اخيرا وبعد اكثر من عام من الانخفاض المستمر في اسعار النفط, وخاصة في اعقاب ازمة النمور الاسيوية في اكتوبر 1997, عادت الاسعار ترتفع وبشكل كبير منذ منتصف مارس الماضي , وخاصة بعد قرار أوبك بخفض الانتاج من 27 مليون برميل يوميا الى 22.9 مليون برميل, وزادت نسبة ارتفاع الاسعار حتى وصلت من منتصف يوليو لاكثر من 60% مما كانت عليه في مطلع العام الجاري, واقتربت من السعر الذي تسعى أوبك للوصول اليه في الخريف المقبل وهو 21 دولارا للبرميل. ردود الفعل وقد جاء هذا الارتفاع السريع في اسعار النفط مشوبا بالقلق والتوتر بالدرجة التي لم نلاحظ معها اية علامات سرور وتهليل لدى الدول المنتجة للنفط والتي عانت كثيرا من انخفاض الاسعار وتعرضت لأزمات وضيق مالي لم تشهده من قبل وربما يرجع سبب ردة الفعل السلبية هذه الى ان ارتفاع الاسعار مرتبط في نفس الوقت بتخفيض الانتاج, بمعنى عدم ارتفاع عوائد النفط للدول المنتجة للمستوى التي كانت عليه قبل الازمة, او ربما هذه الدول مازالت تعاني من صدمات انخفاض الاسعار بالقدر الذي لم تجد معه دواعي للسرور والتهليل لارتفاعها المفاجىء. اسباب التفاؤل هذا على الرغم من ارتفاع اسعار النفط الذي حدث على مدى الشهرين الماضيين يبعث على التفاؤل لسبب بسيط وواضح وهو ان يعكس مدى قوة (اوبك) ويعيد اليها الثقة في نفسها, والتي كادت ان تفقدها على مدى شهور ازمة انخفاض الاسعار الماضية, لان الارتفاع, وبلاشك, جاء نتيجة قرار المنظمة بتخفيض الانتاج والتزام الدول المنتجة به. ايضا ارتفاع الاسعار يبعث على التفاؤل لانه سوف يوقف عجز الموازنات العمومية للدول المنتجة والمستمر منذ اكثر من عام, والذي دفع بعض هذه الدول للحد من الانفاق وتعديل خطط التنمية القومية لديها, وبعضها اضطر للاقتراض لاول مرة في تاريخه. كذلك فان ارتفاع الاسعار يبعث على التفاؤل لدى شركات النفط التي كانت في ظل ازمة انخفاض الاسعار قد قررت العدول عن الكثير من المشاريع الاستثمارية في قطاع النفط بسبب انخفاض عوائد النفط. ولكن رغم كل عوامل واسباب التفاؤل هذه مع ارتفاع اسعار النفط فإن هناك عوامل اخرى كثيرة تبعث على التشاؤم والقلق والتوتر, وربما تكون هذه العوامل بالتحديد هي التي اوجدت رد الفعل السلبي على ارتفاع الاسعار وعدم ظهور علامات السرور والابتهاج من الارتفاع لدى الدول المنتجة. اسباب التشاؤم ومن هذه العوامل ان الارتفاع لم يأت نتيجة انتهاء او تلاشي اسباب الانخفاض, بل جاء نتيجة قرار صارم وقاس من أوبك بتخفيض الانتاج, في حين ان العوامل التي ادت الى الانخفاض في الاسعار مازالت قائمة وقوية ومؤثرة, ومن اهمها استمرار الازمات الاقتصادية العالمية في دول شرق اسيا وروسيا, وتوقع حدوث ازمات جديدة في دول اخرى من بينها دول صناعية كبرى مثل اليابان التي يتوقع لها الكثير من الخبراء ان تواجه قبل نهاية هذا القرن ازمة اقتصادية اقوى من التي واجهتها كل دول شرق اسيا مجتمعة, خاصة وان العجز والخسائر في الاقتصاد الياباني بسبب (الديون المعدومة) يتعدى تريليوني دولار, وهو رقم فلكي لاتقارن معه ارقام العجوزات في اقتصاديات دول جنوب شرق اسيا وروسيا والبرازيل مجتمعين, واذا وقعت الازمة في اليابان, وحدث لها ما حدث لدول جنوب شرق اسيا ولو بنسبة اقل, فان هذا سوف يؤدي مباشرة الى انخفاض حاد في الطلب على مصادر الطاقة, وعلى رأسها النفط بسبب توقف او انخفاض الانتاج في عشرات الالاف من المصانع اليابانية مثلما حدث في الدول المجاورة لها. ايضا هناك دولة اخرى كبيرة على وشك الدخول في الازمة وهي الصين التي تقاوم بشدة طيلة العام الماضي وصول تداعيات ازمة النمور الاسيوية اليها, في الوقت نفسه نشاهد دولة صناعية كبرى مثل بريطانيا تواجه ازمة نقدية حادة تضطرها الى طرح جزء كبير من احتياطيها من الذهب للبيع, الامر الذي ادى الى انهيار اسعار الذهب في الاسواق العالمية, واذا كان هذا هو الحال في الدول الكبيرة فما بالنا بعشرات الدول الصغيرة التي تواجه ظروفا اصعب بكثير. هذا الوضع القائم على الساحة الاقتصادية الدولية يجعلنا بالفعل لانتفاءل بثقة من وراء الارتفاع الحالي لاسعار النفط, لانه كما يقولون (الحفاظ على القمة اصعب بكثير من الوصول اليها) والحفاظ على سعر ثابت ومرتفع للنفط في ظل هذا المناخ الاقتصادي العالمي امر صعب للغاية. خارج اوبك ايضا ارتفاع اسعار النفط لايبعث على التفاؤل لانه يخشى منه ان تندفع بعض الدول المنتجة الاخرى (من خارج اوبك) الى استغلال الفرصة لتعويض خسائرها التي تعرضت لها طيلة الشهور الماضية, فتقوم بطرح كميات كبيرة من انتاجها من النفط سرا او علنا, خاصة وان بعض هذه الدول مثل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق تعاني من ظروف اقتصادية سيئة للغاية تضطرها للقيام بأي خطوة تدر عليها دخلا اضافيا, ولا توجد اية وسائل للضغط على هذه الدول ومنعها من بيع كميات اضافية من النفط, خاصة وان العديد من شركات النفط المحلية في هذه الدول قد افلست وبعضها اغلقت ابوابها واوقفت مشاريعها في حقول النفط المحلية بسبب انخفاض عوائد النفط. مدة التخفيض سبب آخر يدعو الى عدم التفاؤل من ارتفاع اسعار النفط وهو ان الفترة التي حددتها اوبك لخفض الانتاج قصيرة للغاية, حيث تنتهي في مارس المقبل, وبعدها بالقطع سوف تطرح الدول التي التزمت بالقرار كميات كبيرة من انتاجها من النفط للبيع, والذي سوف يصل (حسب التقارير الرسمية) الى 28.2 مليون برميل يوميا ابتداء من اول ابريل عام 2000, وهي كمية اكبر من الكمية التي كانت مطروحة قبل بداية انخفاض الاسعار منذ عام مضى, وتكفي هذه الكمية لملء جميع خزانات النفط في الاسواق وبسرعة, خاصة وان شهر ابريل هو بداية دخول فصل الصيف حيث ينخفض الاقبال على شراء النفط بسبب ارتفاع درجات الحرارة, الامر الذي يتوقع معه بعض الخبراء في ظل الظروف الاقتصادية العالمية الحالية انهيارا جديدا وحادا للاسعار, (وكأنك يا ابو زيد ماغزيت) فلا الدول التي التزمت بتخفيض الانتاج استطاعت تعويض خسائرها, ولا الاسعار بقيت على ماهي عليه, ونحن نرى ان قرار أوبك بتخفيض الانتاج رغم النتائج الايجابية الملحوظة التي حققها الا انه شابه بعض القصور في تحديد المدة والاعلان عن توقيت انتهائها, وايضا في اختياره لتوقيت اول ابريل كبداية لزيادة الانتاج, ونرى ان تمديد فترة التخفيض ستة شهور اخرى حتى بداية دخول فصل الشتاء سوف يساعد اكثر على تثبيت الاسعار في مستوى مرتفع, ويضمن استمرار هذا المستوى لفترة اطول, ولكن على ما يبدو ان الدول المنتجة التي قررت التخفيض وحددت مدته حتى اول ابريل قد راعت مواعيد وضع الموازنات العامة, وارادت ان تدخل القرن المقبل بموازنات قوية خالية من العجوزات. اسواق الاسهم من جهة اخرى فإن الخبراء والمحللين والمراقبين في الاسواق العالمية وخاصة في اسواق الاسهم والسندات العالمية غير متفائلين بالمرة من ارتفاع اسعار النفط بالشكل الذي تسير عليه الآن, ويقولون ان هذا الارتفاع غير الطبيعي والناتج عن اجراءات استثنائية اتخذتها (اوبك) سوف يؤدى الى مزيد من التضخم والذي انخفضت نسبته بشكل ملحوظ في الاسواق العالمية نتيجة انخفاض اسعار النفط الذي ادى الى انخفاض الاسعار لباقي المنتجات الاخرى, مما ساعد على زيادة المبيعات وساعد ايضا على الحفاظ على اقل مستويات لاسعار الفائدة في البنوك, وهذا في حد ذاته شجع بشكل ملحوظ على حدوث موجة من النشاط في اسواق الاسهم والسندات, وزادت عمليات الشراء والمضاربة, وطرحت الاسواق الامريكية والاوروبية اعتمادات كبيرة ذات فائدة منخفضة تماما, ويرى الخبراء ان زيادة اسعار النفط في الفترة المقبلة عن 20 دولارا للبرميل من خام برنت بالتحديد سوف تؤدي مباشرة الى ارتفاع سعر الفائدة حتى لاتحدث ازمات للدولار, ولاتواجه الاسواق الغربية موجة من هروب الاستثمارات للخارج, وارتفاع سعر الفائدة سوف يؤدي الى طرح كميات هائلة من الاسهم والسندات وبشكل اقرب الى الفوضى, وسوف تواجه اسعار الاسهم انخفاضا حادا, وتنخفض معها مدخرات الناس, وينخفض معها الانفاق, وتزيد تلقائيا حدة التضخم. ويقول الخبراء ان مؤشر (داو جونز) للاسهم في الولايات المتحدة الامريكية والذي يعد ترمومتر حركة الاسهم في كل اسواق العالم مهدد بالانفجار بسبب ارتفاع معدلات الفائدة والخوف من التضخم الذي سوف ينتج عن ارتفاع اسعار النفط. توخي الحذر كل هذه الاسباب والعوامل التي تدعو الى عدم التفاؤل من ارتفاع اسعار النفط الحالي تجعل الدول المنتجة للنفط, وخاصة دول الخليج, في مواجهة خيارات صعبة تفرض عليها ضرورة المزيد من الحذر ودقة التخطيط لتوقع اية تقلبات, كما تفرض على منظمة (اوبك) ضرورة مواصلة جهودها, وعدم التوقف عن العمل عند حد قرار التخفيض, والبحث عن حلول اخرى لمواجهة كل ما يمكن ان يحدث في اعقاب انتهاء مدة تخفيض الانتاج, هذا اذا لم يتم تعديل افضل يترتب عليه مد فترة التخفيض للانتاج ستة اشهر اخرى, وان كنا نعلم ان هذا امر من الصعب الوصول الى اتفاق حوله في ظل الظروف الحالية التي تمر بها منظمة (اوبك) . كتب - مغازي البدراوي