رغم اختلاف ظروف نشأة البورصات العربية, ورغم التطورات العديدة التي شهدتها التجارب الخاصة بها وتباين البيئة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية لكل منها واختلافها من حيث تنظيمها ومدى انفتاحها على بعضها البعض وعلى الاسواق الخارجية, فإن لهذه البورصات خصائص مشتركة في كونها اسواقا مالية مازالت تفتقر الى عراقة التقاليد الاستثمارية الجيدة والرشيدة والقائمة على اسس مستقرة من التعامل في الاسواق, هذا الرأي في البورصات العربية يطرحه بصراحة ووضوح امين عام اتحاد البورصات العربية الدكتور (صعفق عبدالله الركيبي) من خلال ورقة عمل ودراسة حول (اسواق الاوراق المالية واهميتها ووظائفها) والتي يتناول فيها بشكل مفصل اوضاع الاسواق المالية العربية, والظروف والتحديات التي تواجهها, وامكانيات وآفاق التعاون بينها في ظل المتغيرات والمستجدات المطروحة على الساحة الاقليمية والدولية. ويستعرض د. الركيبي بايجاز الظروف التاريخية التي واجهت نشأة بعض الاسواق المالية العربية قائلا ان اسواق مصر ولبنان والمغرب انشئت مع نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي, ومرت بظروف مختلفة في تاريخها, اما بورصة تونس والاردن والكويت والبحرين فانشئت في النصف الثاني من هذا القرن ومرت بتجارب حديثة نسبيا اشهرها تجربة السوق الكويتي (المناخ) في منتصف الثمانينات. اما بورصات قطر والسودان وفلسطين فتعتبر احدث البورصات العربية. وتختلف هذه البورصات فيما بينها من حيث هيكلها وشكلها التنظيمي, وتندرج العلاقة في هيكلة هذه البورصات العربية بين القطاعين العام والخاص من استقلالية كاملة في ادارة السوق من قبل الشركات الاعضاء مثل ماهو موجود في المغرب وتونس والى حد ما في مصر والاردن, وهذه الدول استخدمت احدث التنظيمات عالميا لفصل مؤسسات سوق المال, حيث انشىء فيها هيئات او مجالس اسواق المال واسواق اوراق مالية ومؤسسات تقاص وتسوية, وهناك اسواق تدار بالاسلوب المشترك بين القطاعين العام والخاص مثل الكويت ولبنان والبحرين. نسب وأرقام ويقول د. الركيبي انه في المنطقة العربية توجد ثلاث عشرة بورصة في الدول السابق ذكرها مضافا اليها السعودية وسلطنة عمان, مع مراعاة ان مصر هي الدولة الوحيدة التي توجد فيها بورصتان في القاهرة والاسكندرية, وتسعى الامارات العربية المتحدة لفتح بورصتها قريبا, كما توجد جهود جادة لانشاء بورصات في اليمن والجزائر وسوريا. ويضيف بأن قيمة التداول في البورصات العربية مجتمعة في عام 1998 بلغ اكثر من 35.5 مليار دولار امريكي بزيادة قدرها 9.6% عن القيمة عام 1996, كما بلغت القيمة الرأسمالية للاسهم المتداولة في هذه البورصات عام 1998 حوالي 123 مليار دولار بزيادة نسبتها 14% مقارنة بعام 1996, ورغم هذه الارقام الكبيرة الا ان نشاط البورصات العربية يعتبر متواضعا جدا بالمقاييس الدولية اذا ما قارناه بالقيمة الرأسمالية للاسهم المتداولة في سوق مثل الولايات المتحدة الامريكية حيث تعادل نسبة اقل من 2% منها, وحتى بالنسبة لسوق مالية حديثة وصاعدة مثل المكسيك فان الاسواق المالية العربية كلها مجتمعة تعادل منها 85% فقط, وتمثل مجموع الشركات المسجلة في كل البورصات العربية حوالي 23% من اجمالي الشركات المسجلة في السوق المالي في الهند, وتشكل سوق المال السعودية النسبة الاكبر من نشاط الاسواق العربية حيث بلغت التداولات فيها في عام 1998 حوالي 37% من اجمالي التداول في الاسواق العربية, وتأتي بعدها البورصة المصرية وبعدها الكويتية. آفاق التعاون ويتحدث د. الركيبي عن آفاق التعاون بين اسواق المال العربية قائلا ان فترة التسعينات شهدت العديد من برامج التخصيص ضمن سياسات الاصلاح الاقتصادي في العديد من الدول العربية, وقد ادى هذا الى زيادة الاهتمام بتأسيس وتطوير اسواق تداول الاوراق المالية باعتبارها هي الالية المناسبة لتنفيذ معظم برامج الخصخصة, ويعد انشاء اتحاد البورصات وهيئات اسواق المال العربية تجسيدا واضحا لهذا الاهتمام, حيث يهدف الاتحاد الى تنسيق العمل بين اعضائه وتيسير تبادل المعونة والخبرة الفنية, والمساهمة في تنسيق وتوجيه القوانين والانظمة وتذليل الصعوبات التي تعترض الاستثمار العربي, وكذلك المساهمة في انشاء سوق مالية عربية موحدة يسهل تبادل الاوراق المالية العربية فيها, وفي هذا الاطار تسارعت جهود اتحاد البورصات العربية, والتي اثمرت من قبل تجربة الربط بين البورصات العربية في كل من مصر ولبنان والكويت بهدف تحقيق آلية افضل لتبادل الاوراق المالية بين هذه الدول, ومازالت الجهود مستمرة من خلال الاتحاد بهدف تمكين المستثمر العربي من تملك وتداول الاوراق المالية الصادرة والمسجلة في اي بورصة عربية اخرى وبأقل جهد. مواجهة التحديات ويؤكد د. الركيبي على انه لكي يتحقق الهدف النهائي من التعاون والترابط بين الاسواق المالية العربية فانه يلزم اولا ازالة المعوقات والعقبات التي تعترض هذا التعاون بين هذه الاسواق, والعمل على تطوير وانفتاح هذه الاسواق على بعضها البعض بما يؤمن امكانيات تعبئة المدخرات العربية وتوظيفها في اوجه الاستثمارات المختلفة, وهو الامر الذي بات ضروريا للغاية في ظل الازمات المالية والمستجدات الاقتصادية على الصعيدين العربي والعالمي. ويشير د. الركيبي الى ان الاندماج في النظام العالمي الجديد ومواجهة تحديات العولمة وازالة الحواجز امام تجارة السلع والخدمات يفرض على اسواقنا العربية العمل على التطوير حتى يتم التوصل الى سوق موحدة من خلال ربط البورصات العربية واقامة سوق مالية عربية مشتركة. كما اكد على ضرورة تطوير البنية المؤسسية لاسواق المال العربية واعادة هيكلتها وتذليل العقبات التي تواجهها بالتعاون العربي المشترك, وخلق ودعم المؤسسات وادوات التعامل الحديثة في اسواقنا العربية مثل صناديق رأس المال للمخاطر ومؤسسات ضمان وترويج الاكتتاب, وايضا التعاون في مجال تبادل الخبرات المستحدثة بين اسواق المال العربية وخاصة في مجال تنشيط الادوات المالية والاستثمارية الحديثة. كما اشار د. الركيبي الى ضرورة العمل على معالجة اوجه القصور التي تعاني منها اسواق الاوراق المالية العربية وتحد من امكانات تطوير وربط هذه الاسواق, سواء في مجال نقص المعلومات وعناصر الشفافية والافصاح المالي, واساليب ونظم الادارة المالية العاملة في اسواق رأس المال العربية وقصور الاطر القانونية والتنظيمية. توصيات ويختتم د. الركيبي بطرح مجموعة التوصيات الهامة التي يجب مراعاتها في انشاء وتطوير اسواق الاوراق المالية العربية, ومن اهم هذه التوصيات. اولا: تهيئة المناخ الملائم للاستثمار وتحسين الاوضاع والظروف التي تتم فيها العملية الاستثمارية من اجل تشجيع وجذب الاستثمارات, حيث انه ليس من المتصور نشأة وتطوير سوق للاوراق المالية في ظل اوضاع استثمارية غير مواتية وانغلاق السوق امام المستثمر الاجنبي. ثانيا: وضع نظام تداول آلي تنفذ من خلاله الصفقات, ووضع نظام للافصاح المالي والالتزام به. ثالثا: الزام شركات الوساطة بضمان الصفقات التي تتم من خلالها حتى لو اخفق عملاؤها. رابعا: العمل المستمر على تطوير واستكمال تنظيم الاطر القانونية والمؤسسية للاسواق المالية. خامسا: تفعيل أواصر التعاون بين اسواق المال العربية, والذي يتأكد من خلال دعم دور وجهود الاتحاد العام للبورصات العربية. كتب مغازي البدراوي