشروع (انطلاق) الذي اطلقه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع يتيح لشباب المواطنين فرصة ذهبية لتكوين مشروعات استثمارية بأقل امكانيات ممكنة وبتسهيلات نادرة تعفيهم من الاجراءات الطويلة والرسوم الباهظة وتتيح لهم ادارة هذه المشاريع حتى من منازلهم. كل هذه التسهيلات سوف تدفع العديد من الشباب المواطنين للخوض في مشاريع تتناسب مع ظروفهم وطموحاتهم وخبراتهم, ولاشك ان لدى اصحاب هذه المشاريع الصغيرة طموحات كبيرة يطمحون معها لان تصبح مشاريعهم الصغيرة هذه في المستقبل القريب مشاريع كبيرة, ولكن هذا يتطلب منهم في البداية وهم يؤسسون مشاريعهم الصغيرة ان يخطوا خطوات صحيحة ومدروسة وغير عشوائية, والواقع الاقتصادي والسوق يفرض على الجميع قبل الخوض في اي مشاريع صغيرة او كبيرة ان يقوموا بعمل ما يسمى (دراسة الجدوى) , هذه الخطوة ضرورية لكافة المشاريع مهما كان حجمها, وخاصة منها المشاريع الصغيرة التي يطمح اصحابها الى استمرارها ونموها وتحولها في المستقبل الى مشاريع كبيرة. ولكن ما معنى (دراسة الجدوى) , وماهي الوسائل والخطوات اللازمة لها؟ وكيفية القيام بها بشكل صحيح؟ نتعرض للاجابة عن هذه الاسئلة الى دراسة نشرت مؤخرا في مجلة (الاقتصاد الخليجي) في عددها الاخير تحت عنوان (دراسات الجدوى الاقتصادية في ضوء التجارب العملية) تقول الدراسة: أهمية الدراسة تتعدد الدوافع لدخول مشاريع استثمارية ويأتي في مقدمتها تحقيق اقصى ربح ممكن بأقل مخاطرة ضمان مستقبل جيد للمشروع في وسط المجتمع الاقتصادي للمستثمر صاحب المشروع, ويرتبط تحقيق هذه الاهداف بمدى دقة وجدية (دراسة الجدوى) التي يعتمد عليها في الاعداد للمشروع لتقرير مدى فعاليته في السوق, وتقول الدراسة ان (دراسة الجدوى) ليست فقط كما يعتقد البعض لأزمة في بداية المشروع, لكنها قد تتعدد في المشروع الواحد بتعدد مراحل تطوره وتشغيله, وهي ضرورية في المرحلة الاولى قبل اتخاذ القرار بالبدء في المشروع, ويتم وضعها في ضوء عناصر اساسية هي: الفرصة التسويقية المتاحة للمشروع, والادارة والتنظيم, ونتائج الاعمال والمخاطر, وايضا تكنولوجيا التصنيع اللازمة للمشروع. ويمكن اضافة عناصر اخرى لهذه العناصر حسب نوعية المشروع ذاته, ومن تحليل هذه العناصر تتحدد الملامح الاساسية للمشروع, ويتم اتخاذ القرار الاستثماري بتنفيذ او عدم تنفيذ المشروع, ولانندهش اذا علمنا ان 25% من دراسات الجدوى تنتهي بالتوصية بعدم تنفيذ المشروع لاسباب عديدة ومتنوعة يأتي في مقدمتها حالة السوق. ودراسة الجدوى الناجحة والعملية لها اهمية كبيرة لاسباب عديدة منها: انها تقوم بدراسة وتحليل كافة البيانات حول المشروع بالشكل الذي يساعد صاحبه على اتخاذ القرار المناسب, ايضا توضح الدراسة الطريقة, المثلى لتشغيل المشروع في ضوء الاستثمارات الممكنة والظروف المتاحة في السوق, كما تتضمن الدراسة وضع خطة او برنامج تنفيذ المشروع, وتحدد ايضا اسلوب ادارة المشروع وتحقيق التفاعل بين عناصر التشغيل والتمويل والتسويق, كما توضح الدراسة الاستثمارات المطلوبة للمشروع وكذلك العائد الاستثماري الذي يمكن ان يحققه المشروع في ظل معطيات مدروسة تحدد بشكل كبير درجة المخاطرة في الاستثمار. ودراسة الجدوى لاي مشروع صغير او كبير وفي مختلف المجالات تحتوي على محاور رئيسية قد تختلف في تفاصيلها حسب طبيعة وحجم المشروع, ومن اهم هذه المحاور اولا: تحديد وتعريف وصف المنتج او الخدمة التي سوف يقدمها المشروع من خلال وضع تعريف عام بالمشروع ومقوماته. ثانيا: دراسة السوق وهي من أهم محاور (دراسة الجدوى) ويتم من خلالها تحديد حجم المعروض من المنتج أو الخدمة في السوق وتحديد حجم الطلب, والسوق المتاح للمشروع, وكيفية ووسائل خطة تسويق وتوزيع الخدمة أو المنتج, وكيفية تحديد السعر المنافس, وامكانية اضافة خدمات مميزة تزيد من عملية الجذب في السوق. ثالثا: المحاور الفنية للمشروع, وهي المحاور التي تبحث عن الامور المادية مثل المواصفات الفنية في المنتج أو الخدمة المقدمة, والآلات والمعدات اللازمة والمباني والأثاث وغيرها, والخامات المستخدمة ومصادرها وتكلفتها. رابعا: التنظيم والتنسيق, وهو محور هام يتم من خلاله وضع النظام الاداري والقانوني وتحديد الوظائف الادارية اللازمة, وكذلك تحديد العمالة اللازمة ووظائفها. خامسا: الدراسة الاقتصادية والتي تعتمد على كل المحاور السابقة وتهدف الى تحليل مصادر الاستثمار والتمويل وتكاليف التشغيل وكذلك المؤشرات المالية للمشروع مثل العوائد والارباح المتوقعة وزمن تحقيقها والتنسيق بينها وبين النفقات, ايضا تهدف الدراسة الاقتصادية الى تحليل الظروف المستقبلية وامكانية توقعها مثل متغيرات السوق واستمرارية الدخل والموارد وتحركات الاسعار والانخفاض والارتفاع في العوائد والارباح. أخطاء شائعة كل هذه المحاور اللازمة لدراسة الجدوى يمكن لصاحب أي مشروع كبير أو صغير ان يقوم بها بنفسه أو من خلال الاستعانة بمكاتب الخبرة المتخصصة حسب حجم المشروع وامكانياته, وفي كلتا الحالتين يجب توخي الحذر والدقة في البحث والتدقيق في اختيار البيانات والمعلومات اللازمة للمشروع. ويقع غالبية المستثمرين الصغار الذين يسعون لتكوين مشاريع صغيرة في أخطاء شائعة, مثل الاعتماد فقط على المعلومات العامة السطحية عن السوق, والاستماع لأقاويل ونصائح عديمي الخبرة, والكسل عن السعي لمعرفة التفاصيل والمعلومات الدقيقة من مصادرها الصحيحة. وهذه الأخطاء الشائعة غالبا ما تؤدي الى فشل المشاريع وعدم تحقيقها للأهداف المرجوة منها, خاصة وان الواقع العملي للسوق يقول ان نسبة كبيرة من الراغبين في تكوين مشاريع, وخاصة الصغيرة منها, لديهم قناعة زائفة وغير موضوعية بأن المشروع ناجح ولا يحتاج لدراسة جدوى, في حين ان أصحاب هذه المشاريع الصغيرة في الدول المتقدمة اقتصاديا مثل بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية واليابان يقومون بعمل أكثر من دراسة جدوى للمشروع الواحد لدى جهات مختلفة بهدف التأكد من نجاح المشروع, وهذا ما يمكن ان نطلق عليه عندنا مصطلح (الشورة) وتنعكس مدى جدية مشروع (انطلاق) في دبي في الندوات التي تعقدها الدائرة الاقتصادية في حكومة دبي للمستفيدين من المشروع والتي تهدف الى ارشادهم للطريق الصحيح وتقدم لهم الوسائل المتاحة من قبل الجهات الحكومية في دبي مثل الدائرة الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة ومراكز البحوث وغيرها, والتي تبدي استعدادها التام لتقديم كافة المعلومات والبيانات الدقيقة للمستثمرين الشباب, وعلى أصحاب المشاريع الصغيرة ان يستفيدوا من كل هذه الخدمات المتاحة لهم بأقصى قدر ممكن, وألا يتكاسلوا ويهملوا دراسة مشاريعهم جيدا قبل البدء في تنفيذها معتقدين ان خسارة فيها لن تكون كبيرة لأنهم لم ينفقوا الكثير في تأسيسها, وهذا اعتقاد خاطىء لأن فشل المشروع وتعرضه للخسارة لا يؤدي فقط الى خسارة مادية بسيطة أو فادحة, لكن له نتائج سلبية كثيرة على الفرد وعلى المجتمع, لأن الفشل في حد ذاته يصيب صاحبه بالاحباط ويجعله لا يقدم بسهولة بعد ذلك على مشروعات اخرى, والمجتمع الذي وفر لأبنائه كل هذه الفرص والتسهيلات والخدمات يتضرر بالقطع من فشل أبنائه في الاستخدام الصحيح لما يقدمه لهم. كتب ــ مغازي البدراوي