تمثل مشكلة تزايد السكان في الوطن العربي تحديا خطيرا امام العديد من الحكومات, في ضوء ما يرتبط بذلك من مشكلات خاصة بعملية التنمية البشرية, مثل البطالة والأمن الاجتماعي والغذائي . حيث تشير اخر الاحصائيات الى ان عدد سكان المنطقة العربية سيصل الى نحو 320 مليون نسمة خلال عام ,2000 ومن المتوقع ان يصل العدد الى اكثر من 450 مليون نسمة بحلول عام 2015. وبالنظر الى الخريطة السكانية للعالم العربي, نكتشف انها تعكس تباينا ملحوظا في التركيبة الديموغرافية على الخريطة العربية.. حيث يتمركز الثقل السكاني في عدد من الدول العربية ذات الموارد المحدودة, والتي تمثل الزيادة السكانية فيها قنبلة قابلة للانفجار, كما اشار تقرير الامم المتحدة الى ان غالبية الدول العربية دخلت ضمن الدول المتوسطة عالميا من ناحية حجم السكان, وتتضمن هذه الدول مصر والجزائر والمغرب والسودان, والتي يتراوح تعداد سكانها بين 25 واكثر من 60 مليون نسمة, ومصر هي اكبر الدول العربية سكانا ويقطنها حاليا اكثر من 62 مليون نسمة وهو ما يقترب من حوالي ربع سكان المنطقة العربية. اما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي فيبلغ تعداد السكان بها حاليا اكثر من 30 مليون نسمة, وتعد المملكة العربية السعودية اكبر دول الخليج تعدادا للسكان حيث يمثل سكانها نحو 70% من اجمالي سكان منطقة الخليج, وقد تضاعف عدد سكان مدن الخليج اربع مرات خلال ربع قرن فقط, وتتمتع كل من السعودية والامارات والكويت وقطر بأعلى معدلات نمو في العالم, رغبة منها في ملء الفجوة السكانية التي تعاني منها, مستفيدة من مواردها ومن توفر البنى والخدمات الاساسية مثل التعليم والصحة. الهرم السكاني ويتميز الهرم السكاني في الوطن العربي بقاعدة عريضة تشمل الفئات الصغرى من العمر اذ تشكل فئة السكان دون سن الـ 15 سنة نحو 50% من السكان, وينطبق ذلك على جميع الدول العربية, وتعتبر هذه النسبة مرتفعة بالمقارنة مع مثيلاتها في العالم, اذ لا تزيد على 22% في البلدان المتقدمة و38% في البلدان النامية ويصل معدل خصوبة المرأة العربية الى ستة اطفال.. ومن المتوقع ان يصل حجم القوة العاملة العربية عام 2000 الى حوالي 87 مليون نسمة, ومن المحتمل ايضا ان تتدهور نوعية الحياة لعامة السكان بمعظم الدول العربية اذا لم تتوفر احتياجات الزيادة السكانية من المرافق والخدمات, اضافة الى الموارد الاستثمارية الكبيرة. الفجوة الغذائىة وهنا يجب الاشارة الى ان نصيب الفرد العربي من الرقعة الزراعية منخفض جدا اذا ما قورن بالمتوسطات العالمية, كذلك فان العرب يعتمدون على الواردات لسد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك, ويبدو ان الاعتماد العربي على الواردات كبير جدا في مختلف المجالات من البيض الى الحبوب مرورا باللحوم الحمراء. وبالمقارنة بين الاستهلاك المتزايد لهذه المنتجات بمدى تطور الانتاجية الزراعية, يتضح ان الاتجاه العام هو زيادة العجز في سد الاحتياج الغذائي, والتدهور الشديد في نسبة الاكتفاء الذاتي في اكثر السلع ضرورة واكثرها استراتيجية وهي اللحوم والحبوب.. وتشير التوقعات الاولية الى ان قيمة الواردات العربية من المنتجات الزراعية ستصل الى 31.5 مليار دولار بحلول العام المقبل. وفي تقدير آخر فان الفجوة الغذائية ستصل الى 60 مليار دولار.. وتتضح فداحة الرقم اذا ما قورن بالواردات عام 1970 حيث كان 2.2 مليار دولار فقط. اذا فالاتجاه العام هو التناقص الدائم وبشكل كبير خلال السنوات الماضية في كل المجالات والمحاصيل تقريبا. ولا تقف المشكلة السكانية في المنطقة العربية عند حد معين فهي متشعبة وتطول كافة اوجه النشاط في الدول بأكملها, وايقنت العديد من الدول أهمية المشكلة السكانية من الناحية الامنية والاقتصادية والسياسية خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي بعد حرب تحرير الكويت وبالتحديد بعد ان بدأت دول الخليج في تسديد فاتورة الحرب مما استنزف جزءا كبيرا من ميزانياتها, بالاضافة الى تراجع اسعار النفط وما نتج عن ذلك من خلل في الميزانية العامة لتلك الدول. فبعد ان كانت غالبية الدول العربية تتحمل عبء الدعم السخي المقدم الى المواطنين الممثل في الخدمات المجانية تقريبا ( كهرباء ــ هاتف ــ صحة ـ تعليم .. الخ) بدأت في اعادة الحسابات مجددا وتغيير سياسة تحمل النسب العليا من الدعم المقدم, وانعكس ذلك سلبيا على المواطنين وظهر في صورة تذمر عام على فترات متقطعة نتيجة استبعاد خدمة ما من الدعم او رفع اسعار السلع الغذائية. ميزان المدفوعات ومع تزايد الفجوة في عجز ميزان المدفوعات للدول العربية بدأت الدول المستقبلة للعمالة الوافدة في التخلي عن نسب كبيرة من العمال العرب العاملين على اراضيها, ولعل ابرز هذه الصور ما حدث في المملكة العربية السعودية في الفترة مابين 1992 وحتى الآن واتجهت تلك الدول لاتباع سياسة (الاحلال محل) وبمعنى آخر الاستغناء عن العمالة الوافدة لتوفير فرص عمل لابناء البلد. ومثلت تلك الخطوة العديد من المشاكل والتي مازالت تعاني منها حتى الآن. ويمكن تلخيص تلك المشاكل في عدة نقاط مهمة, يأتي في مقدمتها الانعكاسات السلبية على اداء العمل ذاته, فمن المؤكد ان هناك قطاعات حققت نجاحا ملحوظا في تطبيق نظرية الاحلال مثل التعليم والاعمال الادارية بالوزارات والهيئات المختلفة والسياحة وبعض الاعمال الحرة, الا ان هناك عددا من القطاعات الاخرى التي كان لها انعكاس سلبي من ذلك التطبيق كالطب والعمالة الفنية بالمصانع الكبرى والاعمال الحرفية الفردية , واذا نظرنا الى القطاعات التي حققت نجاحا من تطبيق نظرية الاحلال, فسنجد ان الدولة قطعت في الاساس اشواطا كبيرة لاعداد الكوادر الفنية المؤهلة للقيام بذلك, على عكس الكوادر الاخرى التي لم يحالفها الحظ ومازالت تعتمد الى حد كبير على العمالة الوافدة في سد العجز فيها .. حيث كان هناك تسرع في الزج بالعمالة الوطنية لاقتحام مجالات جديدة غير مدربة التدريب الكافي, وحصيلتها من الخبرة تنحصر فيما تعلمته داخل الاطار التعليمي فقط ( جامعات ــ معاهد ـ مدارس ــ مراكز تدريب). والنقطة الثانية والمهمة ايضا في تطبيق الاحلال هي عودة العمالة المهاجرة الى اوطانها, حيث مثلت عملية رجوع نسب عالية من العمالة الوافدة لعدد من الدول العربية الى موطنها الاصلي مشكلة كبيرة خاصة مع مطلع العقد الجاري, تمثلت في امكانية توفير فرص عمل للعمالة العائدة في ظل الظروف المتردية التي تعيشها في الاساس تلك الدول, وما قد ينتج عن ذلك من اضطرابات في توزيع الخريطة العمالية لها .. بل واصبحت عودة العمالة تمثل مشكلة امنية ايضا ممثلة في ارتفاع معدلات البطالة, فمن المعروف انه كلما ارتفعت نسب البطالة كلما ارتفعت نسب معدلات الجريمة. نجاح الامارات ولا يعني هذا ان الصورة قاتمة للغاية امام الدول العربية, فهناك من نجح بالفعل في امتصاص مشكلة ارتفاع معدلات الزيادة السكانية, وتطبيق عملية الاحلال بصورة شبه مكتملة تقريبا كالامارات العربية المتحدة التي تمكنت تدريجيا من توفير اعداد كبيرة من فرص العمل لمواطنيها بعد تأكدها من كفاءة الايدي العاملة الوطنية, وكذلك المملكة العربية السعودية والتي قطعت شوطا كبيرا من (السعودة) حققت من خلاله نجاحا بلغ نسبا عالية, وفي المقابل فان هناك العديد من الدول التي امتصت ايضا صدمة عودة العمالة المهاجرة اليها يأتي في مقدمة تلك الدول مصر والتي تمكنت خلال زمن قياسي من انشاء العديد من المصانع في المدن الجديدة بالاضافة الى تبني العديد من المشروعات العملاقة التي جذبت نسبا كبيرة من العمالة العائدة مثل مشروع توشكى وشرق التفريعة. ان الخطوات التي قطعتها الحكومات العربية تجاه المشكلة السكانية كبيرة ومتنوعة, الا ان الفترة القادمة تحتاج الى مزيد من العمل الجماعي للخروج من تلك الازمة باقل الخسائر, فمن المعروف انه مع تطبيق اتفاقية الجات فان المنتجات العربية ستلقى منافسة كبيرة في اسواقها المحلية والخارجية, ومن ثم فان مستقبل العديد من المصانع بات مهددا بالاغلاق نظرا للخسائر التي من الممكن ان يتحملها اصحابها نتيجة المنافسة الشرسة من دول الغرب. كل ذلك سيؤدي في نهايته الى ارتفاع معدلات البطالة وما يترتب على ذلك من مشاكل سبق الحديث عنها. ولتبدأ الدول العربية في اعادة ترتيب اوراقها واعادة كافة الخطوات التي قطعتها من قبل ... ونحن في غنى عن كل تلك المشاكل اذا ايقن العرب ضرورة العمل الجماعي لمواجهة الخطر الغربي القادم, فبقليل من التنسيق بين اسواق العمالة في الدول العربية يمكن توزيع الخريطة العمالية للدول المعنية, بحيث يتم سد العجز بكافة القطاعات الانتاجية, فضلا عن ان التحرك الجماعي سيخلق نوعا جديدا من التفاهم بين الدول, ومن ثم امكانية الاتجاه نحو المشروعات المشتركة الفخمة التي توفر فرص عمل جديدة في المنطقة, وقد تكون (السوق المشتركة) مجالا رحبا لتحقيق هذا الهدف. القاهرة ــ أحمد صفي الدين