كلما ارتفعت اسعار النفط الخام كان ذلك مصدر ارتياح لموازنات الدول المنتجة للنفط داخل منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) والدول المنتجة الاخرى وحتى الشركات العالمية التى عانت عامى 97 و1998 من هبوط حاد فى الاسعار وضعها جميعا فى مواقف صعبة تجلت فى كثير من الدول بعجز كبير فى موازناتها وعمليات اندماج وتقشف فى الشركات العالمية. ولكن الشىء الذى يجب ان لايغيب عن الاذهان وسط عملية جنى ارباح مجزية نتيجة ارتفاع اسعار النفط الخام التحذير وتكرار التنبيه من حدوث قفزات حادة فى اسعار النفط فآثار مثل هذه العمليات مازالت ماثلة فى اذهان الدول المنتجة والاسواق النفطية فى اكثر من مرحلة مرت بها الاسعار بتقلبات. ولذلك فان الارتفاع الطبيعى والتدريجى الذى يتحقق الان فى الاسواق النفطية امر جيد ومنطقى للوصول الى اسعار عادلة ومعقولة لهذه الثروة الاستراتيجية الناضبة. ومن المتوقع استمرار الارتفاع فى اسعار النفط فى هذا السياق بشكل طبيعى نتيجة اشارات مؤكدة بارتفاع الطلب العالمى على النفط موسميا فى الربعين الثالث والرابع من العام الحالى تعززها توقعات بتحقيق الاقتصاديات الاسيوية معدلات نمو ايجابية خلال الفترة المقبلة بعد ان كانت هذه المعدلات سالبة فى الفترة الاخيرة بسبب الازمات التى اصابت اقتصادياتها وكان لها تاثير سلبى على اسعار النفط الخام. ولذلك تأخذ توقعات المراقبين والخبراء فى الاسواق بان تصل اسعار النفط من نوع (برنت) القياسى الى 23 دولارا للبرميل بعدا واقعيا ربما نراه فعليا فى الاسواق فى غضون الاسابيع المقبلة. وبالطبع ان جميع دول (اوبك) والدول المنتجة الاخرى ستكون سعيدة لمثل هذا التطور ووصول الاسعار الى هذا المستوى. ولكن بعض الاصوات بدأت فى ضوء هذا الصعود المستمر فى اسعار النفط تحذر من حدوث صدمة نفطية نتيجة التزام دول اوبك ودول اخرى متعاونه معها بحجب نحو اربعة ملايين برميل يوميا من النفط الخام عن الاسواق بفعل القرارات التى اتخذتها اوبك فى نوفمبر 1998 ومارس 1999. وبالمقابل بدأت كثير من دول (اوبك) تلفت الانتباه الى ضرورة الالتزام بالحصص الانتاجية وعدم التفريط بالاتفاق الاخير للمنظمة تحت اغراءات الاسعار المرتفعة وشدد عدد من وزراء نفط اوبك وفى مقدمتهم معالى عبيد بن سيف الناصرى وزير النفط والثروة المعدنية على ابقاء المعدلات الانتاجية عند مستوياتها الحالية حتى اجتماع مارس 2000. وبذلك يمكن القول ان الارتفاع الحالى فى اسعار النفط مفتوح فى المستقبل على احتمالين اولهما حدوث قفزة حادة فى الاسواق والاخر حدوث تراجع كبير ايضا فى الاسعار والوضع فى كلا الحالين له تأثيرات سلبية عرفتها اوبك جيدا فى مراحل سابقة. ولكن كثيرا من المؤشرات مازالت تطمئن الى ان ارتفاع اسعار النفط ومستقبلها يسير وفق خط بيانى تدريجى مناسب حيث لاتوجد تقلبات حادة والاتجاه السائد فى هذا الخط البيانى هو صعود تدريجي مستفيد من الالتزام القوى الذى تبديه دول اوبك باتفاق مارس الماضى وبروز عدة عوامل فنية فى عدد من الدول المنتجة مع ارتفاع الطلب على المنتجات النفطية فى الولايات المتحدة الامريكية واعطاء الاقتصاديات الاسيوية مؤشرات على نموها مستقبلا. ولذلك سيكون من الوارد ارتفاع الاسعار فى الربع الاخير من هذا العام الى 23 دولارا للبرميل من خام برنت القياسى وربما نجد هذا السعر قبل هذا الموعد خصوصا وان سعر البرميل من نوع برنت بات قريبا من حاجز 20 دولارا بالفعل خلال الاسبوع الماضى وتجاوز سعر البرميل من نفط غرب تكساس هذا الحاجز بكثير. ومع هذه التطورات المشجعة فى السوق النفطية بدأت تبرز بعض الدعوات ومن دول رئيسية فى اتفاق مارس الى تخفيض القيود الانتاجية التى تتبعها دول اوبك. وذكرت صراحة ان المنظمة قد تبحث فى اجتماع سبتمير المقبل اتخاذ اجراءات فعلية لتخفيف القيود الانتاجية وهذا يعنى بلغة واضحة العودة مرة اخرى الى زيادة الانتاج. وتأخذ هذه الاشارات بعدا سلبيا خصوصا وان بعض الدول المنتجة الاخرى خارج اوبك بدأت التخلى عن وعود قطعتها لمنظمة اوبك بالتعاون معها فى التخفيضات الانتاجية. فقد اعلنت فنزويلا انها قد تزيد من حجم انتاجها اذا ما واصلت الاسعار ارتفاعها كما ان النرويج لم تخفض انتاجها بما يعادل 100 الف برميل فى اليوم كما تعهدت. ولذلك يبدو من الضرورى فى هذه المرحلة عدم اتخاذ اجراءات فردية من جانب واحد ولابد ان تكون اية خطوات تتعلق بالانتاج مدروسة ومتخذة فى اطار جماعى. ومن حسن حظ اوبك ان امامها فرصة لعقد اجتماع عادى فى سبتمبر المقبل ويمكنها اجراء مراجعة جماعية لاتفاق مارس الاخير فى ضوء الارتفاع فى اسعار النفط خصوصا وان الاسعار بلغت المستويات او المعدلات المستهدفة. ويبدو انه من المهم ان تستمر اوبك فى تنفيذ اتفاق مارس حتى مارس عام 2000 كما هو مقرر له الامر الذى يعيد المصداقية للمنظمة التى طالما فقدتها فى مراحل سابقة. ان المتابع للفترة السابقة التى مرت بها اوبك عام 1997 و 1998 وحالة الانقسام التى اثرت على قراراتها وانعكست بشكل واضح وسلبى جدا على اسعار النفط والخطوات اللاحقة التى اتخذتها الدول الاعضاء فى نوفمبر 1998 ومارس 1999 يدركون ان اوبك لن تنجر مرة اخرى تحت اغراء الاسعار المرتفعة نحو زيادة الانتاج وان اتخاذ مثل هذه الخطوة يجب ان يكون مدروسا بما فيه الكفاية وذلك خشية حدوث انهيار جديد فى اسعار النفط مع عدم المغالاة فى التشديد على الانتاج لفترات طويلة خشية حدوث صدمة نفطية جديده لا تقل تاثيراتها السلبية عن انهيار الاسعار وتؤدى اليها بالنهاية. ولذلك تبدو الاشارات الخليجية التى برزت اخيرا عن الالتزام بالمعدلات الانتاجية الحالية امرا واقع ومستمرا حتى مارس 2000 (وهي امر مطمئن) لجهة عدم حدوث هزات وتقلبات جديدة فى اسعار النفط ويزيد من ذلك وجود رؤية واضحة بان تغييرا فى المعدلات الانتاجية الحالية يجب ان يكون مشروطا بتوفر عناصر موضوعية منها التأكد من استمرار واستقرار الاسعار عند المعدلات التى حددتها اوبك او تنامى الطلب العالمى على النفط وانخفاض المخزونات الاستراتيجية بمعدلات كافية وضمن هذه الرؤية نستطيع القول ان الامور ستكون تحت سيطرة اوبك ولا خوف من حدوث تطورات غير محسوبة. - وام