أيا كان الجدل و الحوار حول فائدتها في علاج بعض الأمراض أو الأضرار المترتبة على إستخدامها, فإ نه مما لاشك فيه أن تجارة الأعشاب والتداوي بها من أقدم التجارات في التاريخ , ورغم تطور علوم الطب والصيدلة فإنه ما زالت هذه التجارة تلقى رواجًا كبيرًا في العديد من أسواق العالم, وخاصة في المنطقة العربية و بلدان آسيا وأفريقيا, والأكثر من ذلك أن هذه التجارة تحقق أرباحًا خيالية تفوق أحيانًا في نسبتها أضعاف أرباح بعض أنواع الأدوية الحديثة التي ثبت فاعليتها ونجاحها في علاج العديد من الأمراض المستعصية. و عند الحديث عن الأعشاب يجب التفرقة بين نوعين وهما الأعشاب الطبية الصيدلانية المجموعة والمصنفة تحت إشراف طبى وفي معامل طبية وتقوم بستويقها شركات أدوية من خلال الصيدليات والأعشاب الشعبية المستخدمة للعلاح والتي تباع في محلات (العطارة) لدى تجار الأعشاب وعسل النحل, وهي التي يدور حديثنا هنا عن أسواقها في دولة الإمارات, وسوف نحاول أن نقصر حديثنا بشكل أكبر على الناحية التجارية وحالة أسواق الأعشاب, وهي التي تهمنا في المقام الأول وإن كان هذا لن يمنعنا من التعرض لبعض جوانب وأساليب هذه التجارة, خاصة وأنها أمور متصلة كلها بسوق الأعشاب الذي كثر حوله الجدل, وكثر فيه أيضًا حالات الغش والنصب بالشكل الذي أصبح معها, على حد قول بعض كبار التجار, تحقق هذه التجارة لبعضهم أرباحًا تبلغ نسبتها أكثر من ألف في المائة, وكما يقول أحد التجار أن هناك نوعًا من الأعشاب يباع في الجملة بسعر مائتي درهم للجوال الذي يزن أقل من 15 كيلو جرامًا, ويعاد تفريغه وتوزيعه في عبوات صغيرة ليباع للجمهور. بما يساوي أكثر من ثلاثة ألاف درهم. وحتى لا نخوض في دهاليز وغرائب وعجائب هذه التجارة القديمة الرائجة دائمًا نترك الحديث لبعض خبراء وكبار التجار في سوق الأعشاب في دولة الإمارات. من كل أنحاء العالم يقول (ظافر أحمد شقرة) صاحب مؤسسة بن هاشم لتجارة الجملة في الأعشاب في أبو ظبي إنه يعمل في هذه التجارة في أسواق الإمارات منذ عشر سنوات, وأنه أصلاً تخصصه في القانون لكنه اهتم بالأعشاب وبحث وقرأ فيها كثيرًا وقرر أن يعمل فيها, ويقول أن في الإمارات ما يقرب من مائتي محل أعشاب وعطارة منتشرين في كل المدن وأكثرهم في دبي والشارقة, وكلهم في الغالب تجار وافدين من دول أخرى, وكل تاجر يستورد في الأساس من بلده لأن لكل بلد أعشابها التي إعتاد شعبها على إستخدامها, والتاجر السوري لا يعرف الكثير عن الأعشاب الهندية, والإيرانية, والهندي لا يبيع أعشاب سورية أو إيرانية أ و مصرية, وهكذا. <ويقول (ظافر) إن تجارة الأعشاب فرص الغش فيها كبيرة, والبعض يحقق من ورائها أرباحًا طائلة تزيد عن ألف في المائة, والزبائن المقبلون على الأعشاب من كل الجنسيات وأكثرهم من المواطنين وكثيرون من الوافدين, ونحن أغلب زبائننا من الوافدين السوريين والفلسطينيين لأن أعشابنا من هناك. <ويضيف ظافر بأنه ليس هناك نسبة عامة للربح على كل الأعشاب, فهناك أنواع تحقق أرباحًا 50%, وأنواع أخرى تحقق أرباحًا 100% أو 200%, وهذه نسب ليست كبيرة بالمقارنة بأسعار الأعشاب الرخيصة عمومًا وقلة الاستهلاك فيها. <وحول أحوال السوق يقول ظافر أن سوق الأعشاب في الإمارات يعاني من ركود ملحوظ منذ أكثر من عام كامل مضى, والمبيعات انخفضت لأكثر من 50% عن العام الماضي, في نفس الوقت زادت النفقات وارتفعت أسعار الكهرباء والإيجارات والنقل وغيرها, كما يقول انه شارك في مهرجان دبي للتسوق أكثر من مرة لكنه في هذا العام لم يحقق ما حققه عام 98 بل أقل بكثير. غيرالمتخصصين <ويضيف (ظافر) قائلاً إن أعداد محلات الأعشاب في الإمارات تزيد باستمرار, والتجارة يدخل فيها الكثيرون من غير المتخصصين والذين يسعون لتحقيق أرباح طائلة من وراء الغش والنصب, وأنه لا توجد جهة حكومية متخصصة للرقابة على هذه التجارة, ولا توجد قوانين تحكمها, والحصول على رخصة للتجارة في الأعشاب أمر سهل وبدون تعقيدات, والأرباح من وراء الغش والنصب في هذه التجارة خيالية وبلا حدود, والعقاب عليها قانونًا مثل أي غش تجاري عادي رغم أنه أحيانًا يصيب الإنسان بأضرار صحية جسيمة. <ويذكر (ظافر) حالة غش تعرض لها شخص فشل الأطباء في علاجه فلجأ لأحد تجار الأعشاب الذي استغل حالته, ووصف له علاج أعشاب من عنده لمدة ستة شهور كانت تكلفه شهريًا حوالي أربعة ألاف درهم, في حين أن الأعشاب التي أعطاها له لايزيد ثمنها عن بضعة دراهم قليلة, وكانت النتيجة ضياع المال والصحة معًا, والأمر في النهاية يتوقف بشكل كبير على ضمير تاجر الأعشاب ومدى خبرته باستخداماتها. وحول أكثر مواسم البيع رواجًا يقول (ظافر) أن عطلة الصيف التي تركد فيها الأسواق الأخرى تنشط فيها تجارة الأعشاب لأن الناس يكون عندهم الوقت لاستخدامها, كما تنشط في مواسم الأجازات بشكل عام وخاصة المنشطات وأعشاب الجلد والوجه والتخسيس. حوالي 200 محل ومن (مجمع الأعشاب الشافية) بالشارقة يقول صاحب المجمع (حميد رضا تاج الدين) الشهير بـ (حكيم تاج الدين) وهو من أشهر تجار الأعشاب في الإمارات أنه ورث هذه المهنة عن أجداده وبدأ العمل فيها في أسواق الإمارات منذ سبع سنوات, وأغلب الأعشاب التي يتعامل فيها من إيران إلى جانب أعشاب من دول أخرى مختلفة مثل الهند وباكستان وسوريا ومصر وبعضها من أوروبا وأمريكا. ويقول أن عدد المحلات التي تعمل في تجارة الأعشاب يتراوح في دولة الإمارات بين المائة والمائتين وبعضهم تجار جملة يستوردون كميات كبيرة من الخارج بالأطنان ويبيعونها لتجار صغار في السوق ويرى تاج الدين أن تجارة الأعشاب في الإمارات فيها حالات غش كبيرة و ذلك بسبب ممارستها من قبل غير المتخصصين, وكثير من التجار يقومون بتخزين الأعشاب بطرق غير صحيحة تؤدي إلى تلف الأعشاب وفسادها ويبيعونها على حالتها الفاسدة وهم لا يعلمون بذلك وتسبب أضرارًا بالغة للناس, والكثير من الأعشاب بعد تجفيفها لاتزيد مدة صلاحيتها للعلاج عن ستة أشهر أو سنة على الأكثر ولكن التجار يبيعونها بعد سنوات وبعد أن تفقد صلاحيتها تماماً وتكون بلا فائدة وتسبب أضرارًا للناس, والبعض يعتمد على جهل الناس باستخدام الأعشاب ويعطيهم أشياء غير المطلوبة بهدف التخلص من أنواع راكدة عنده في المخازن, أو بسبب غياب النوع المطلوب عنده وهو لا يريد أن يخرج الزبون من عنده ويده فارغة, وكثير من التجار يدعي العلم بالمرض وهو لا يدري عنه شيء, وكثيرون يدعون أن لديهم علاج لأمراض مزمنة وخطيرة فشل الطب في علاجها مثل السرطان والإيدز وغيرها, ويلعبون في ذلك على نفسيات المرضى اليائسين من العلاج, ويبيعون لهم أعشابا لا فائدة منها وبمبالغ وأسعار كبيرة تصل فيها العبوة الواحدة إلى عدة آلاف من الدراهم. ستنظيم ورقابة ويقول تاج الدين ان وزارة الصحة لابد وأن تتدخل لتنظيم ورقابة تجارة الأعشاب التي لا تخضع لأي قانون أو رقابة, وقد وصل الأمر لدرجة أن بعض التجار يجمعون أعشاباً من البراري والأشجار العادية ويجففونها ويبيعونها على أنها أعشاب للعلاج, وليس لها أية صلة بالعلاج وتسبب أحيانًا أضرارًا بالغة للناس. (وحول حالة السوق يقول تاج الدين إن السوق الآن يعاني من ركود شديد لدرجة أن العائد أحيانًا لا يغطي نفقات ومصاريف المحلات, والسوق في هذا العام أسوأ بكثير من العام الماضي, وهذه التجارة مثلها مثل غيرها تتأثر بالأ زمات الاقتصادية وبانخفاض القوة الشرائية لدى الناس, ونحن التجار نضطر إلى تخفيض الأسعار حتى تتناسب مع مستوى دخول الناس وإنفاقهم الذي انخفض بشكل ملحوظ في أعقاب أزمة انخفاض أسعار النقط, وأرباح هذه التجارة في حالة الجملة تصل إلى 100% في السوق الحقيقي الخالي من الغش أما في السوق الأخر فإنها تصل مع الغش إلى مالا نهاية. وحول حجم تجارة الأعشاب في الإمارات يقول تاج الدين أنه من الصعب تحديدها بسبب تنوع المصادر واختلاف أسعار الأعشاب بشكل كبير, ولكن المحلات الصغيرة يصل حجم تجارتها سنويًا لأكثر من 350 ألف درهم, والكبيرة تتعدى أحيانًا عشرات الملايين, وهناك محلات مثلاً في دبي يصل إيجارها السنوي لأكثر من ربع مليون درهم, وبالقطع هذه المحلات تحقق عوائد تقدر بالملايين, وقد قامت وزارة الصحة بإجراء اختبارات لبعض التجار الراغبين في فتح محلات أعشاب, ولكن من يرسب في الاختبار في إمارة يذهب يفتح في إمارة أخرى. علاج بعض الأمراض ومن مركز ابن سينا للأعشاب يقول صاحب المركز ومديره (أبو محمد العطار) أن الإقبال على الأعشاب كبير كما هو رغم ركود الأسواق والأزمات الإقتصادية, وأن أسواق الإمارات يدخلها سنويًا ما يقرب من 150 طنًا وتعتمد تجارة الأعشاب في أسواق الإمارات بشكل كبير على إعادة التصدير, حيث يستورد التجار أعشابًا من إيران والهند وسوريا ومصر وغيرها ويصدرون لهذه البلدان نفسها الأعشاب غير الموجودة فيها, والأسعار في السوق ترتفع مع إرتفاع نفقات الإيجار وغيرها. ويقول (أبو محمد) ان عدم وجود رقابة على تجارة الأعشاب أمر عادى وموجود في كل الدول وليس في الإمارات فقط, ويرجع هذا في الأساس لعدم وجود خبراء متخصصين في هذا المجال لدى أجهزة الدولة, لأن الخبراء هم التجار أنفسهم والمسألة تخضع فقط لضميرهم الشخصى, وهم الذين يتحكمون بشكل كبير في الأسواق, وسوق الإمارات رغم نفقاته العالية إلا أنه أفضل الأسواق وذلك بسبب تجارة إعادة التصدير, وكثير من مصانع الأدوية في أوروبا تستورد كميات من الأعشاب من سوق الإمارات, وسوق الأعشاب يقبل عليه الناس من مختلف الفئات والمستويات, وتطور الصيدلة وصناعة الأدوية لم يستطع بعد أن يحد من إستخدام الأعشاب التي يقبل عليها الناس تحت قناعة بأنها (إذا لم تنفع فإنها لن تضر) . ويقول أبو محمد أن كثيراً من الأطباء يتعاملون معه ويستعينون به في بعض الوصفات لعلاج بعض الأمراض مثل الأعصاب والشلل ووجع المفاصل والسكر والربو وغيرها من الأمراض التي نجحت الأعشاب بشكل كبير في علاجها. (الناس تخجل) ومن مجمع الأعشاب يقول (أبو محمد علي يوسف) انه تعلم العلاج بالأعشاب من أجداده وأنه يعمل في الإمارات منذ سبع سنوات, ولكنه قلق بسبب الإنخفاض المستمر في السوق بسبب الأزمات وكثرة المحلات, وإن كان الإقبال مازال جيدًا وخاصة من المواطنين, والأسعار مستواها معقول وفي مستوى الجميع ولا تزيد في العبوة عن 25 درهمًا, ويضيف بأن الغش منتشر بشكل كبير في هذه التجارة, والناس تستحي وتخجل من أن تقول بأنها خضعت للغش والنصب حتى لا يصفها الناس بالجهل, والتجار الغشاشون يستغلون الحالة النفسية لدى الناس اليائسين من العلاج عند الأطباء, ويحققون من ورائهم أرباحًا طائلة تزيد عن عشرات أضعاف سعر الأعشاب نفسها. ويقول أن سعر عبوة الأعشاب يتراوح بين 5 و 25 درهماً ولا يجب أن يزيد عن ذلك, هذا على الرغم من وجود بعض الأعشاب النادرة التي تتجاوز تكلفتها ألاف الدراهم ولكنها حالات إستثنائية. تحقيق/ مغازي البدراوي