تستحق ظاهرة هروب التجار دراسة وتحليلا وافيين قبل أن تتفشى وتتداعى آثارها السلبية في المجتمع والأسواق, ومن البديهي انه لا يمكن وضع حلول للمشكلة قبل اكتشاف أسبابها وتحليلها بشكل جيد, وربما تكون هناك أسباب خاصة بكل حالة هروب على حدة كما يقول البعض, ولكن هذا لا يجعلنا نستبعد وجود أسباب عامة أدت إلى ظهور الظاهرة وتكرارها في عدة حوادث في فترة زمنية محدودة. وظاهرة هروب التجار والمستثمرين تحدث في العديد من دول العالم. ووقعت من قبل في دولة الامارات ولكن حالات فردية متباعدة في الزمن يصعب القياس عليها. وإذا كان هناك أسباب عامة للظاهرة فلا بد أن يكون على رأسها الخلل في التنظيم والادارة لدى الجهات المقرضة والمتعاملة مع التجار, وعدم توخي الحذر والدقة في مراجعة الوثائق والمستندات والضمانات المقدمة من التاجر أو العميل قبل منحه القروض. أيضا ربما تكون حالة الأسواق نفسها هي التي تبعث على هروب التجار, لانه من البديهي أن التاجر لا يهرب من السوق الرائجة, وحتى من يتعرض منهم لأزمات يحاول تجاوزها بأية وسيلة حتى يبقى في السوق, وكلنا نعلم ان هناك حالة ركود عامة في العديد من أسواق العالم, والسوق في دبي لا تختلف عن هذه الأسواق, وخاصة في فصل الصيف الذي تعاني فيه الأسواق هنا من الركود أكثر من غيرها, ولهذا ربما لا نندهش من وقوع حالات الهروب في مدخل الصيف. هذا إلى جانب ان مؤشرات الاقتصاد العالمي لا تبشر بالخير, فالأزمات العالمية قائمة ولم تجد لها حلولا حتى الآن ولا تمر بضعة شهور إلا وتقع أزمة جديدة, ويتوقع وقوع أزمات أخرى في دول كبرى مثل اليابان والصين, وأسعار الذهب تنهار, وحالات التضخم تزداد حدة حتى في أسواق أوروبا الغربية والولايات المتحدة, وهذا كله لا يبعث الأمل في نفوس التجار والمستثمرين, وربما يدفع بعضهم مثلما حدث إلى سرقة الأموال والهروب بها من بلد إلى آخر. ولهذا يجب على الجهات المسؤولة والجهات المقرضة والمتعاملة مع التجار والمستثمرين الأجانب ان تكون مستعدة دائما وأن تتوخى الحذر والدقة, وأن تتوقع دائما وقوع مثل هذه الحوادث, وخاصة في دبي التي تتمتع بسمعة عالية طيبة في التجارة والاستثمار, وتتمتع أيضا بهدوء واستقرار أمني وسياسي متميز ربما يدفع البعض أحيانا إلى الطمع والسعي للكسب غير المشروع ويدفع في نفس الوقت المؤسسات الحكومية والبنوك إلى الكسل وعدم توخي الحذر. وهناك جهات كثيرة ممكن الاستعانة بها لتفادي مخاطر هروب التجار منها على سبيل المثال شركات التأمين التي تستطيع أن تعطي ضمانات عن التجار للبنوك المقرضة وتتحمل المسؤولية في حالة وقوع حوادث هروب أو غيرها, وهذا نظام موجود في العديد من دول العالم, حيث لا تمنح البنوك قروضا للأشخاص إلا بشهادات ضمان من شركات التأمين. أيضا هناك جهات أخرى مثل اتحادات ورابطات التجار ولها دور فعال في ضمان أفرادها والحفاظ على سمعتهم, وهذا ما شاهدناه مؤخرا في موقف مجموعة تجار الأقمشة في دبي التي بدأت استعدادها للمساهمة في حل مشكلة التاجرين الهاربين بحوالي 11 مليون درهم ديون عليهما لبنك محلي, ومن البديهي ان مجموعة التجار هنا لا تسعى لانقاذ التاجرين بقدر ما تسعى لانقاذ سمعة باقي التجار الموجودين من أعضائها في دبي, وهذه فائدة مجموعات التجار واتحاداتها, ويمكن اللجوء إليها للاستعلام عن سمعة التجار حتى قبل منحهم القروض. هذه الوسائل وغيرها الكثير يجب السعي إلى اتخاذها من الآن قبل أن تتفاقم المشكلة وتنمو, والظروف مهيأة إلى حد كبير لنموها طالما بقت الأوضاع على ما هي عليه. مغازي البدراوي