لو نظرنا الى قضية الاخلال بالثقة التي رفعتها وزارة العدل الامريكية ضد شركة مايكروسوفت من منظور اية دولة اخرى لبدت لنا دعوى سخيفة وهازلة ولو كانت لدى اية دولة في العالم شركة مثل مايكروسوفت التي استطاعت في غضون عقدين من تاريخ تأسيسها ان تسيطر على صناعة البرمجيات العالمية لكانت حرستها و صانتها وكأنها جوهرة التاج لديها. فشركة مايكروسوفت توفر عشرات الآلاف من فرص العمل عالية الاجور جدا وتصدر معظم انتاجها وبدلا من الاساءة اليها او محاولة تدميرها برفع دعوى اخلال بالثقة ضدها, كانت الحكومات الاخرى ستزور اداراتها للسؤال عما يمكن تقديمه لها من مساعدة لتصبح اكثر هيمنة وقوة. ولا يمكن فهم هذه القضية بمعزل عن فهم التاريخ الامريكي, ففي معظم دول العالم ظهرت الحكومات القوية قبل نشوء الشركات الرأسمالية الضخمة. وبالتالي لعبت الحكومات دور الاخ الكبير لمساعدة الشركات على النجاح, لكن الحال في الولايات المتحدة هو عكس ذلك اذ ان الشركات القوية ظهرت قبل الحكومات القوية بفترة طويلة جدا وبالتالي كانت تجاوزات هذه الشركات دافعا قويا لنشوء الحكومات ذات الصلاحيات الواسعة. وبالتالي لم يكن دور الحكومات هو مساعدة الشركات على النجاح, بل كانت الشرطي الذي يحمي المستهلكين. فغالبا ما كان المستهلكون يتعرضون للاستغلال من قبل الشركات الاحتكارية الكبيرة التي تفرض اسعارا مرتفعة. وفي اول قضية اخلال بالثقة شهدتها الولايات المتحدة قبل 100 عام من الآن, اتهمت شركة ستاندارد اويل النفطية برفع اسعار زيت المصابيج, وهو ما كان من ضرورات الحياة, فوق المعدلات التنافسية اي ان ذلك كان يخفض من معدل مستويات معيشة الفرد الامريكي لان تقاضي اسعار اكثر من اللازم على زيت الكاز يعني ان المواطن سيتبقى لديه مستوى دخل اقل لينفقه على السلع الاخرى. والنتيجة ان الحكومة قامت بتفكيك ستاندارد اويل الى 11 شركة مختلفة لمنعها من تقاضي اسعار مرتفعة جدا عن منتجها ذلك. عندما سئل رئيس الخبراء الاقتصاديين الحكوميين في المحكمة ليدلي بشهادته قال بأن ميكروسوفت لم تسبب اي ضرر لاي مستهلك, فالشركة لم ترفع اسعار انظمة التشغيل فوق المعدلات التنافسية, لكن التهمة التي توجه لميكروسوفت الآن هي التسبب في فقدان الشركات الاخرى لأعمالها. لكن محاولة تجريد الشركات الاخرى من اعمالها وسحب البساط من تحتها في السوق هي العمود الفقري للمنافسة الرأسمالية, فالكفاءة وخفض الاسعار هما صراع الموت والحياة الاقتصادي. اي اذا نجحت مايكروسوفت بكسب سوق برامج انظمة التشغيل للحواسب الشخصية من شركة آي بي إم فإن ذلك امر حسن وليس سيئا في اقتصاد السوق. وفي النهاية قد تثبت احدى الشركات انها المنتصرة في حروب اقتصاد السوق, لكن احدا لا يمكن له ان يطالب بايقاف الصراع التنافسي بزعم ان ظهور شركة فائزة في النهاية سيقود مستقبلا للاضرار بالمستهلك واذا ما قامت هذه الشركة مستقبلا باتخاذ خطوات نحو استغلال نجاحها لرفع الاسعار, حينها قد يكون من المناسب رفع دعوى الاخلال بالثقة. قضية ميكروسوفت تثير الاهتمام ايضا من جانب آخر, ففي عالم تسود به النمطية والتشابك على نطاق واسع, يصبح الجميع اكثر ميلا لشراء المنتج ذاته. ولنضع الفكرة ببساطة نقول بأن كلا منا سيكون من الانسب له لو كان الجميع يشتري من السلعة نفسها. هناك العديد من برامج تشغيل الحاسبات الشخصية متاحة أمام المستهلكين, وبعضها متوفر مجانا. اذا لم يمل اكثرنا لشراء ويندوز؟ هنالك ثلاثة اسباب: اولا المستهلكون يريدون التعامل مع بعضهم, وبالتالي لا يفضلون الانظمة غير المتوافقة مع بعضها كما انهم لا يحبذون تعلم اكثر من نظام تشغيل واحد اي ان احدنا مثلا يريد ان يذهب الى احد فنادق هونج كونج دون ان يشعر بالحاجة الى تعلم نظام جديد. وانظمة التشغيل ستصبح ارخص واكثر انتاجية اذا كان علينا ان نتعلم نظاما واحدا فقط. ذلك لان مبرمجي انظمة التشغيل التطبيقية لن يكونوا بحاجة الى كتابة عشر نسخ مختلفة او اكثر من برامجهم, فذلك مكلف. ايضا يميل المشتري إلى الحصول على نظام تشغيل قادر على ادارة معظم البرامج التطبيقية. وما يعطي ميكروسوفت حصة ضخمة من السوق ليس سلوكها التنافسي العدائي, بل رغبة المستهلكين بالحصول على نظام تشغيل واحد شائع. الذي يعنيه كل ذلك, هو أن ميكروسوفت اذا اختفت فسرعان ما ستظهر شركة جديدة لتصبح ميكروسوفت اخرى. اي اننا سرعان ما سننجذب الى نظام تشغيل شائع جديد, لان ذلك هو ما نحتاجه كلنا ونريده. طبعا تستطيع ميكروسوفت ان تستغل هذه الرغبة لدى جميع المستهلكين بفرض اسعار اعلى على نظام ويندوز والحصول على جزء اكبر من دخل المستهلك. وذلك يعني ان اي قرار محتمل لوزارة العدل يجب ان يركز على البحث عن الدلائل بأن ميكروسوفت تفعل ذلك فعلا. اما الدلائل التي تؤكد ان الشركات الاخرى تعاني الامرين من ميكروسوفت فلا علاقة لها ابدا بقضية الاخلال بالثقة.