منذ ما يزيد قليلا على العام.. وبالتحديد في مايو ,1998 قدرت هيئة الاستثمارات البترولية العربية (أبيكورب) أن الاستثمارات الرأسمالية المطلوبة لتمويل مشروعات الغاز قيد التنفيذ أو المخططة في العالم العربي خلال الفترة بين العام 1998 والعام 2003 قدرتها بنحو 3,17 مليار دولار. واليوم, تشير التوقعات إلى أن ما يزيد على 30 مليار دولار سيتم ضخها في صناعة الغاز العربية من الآن وحتى العام 2005. وتعود هذه الزيادة الهائلة إلى بروز مشروعات جديدة, وخاصة تلك المتعلقة بتصدير الغاز الليبي إلى إيطاليا, وذلك بكلفة تقدر بنحو ثلاثة مليارات دولار, وكذلك مشروع دولفين للغاز, وهو المشروع الذي يقوم على تصدير الغاز من حقل الشمال القطري إلى عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وباكستان, وتقدر تكلفته بما يتراوح بين 8 و10 مليارات دولار. فضلا عن ذلك, ستكون هناك حاجة لما يزيد على خمسة مليارات دولار لتمويل مشروعات الغاز في العراق, وذلك بمجرد رفع الحظر. وانتشار مشروعات الغاز في العالم العربي يستهدف الأسواق التصديرية, أي أوروبا والشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا, وذلك إلى جانب الوفاء بالاحتياجات الداخلية بالمنطقة, وهي الاحتياجات التي تتنامى بسرعة شديدة. وخلال السنوات العشر الماضية, تضاعفت الصادرات العربية من الغاز بما يزيد على ثلاث مرات, حيث ارتفعت إلى 9,70 مليار متر مكعب من الغاز في العام 1998 مقابل 6,21 مليار متر مكعب في العام 1989. وقد قامت الجزائر وحدها بتصدير 4,52 مليار متر مكعب خلال العام الفائت. وفي ظل المشروعات الجديدة المقررة في منطقة شمالي أفريقيا والشرق الأوسط (وخاصة في قطر, عمان, اليمن) يتوقع للصادرات العربية من الغاز أن تتجاوز 100 مليار متر مكعب بحلول 2002 ـ 2003. كذلك, فإن تنمية الإنتاج بهدف الوفاء بالاحتياجات المحلية تتم بوتيرة أكثر تسارعا. فاستهلاك الغاز الطبيعي بالدول العربية حقق قفزة ضخمة من 09,1 مليون برميل يوميا من مكافئ النفط في العام 1985 إلى 56,2 مليون برميل من مكافئ النفط يوميا في العام ,1998 وهو العام الذي شكل فيه 4,41% من إجمالي الطاقة المستهلكة بالمنطقة. وتشير التوقعات الخاصة بالفترة حتى العام 2010 إلى أن إجمالي الطلب على الطاقة بالدول العربية مجتمعة سيرتفع إلى 57,8 ملايين برميل يوميا من مكافئ النفط, سيشكل الغاز الطبيعي منها 7,4 ملايين برميل من مكافئ النفط يوميا, وهو ما يعني أن الاستهلاك ينتظر له أن يتضاعف تقريبا خلال الفترة من 1998 إلى 2010. وسيعزى الجزء الأكبر من هذه الزيادة إلى الاستخدام المتنامي للغاز في مجال توليد الكهرباء, حيث أصبح الغاز هو الخيار الأفضل للاستخدام في محطات الطاقة وتحلية المياه. نتيجة لذلك, يتوقع لحجم الغاز المستهلك بواسطة محطات الطاقة أن ينمو خلال الفترة بين 1998 و2010 بمعدل زيادة سنوية تصل إلى 8,10% في منطقة الشرق الأوسط, وتنخفض النسبة إلى 6% في منطقة شمالي أفريقيا, وإن كانت هذه النسبة تظل أعلى من المتوسط العالمي والبالغ 5% سنويا. ويحفز الزيادة الحادة في الاستهلاك المحلي للغاز بالدول العربية التوسع الكبير في شبكات الغاز بهذه الدول, والتطوير الواضح لتجارة الغاز على المستوى الإقليمي, وهو ما نراه بين الجزائر وجيرانها في شمالي أفريقيا, وبين دول مجلس التعاون الخليجي, وعاجلا أو آجلا بين مصر ودول أخرى كثيرة بمنطقة الشرق الأوسط. وإذا ما حاولنا الوقوف على العوامل التي تقف وراء هذا الازدهار في مجال الغاز بالدول العربية فسنجدها عديدة, أولها تلك الوفرة الكبيرة للاحتياطيات المؤكدة من الغاز الطبيعي وتواصل سلسلة الاكتشافات. وعلى الرغم من أن الاحتياطي المؤكد للغاز بالمنطقة يقدر بنحو 33648 مليار متر مكعب, أي ما يتجاوز 22% من الاحتياطي المؤكد عالميا, إلا أن الإنتاج المسوق من الغاز الطبيعي لم يتعد 226 مليار متر مكعب من الغاز, أي 6,9% من الإجمالي العالمي العام الماضي. والعامل الثاني الرئيسي في هذا السياق هو التصميم الذي تبديه دول الشرق الأوسط وشمالي افريقيا لتطوير صادرات الغاز لديها وإحلال الغاز الطبيعي محل النفط كلما كان ذلك ممكنا في مجالات الاستهلاك الداخلي للطاقة. ومن الدلائل المهمـة لتلـك الاستراتيجيـة فتـح قطاع الغاز أمام الشركات المحلية والأجنبية من خلال الخصخصة وعقود الـ(بي أو تي) والـ(بي أو أو تي) , وكذا المشروعات المشتركة مع الشركات الدولية. * رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس