كثر الحديث في السنوات القليلة الماضية عن نوع جديد من جرائم السطو على البنوك عن طريق اقتحام شبكات الكمبيوتر الخاصة بالبنوك والاستيلاء على الاموال عن طريق تحويلها الى جهات اخرى , وزادت حدة هذه الجرائم بعد دخول البنوك والمصارف عالم الانترنت, واستخدامهم لهذه الشبكة لتقديم خدمات افضل لعملائهم في كل انحاء العالم, ولان الانترنت مفتوح امام البشر في كل انحاء العالم فقد زادت حدة جرائم السطو الاليكتروني على البنوك. وفي بريطانيا اطلقوا على لصوص السطو الاليكتروني على البنوك اسم (هاكرز) "Hackers" او المتلاعبين او العابثين, ويقولون عنهم ان عددهم يزداد بشكل كبير وغالبيتهم بدأوا عملهم على سبيل التسلية والعبث عن طريق الكمبيوتر ومحاولات اختراق شبكات بعض الجهات, والدخول على البرامج السرية, وبعضهم يكتشف فجأة اثناء تسلية انه دخل على شبكات لجهات سرية مثل البنوك والمؤسسات الامنية. اعلن في الصحف مؤخرا عن شاب صغير لايزيد عمره عن 15 سنة تمكن اثناء عبثة في الكمبيوتر على شبكة الانترنت من الدخول, الى المنظومة الامنية لوزارة الدفاع في احدى الدول الكبرى, وقد اكتشف امره بعد تردده وتراجعه عن مواصلة عبثه. سمعة البنوك ورغم عدم الاعلام عن حوادث السطو على البنوك عن طريق الكمبيوتر وشبكة الانترنت, الا انها موجودة وبنسب عالية, ولايعلن عنها خوفا على سمعة البنوك, ويقول بعض خبراء الكمبيوتر انه لايمر شهر واحد دون وقوع اكثر من جريمة سطو على البنوك عن طريق الكمبيوتر وشبكة الانترنت. ومن الحوادث الشهيرة في هذا المجال في مطلع عام 1996 عندما اخترقت احدى عصابات السطو الالكتروني حسابات مصرف سيتي بنك في الولايات المتحدة الامريكية وحولت اكثر من عشرة ملايين دولار لحسابات خارجية, والقى القبض على العصابة التي ثبت انها تتكون من بعض الشباب من مدينة (سان بطرسبرج) في روسيا من خبراء الكمبيوتر, وقد تم القبض عليهم اثناء استلامهم المبالغ المحولة لبنك اخر بعيد, ولم يتم هذا ببراعة الامن بقدر ما كان ضعف في تنفيذ الخطة وسرعة اتمامها لان القائمين بها لم يكونوا من محترفي الجريمة, وقد احدث هذا الحادث ردود فعل قوية لدى بنوك العالم. وفي ايطاليا انشئت وحدة امنية خاصة تحت اسم (وحدة مكافحة السطو الاليكتروني) وتقول رئيستها (ماريا اشينزي) ان مجرمي السطو الاليكتروني او (الهاكرز) هم نفس المجرمون السابقون الذين كانوا يسرقون البنوك عن طريق عمليات الهجوم المسلح والوسائل التقليدية, وتحولوا للسطو الاليكتروني لانه اسهل واكثر امنا, وانهم يمارسون عملهم على البنوك الغافلة والتي لاتعطي اهتماما كبيرا للاجراءات الامنية وتقول (اشينزي) ان هؤلاء الهاكرز يجلسون ساعات طويلة امام اجهزة الكمبيوتر وشبكات الانترنت يتصيدون التحويلات المالية الكبيرة بين البنوك, ويحولونها لجهات اخرى واحيانا بعملات اخرى حتى يصعب اكتشافهم, وتعتمد خطتهم في الاساس على السرعة في التنفيذ لان الجريمة تكتشف بسرعة. وهناك الآن بعد انتشار استخدام الانترنت في العمليات المصرفيه اكثر من نصف مليار رسالة بنكية تنتقل يوميا بين بنوك ومصارف العالم عبر شبكات الكمبيوتر والانترنت. اشهرهم الروس ويقول المحامي البريطاني المتخصص في جرائم السطو الاليكتروني على البنوك (اليستير كيلمان) ان الروس هم اشهر (الهاكرز) في العالم الآن رغم تعاملهم الحديث مع اجهزة الكمبيوتر التي لم يكونوا يعرفونها قبل عشر سنوات مضت, الا انهم ولبراعتهم الفائقة وتقدمهم في علوم الرياضيات والفيزياء تفوقوا على غيرهم وسبقوهم في هذا المجال, ووصلت جرائم السطو الالكتروني الى حد قيام بعض العصابات بعمل اعطال في شبكات بعض البنوك او المؤسسات او التهديد بذلك بهدف ابتزاز الاموال من هذه المؤسسات. وحسب تقديرات فرقة مكافحة جرائم السطو الاليكتروني في الولايات المتحدة الامريكية فان اكثر من 85% من عمليات السطو الاليكتروني على البنوك تتم بنجاح ولايتم الابلاغ عن اكثر من 10% منها فقط خوفا على سمعة البنوك. ويقول (ريتشارد ديفيز) من رابطة تصفية مدفوعات البنوك في بريطانيا: (نحن في سباق مستمر مع الهاكرز, وكلما اكتشفنا وسائل دفاعية قوية كلما سعوا هم الى اكتشاف وسائل اقوى لاختراقها, خاصة وانهم يستخدمون في ذلك نخبة من نوابغ وخبراء الكمبيوتر في العالم, ويعطونهم اجورا خيالية تصل الى عدة ملايين من الدولارات في العملية الواحدة) . وفي دراسة اعدتها شركة (ارنيست انديونج) للاستثمارات المالية في الولايات المتحدة تقول ان اكثر من 20% من المؤسسات المالية التي تتعامل مع شبكة الانترنت قد سجلت محاولات ناجحة لاختراقها اليكترونيا عن طريق (الهاكرز) خلال عام واحد. ويجمع الخبراء ورجال الامن المختصين على ان العمليات الناجحة للسطو الاليكتروني لايمكن ان تتم بدون مساعدة من احد العاملين داخل البنك او المؤسسة, وقد ثبت في حادثة سيتي بنك الشهيرة وجود معونة من احد العاملين في البنك لعصابة الهاكرز, حيث قام احد موظفي البنك بترك جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل البنك مفتوحا بعد نهاية العمل وهو المدخل الذي دخلت منه العصابة. بنوك الامارات ويبقى السؤال حول الحالة الامنية للبنوك داخل دولة الامارات ومدى قدرتها على مقاومة السطو الالكتروني عن طريق الهاكرز, وهل هناك بالفعل جرائم سطو الكتروني وقعت على بنوك داخل دولة الامارات؟ حول هذه الاسئلة وغيرها كان لنا لقاء مع مدير الخدمات المصرفية الالكترونية في بنك الامارات الدولي (محمد عبدالرحمن الجلاف) . وهو الشخص الذي تولى منذ البداية مسؤولية تأسيس ما يسمي بخدمة (بنك نت) في عام 1997 في بنك الامارات الدولي الذي كان اول بنك يطرح خدمة من هذا النوع في الشرق الاوسط, وتعتمد هذه الخدمة على تسهيل تعامل العملاء مع البنك عن طريق استخدام شبكة الانترنت, وقد فاز بنك الامارات الدولي بجائزة الابداع في مجال الخدمات التقنية والتي منحتها له المجلة العالمية المتخصصة (مونى وركز) "MONEY WORKS" في مايو 1999. يقول (الجلاف) منذ عام 1995 ونحن نفكر في استخدام الانترنت لتسهيل تعامل عملائنا مع حساباتهم داخل البنك, ولكن حتى عام 1997 لم تكن الظروف تسمح لان تكنولوجيا الحماية الامنية لم تكن متطورة بشكل مرض وشبكة الانترنت كان سهل اختراقها في مدة لاتزيد عن 30 ساعة انذاك, وهذا في حد ذاته يعرض حسابات العملاء للخطر, وفي سبتمبر عام 1997 وافقت الحكومة الامريكية على تصدير تكنولوجيا التشفير العالي (128 بت) لاستخدامها في المؤسسات المصرفية والبنوك, وبعد هذا باقل من ثلاثة شهور وبالتحديد في نوفمبر من نفس العام طرح بنك الامارات هذه الخدمة التي تسمى (بنك نت) والتي تستخدم هذا التشفير العالي, وكنا اول بنك يطرح هذه الخدمة الحديثة على مستوى الشرق الاوسط, ويعتبر هذا النظام والتشفير المستخدم به حتى الآن الاكثر امانا في العالم كله, ولاتوجد حتى الآن تقنيات تستطيع فك هذا التشفير بسرعة. ويقول (الجلاف) ان نوعية الخدمات التي نقدمها لعملائنا لاتوجد فيها الخطورة التي تسمح او تشجع على اختراق (الهاكرز) لها فنحن لا نسمح بالسحب او التحويل الآلي من الحسابات بأكثر من عشرة آلاف درهم, وجميع التحويلات عن طريق الانترنت تتم داخل البنك فقط وليس خارجه, ونحن في البنك وضعنا نظام الحماية الحديث لاجهزتنا والذي يطلق عليه اسم (الجدار الناري) والذي يفصل بين اجهزة الكمبيوتر داخل البنك والخارج, ولا يسمح لاي دخيل او غريب بالدخول, ويتحكم ايضا في توجيه كل من يسمح له بالدخول داخل شبكة البنك, وبعد ان وضعنا هذا النظام اردنا التأكد من قوته وضمان استمراره بنفس القوة فاتفقنا مع شركات عالمية (لا استطيع التصريح باسمها لدواعي امنية) لكي تقوم بنفسها باختراق هذا الجدار, ويوجد في هذه الشركات خبراء عالميون على اعلى مستوى في العالم وبعضهم كان من (الهاكرز) قبل ان يترك الجريمة ويعمل في هذا المجال, وقامت بالفعل بمحاولات لاختراق الجدار النارى لدينا, وفشلت كل محاولاتهم, واعطتنا هذه الشركات شهادات عالمية بصلاحية هذا النظام لحماية البنك من عمليات السطو الالكتروني, ولدينا مع هذه الشركات اتفاقات مستمرة وتجدد سنويا, يقومون هم بموجبها بمحاولات دائمة لاختراق الجدار الناري لدينا باحدث ما تصل اليه التقنية الالكترونية حتى يثبت لنا استمرار صلاحيتة للحماية, وهذه في حد ذاتها مسألة مكلفة للبنك ولكن عدم وجودها ممكن ان يسبب في لحظة واحدة خسائر جسيمة. ويشير الجلاف الى ان هناك بنوك اخرى في الامارات مثل بنك الاتحاد الوطني وبنك دبي الوطني يستخدمون الانترنت في معاملات عملائهم, ويستخدمون نظام التشفير العالي والجدار الناري للحماية, وقد ادخلوها بعد بنك الامارات. محاولات نجحت ويقول الجلاف انه: حسب معلوماتي, وبدون ذكر اسماء طبعا, فقد وقعت بالفعل في دولة الامارات حوادث سطو اليكتروني على بعض البنوك, واغلبها تم عن طريق الكمبيوتر الداخلي للبنك وبمساعدة احد العاملين داخل البنك, وبعض هذه المحاولات نجحت وبعضها تم ضبطه ويعلن عنها في الصحف بين الحين والحين. ويضيف بان البنوك في الدول الصغيرة لديها معلومات قليلة في هذا المجال, وكثير منها لاتتوقع هجوم (الهاكرز) عليها, و(الهاكرز) يفضلون الهجوم على البنوك التي لاتتوقع الهجوم عليها لعدم وجود احتياطات امنية لديها. ورغم الاجماع على ان الانترنت زاد من عمليات السطو الاليكتروني على البنوك الا ان (الجلاف) ينصح البنوك في الامارات باستخدام الانترنت لخدمة عملائهم, مع اتخاذ وسائل الحيطة والحذر والتكنولوجيا الدفاعية الحديثة والرقابة القوية والمستمرة على كل العمليات التي تتم عن طريق الانترنت, واستخدام نظام الجدار الناري ضد عمليات السطو والعبث الاليكتروني من قبل (الهاكرز) , ويؤكد على ان بنك الامارات الدولي يرحب في اي وقت بتقديم المساعدات والمعلومات اللازمة للبنوك الاخرى في الدولة حول تجربته في الدفاع ضد السطو الاليكتروني. الصراع مستمر ويقول مهندس الكمبيوتر ومدير منتجات الانترنت في شركة (الدباغ انفورميشن تكنولوجي) في دبي (معتصم محيسن) انه يعتقد ان عمليات السطو الاليكتروني واختراق شبكات ونظم الحاسوب في البنوك التي تستخدم الانترنت لخدمة عملائها اصبحت شبه مستحيلة بعد استخدام هذه البنوك لوسائل الحماية الحديثة, وان السطو المسلح على البنوك اسهل بكثير من محاولة تخطي النظم التقنية الحديثة. ويقول ان تأمين النظم الداخلية للبنوك ضد الاختراق الخارجي يعتمد الآن على طريقتين وهما اولا بناء الجدار الناري "Fire Wall" وثانيا استخدام تقنية التشفير العالي الحديثة لتشفير البيانات والمعلومات القادمة والخارجة من والى البنك, وقد طورت شركة (نيتسكيب) الامريكية تقنيات التشفير الى اعلى المستويات لتخدم امن البيانات المتنقلة على شبكات الحاسب الآلي او شبكة الانترنت, وكثير من البنوك تستخدم تقنية التشفير الضعيف (40 بت)والتي تحتاج لحوالي 30 ساعة لاختراقها, بينما بعض البنوك اصبحت تستخدم تقنية التشفير العالي معيار (128 بت) والتي تحتاج لاختراقها عدة سنوات وتوفر حماية امنية كاملة للبنوك ضد السطو الالكتروني. ويضيف محيسن قائلا ان اغلب عمليات السطو الاليكتروني التي تتم الآن يقوم بها الهاكرز بمساعدة اشخاص يعملون داخل البنوك, ونادرا ما تنجح هذه العمليات, واذكر من العمليات الناجحة عملية مشهورة قام بها الهاكرز الشهير في امريكا (جوسين بترسن) الذي راقب محطتي كمبيوتر لاحدى المؤسسات المالية في كاليفورنيا لفترة طويلة حتى وجد ثغرة غير مشفرة فيها واستغلها في تحويل مبلغ مالي كبير لحساب خاص به, وقد القى القبض عليه بعد فترة. ويضيف محيسن بان هناك بنوك في الامارات تستخدم التشفير العالي (128 بت) في خدمة عملائها مثل بنك الامارات الدولي الذي اسس خدمة (بنك نت) لخدمة العملاء عن طريق الانترنت, ويضمن عن طريق هده الخدمة اقصى درجة من الحماية لتعاملات وحسابات عملائه. ويبقى في النهاية ان نقول ان الصراع قائم ومستمر بين الهاكرز وبين انظمة الدفاع والحماية الحديثة, والمعركة لن تحسم قريبا خاصة اذا علمنا ان عصابات السطو الالكتروني تضم في صفوفها خبراء على اعلى مستوى في العالم في تقنية الكمبيوتر ويتقاضون اجورا خيالية مقابل تفرغهم لاكتشاف وسائل اختراق الانظمة الدفاعية للبنوك والمؤسسات الهامة, والخطر في رأي الخبراء سوف يظل قائما وسوف تزداد حدته مع التوسع في استخدام شبكة الانترنت رغم اجماع الجميع على انها في بعض الاحيان (شر لابد منه) . تحقيق: مغازي البدراوي