النفط ثروة وطنية ناضبة استطاعت دول مجلس التعاون توظيف العائد منها في تغيير مسار اقتصادياتها فانتقلت الى مستويات أعلى بكثير من سابق عهودها , ولان النفط عامل مهم وناضب كسب جزءاً غير قليل من اهتمام مواطني الدول المنتجة له سواء كان ذلك في بلدان نامية كدول المجلس أم بلدان صناعية كالنرويج, فهذه الثروة من الاهمية التي تجعلنا في شغف شبه دائم للعودة للحديث عنها, وتساهم القيمة المضافة في القطاع النفطي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1987 و1997 بنسبة من اجمالي الناتج المحلي تراوحت ما بين 0.23% كحد ادنى و5.17% كحد أعلى, واحتسبت القيمة المضافة النفطية كمجموع القيمة المضافة للمناجم والمحاجر والصناعات النفطية (تكرير النفط والبتروكيماويات وصناعة الغاز), وهناك تراجع في نسبة مساهمة القيمة المضافة للقطاع النفطي خلال سنوات عقد التسعينات مقارنة بالسنوات الثلاث الاخيرة لعقد الثمانينات وذلك يعكس نمو مساهمة القطاعات الاخرى من جهة وتراجع أسعار النفط من جهة أخرى. اما بالنسبة لمساهمة النفط في الايرادات العامة, فانه يتضح من التجربة التاريخية للاقتصاديات الخليجية اهمية دور الايرادات النفطية لايرادات القطاع العام, فمنذ عام 1987 وحتى عام 1997 بلغ متوسط مساهمة الايرادات النفطية 1.58% من اجمالي ايرادات القطاع العام, والحال بالنسبة للصادرات النفطية ليس ببعيد عن ذلك المتعلق بأهمية ايرادات النفط للموازنة العامة وتبين ذلك الاحصاءات حيث تؤكد على استحواذ نسبة مساهمة صادرات المنتجات النفطية على النسبة الاعلى, فقد تراوحت النسبة بين حد اقصى بلغ 2.93% بعام 1980 وحد ادنى بلغ 7.59% بعام ,1997 وهي بذلك تعد المورد الرئيسي للعملات الصعبة لدول المجلس ونظرا لامتلاك الحكومات لهذا المورد فانها تعد الممول الرئيسي لعملية التنمية في دولها, لقد ادى الارتفاع الهائل في الايرادات النفطية الى اضطلاع الحكومة بدور أكبر ومسؤوليات اوسع مما هو عليه الحال في البلدان النامية, وشكلت بالتالي السياسات الحكومية المختلفة والمالية منها على وجه الخصوص حجر الزاوية في توزيع واستخدام الموارد على مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية, كما شهدت العقود الثلاثة الماضية انتقال جزء كبير من العوائد النفطية الى القطاع الخاص, وذلك من خلال الاساليب التي انتهجتها الحكومات لاعادة توزيع الثروة سواء اخذت هذه شكل توزيع الاراضي أو التوسع في التسهيلات المصرفية بفوائد منخفضة, أو التوظيف الحكومي.. الخ وازدادت بالتالي مشاركة القطاع الخاص, وان كانت بصورة محدودة, في النشاطات الاقتصادية. وبسبب هذا الدور الكبير للدولة في الاقتصاد الوطني, والذي اصر البعض على تسميته بدولة الرفاهية التي تكونت خلال العقود القليلة الماضية, ادت الى انتهاج المجتمع الى نمط استهلاكي غير منتج, فعلى سبيل المثال كانت ولاتزال السلع الكمالية والترفيهية تمثل نسبة كبيرة من اجمالي الواردات, اضافة الى ذلك دور الدولة ساهم في تحفيز المجتمع لاستخدام الآخرين لاداء مختلف الاعمال والخدمات, الامر الذي ادى الى استقدام العمالة الوافدة وخاصة الخدم من الخارج, وقد ساعد ذلك في انخفاض الانتاجية العامة, اضافة الى ان الادخار كان شبه منعدم حيث كان من الامكان تحويل الفائض الى استثمارات ضخمة, ونستدل على ذلك بأن مؤشر ربط الانفاق العام بالناتج القومي لايتجاوز في المتوسط 20 ــ 30% من الحجم الكلي في الدول المتقدمة بينما في الخليج قد يصل الى معدل 50 ــ 60% خلال الفترة 74 الى 1996 وهذه نسبة خطيرة جدا, وستؤثر بمرور الزمن في اداء الانتاج المحلي للاقتصاد الوطني. وبسبب اعتماد المجتمع الخليجي على الدولة اصبحت الدولة عاجزة عن تقليص بند الرواتب والاجور من دون أن يتسبب ذلك في انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة, ونجد ان جميع الابواب الاخرى في الميزانية قابلة للتقليص ولكن هذا البند يتراكم وليس هناك قدرة على ايقاف تراكمه السنوي بشكل حاسم, وقد ادى هذا الى البطالة المقنعة التي تصل في بعض دول الخليج الى أكثر من 80 ألف موظف, وكل هذا يمثل عبئاً على الدولة. اذن السؤال الذي يطرح نفسه هنا, اين يكمن الخلل الحقيقي في استمرارية هيمنة القطاع النفطي؟ يقول الدكتور جعفر الصايغ ان المشكلة الاساسية تكمن في عدة عوامل تتصف بها الاقتصاديات الخليجية ومنها ان القطاع الخاص الخليجي يميل نحو الاستثمارات ذات الربح السريع وهو قليل المجازفة ولاينزع عادة لاستغلال جميع الفرص المتاحة, كذلك عدم وضوح الرؤية الاقتصادية بالنسبة للمستثمرين في اتجاه التنمية الاقتصادية, كما ان غياب نظام ضريبي ووسائل تمويلية اخرى اكثر انتاجية أو مرتبطة باداء الاقتصاد بالمقارنة مع التمويل من خلال الاحتياطي العام يؤدي الى خلق اثار سلبية طويلة الاجل.