ذكرت دراسة اعدها الدكتور عبدالله محمد الشامسي الاستاذ المشارك في كلية الهندسة في جامعة الامارات وقدمت لمؤتمر الهندسة الخليجي وتحديات القرن الحادي والعشرين الذي عقد في دولة البحرين مؤخرا انه في ظل التغيرات الدولية المتسارعة على كافة الاصعدة المتمثلة سياسيا في النظام العالمي الجديد واقتصاديا في اتفاقيات الجات والتكتلات الاقتصادية الضخمة مثل الاتحاد الاوروبي، وبالرغم من التطورات الهائلة في مجال العلوم والتقنيات والاتصالات غربا وشرقا نبقى نحن في معظم دول العالم الثالث بصفة عامة ودول الخليج العربية بصفة خاصة في موقف المتفرج الذي لا يملك من الامر شيئا وخصوصا في مجال التقنيات والهندسة، والمتلقي الذي لا يساهم في تطور العلم والمعرفة، ان ابتعادنا عن المشاركة في صياغة الاحداث وغياب مساهماتنا الاصيلة ستكون له آثار سلبية واضحة على مستقبلنا، ان هذه المستجدات العصرية ستجعل من دورنا في السيطرة والتحكم على مهنة الهندسة في دولنا امرا في غاية الصعوبة وخصوصا عن التنافس مع مؤسسات ضخمة وعريقة استفادت كثيرا من خبرات طويلة ومساهمات بحثية وتقنية متراكمة عبر عشرات السنين. الواقع الهندسي الخليجي عند القاء نظرة سريعة على واقع العمل الهندسي في دول مجلس التعاون الخليجي نرى واقعا لا يمكن القبول به، فجمعياتنا ومؤسساتنا المهنية الهندسية ضعيفة او معدومة، ومهنة الهندسة يتم ممارستها في ظل غياب شبه كامل لمؤسسات عصرية تقوم بتأصيل العمل الهندسي من خلال تنظيم مهنة الهندسة باعتماد وتسجيل وتأهيل وتدريب المهندسين، والعمل على تطويرها بالمساهمة في التعليم الهندسي الحديث واعداد المواصفات ومتابعة تطبيقها وكذلك بالبحث العلمي والنشر السليم، كما ان مهنة الهندسة تواجه تحدياً كبيراً في مجال توطين المهنة ودخول المهندسين من ابناء مجلس التعاون في القطاع الخاص. اعداد المهندسين وجد الكاتب صعوبة في الحصول على احصائيات دقيقة عن عدد المهندسين العاملين في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا انه عند استعراض اعداد المهندسين التي تم الحصول عليها تبين ان هنالك في حدود 25000 مهندس من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي تعمل الغالبية العظمى منهم في القطاع العام »لا يدخل في هذا اعداد المهندسين في كل من دولة قطر او سلطنة عمان« وبالرغم من ان عدم توفر اعداد المهندسين غير السعوديين العاملين في المملكة العربية السعودية إلا انه لا يتوقع ان تصل نسبة التوطين في دول المجلس الى النصف 50%. الجمعيات الهندسية يوجد بدول مجلس التعاون الخليجي الجمعيات والمؤسسات الهندسية التالية: 1 ـــ جمعية المهندسين الاماراتية 2 ـــ جمعية المهندسين البحرينية 3 ــــ جمعية المهندسين الكويتية 4 ـــ اللجنة الاستشارية الهندسية السعودية 5 ـــ الملتقى الهندسي القطري ولم يتمكن الكاتب من الحصول على اسم الجمعية او المؤسسة التي تتبنى مهن الهندسة في كل من سلطنة عمان ودولة قطر، كما انه من الملاحظ مسميات العضوية مختلفة من جمعية لاخرى ومعايير العضوية متباينة ايضا، فهي في الامارات »طالب ومسجل ومنتسب وعامل« في حين انها في البحرين طالب ومنتسب وخريج وعضو وزميل. وبمقارنة عدد المهندسين المسجلين رسميا في هذه الجميعات باجمالي عدد المهندسين في هذه الدول تبين انها قليلة نسبيا، فعلى سبيل المثال يبلغ عدد اعضاء جمعية المهندسين الاماراتية من المواطنين 410 مهندسين »مرجع رقم 5« (33% تقريبا من اجمالي عدد المهندسين المواطنين في الدولة) ولا تتجاوز هذه النسبة 10% عندما يتعلق الامر بعدد الاعضاء المواطنين المسددين لاشتراكاتهم عام 1999. ومما يثير تساؤلاً أكبر حول تفاعل الجمهور مع هذه الجمعيات هو حضور 14 عضوا فقط لاجتماع الجمعية العمومية عام 1999 اما الارقام بالنسبة للجمعيات الاخرى في بقية دول المجلس فهي غير متوفرة بصورة واضحة. هذه الارقام تعكس حجم الازمة التي تعاني منها الجمعيات المهنية الهندسية الخليجية، وفي وقت يشترك العديد من المهندسين في دول المجلس في جمعيات هندسية اجنبية مسددين اشتراكات اكبر بكثير مما هو مطلوب لعضوية جمعياتنا، الجمعيات المهنية الهندسية الخليجية لا تزال غائبة او مغيبة عن اداء دورها المؤسسي بالرغم من ان واقع الحال يثبت ان هنالك علاقة وطيدة بين تطور وكفاءة المهنة من جهة وقوة الجمعيات المهنية الهندسية من جهة اخرى في شتى انحاء العالم. 2 ـــ التحديات التي تواجه مهنة الهندسة هناك العديد من التحديات التي تواجه مهنة الهندسة في دول مجلس التعاون الخليجي في ظل سياسات الانفتاح التي يعيشها العالم في هذه المرحلة، ومن هذه التحديات التالي: * تنظيم مهنة الهندسة ان سياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجتها العديد من دول المجلس في العقود الاخيرة بسبب الطفرة النفطية جعلت من هذه الدول قبلة لعشرات آلاف من المهندسين وغير المهندسين من مختلف العالم، وقد عمل هؤلاء القادمون من الخارج لسنوات عديدة في ظل غياب واضح للعديد من التشريعات والتنظيمات لمهنة الهندسة، واذا كان هذا الوضع مقبولا في بداية سنوات المهنة، فإن هذا الامر لا يمكن القبول به الآن، ومن هذه التشريعات والتنظيمات التالي: * التدقيق على الشهادات لا توجد حاليا هيئة مهنية هندسية تقوم بالتدقيق على الشهادات بصورة مقبولة وخصوصا عندما يتعلق الامر بالقطاع الخاص، ولهذا السبب عمل العديد من المهندسين في مجالات بعيدة عن مؤهلاتهم وتخصصاتهم، فهنالك المهندس المدني الذي يعمل في مجال الكهرباء، وهنالك الفني الميكانيكي الذي يعمل في مجال الاشراف على المباني هذا التداخل في شتى ميادين العمل الهندسي احدث مشاكل كثيرة، ونتج عنه هبوطا في كفاءة الاداء. * تسجيل وتأهيل وتدريب المهندسين تحتاج مهنة الهندسة الى جهد كبير في موضوع تأهيل وتسجيل المهندسين قبل ممارستهم لهذه المهنة ان قيام كل من حصل على مؤهل هندسي جامعي بممارسة مهنة الهندسة قبل تسجيله من قبل هيئة هندسية مؤهلة وفق معايير علمية واضحة ومحددة اثر على سمعة المهندسين وكفاءة الاداء، فعلي سبيل المثال يحتاج المهندس الخريج في الدول المتقدمة لعدد محدد من سنوات الخبرة يتبعها اختبار تأهيلي قبل ان يتم تسجيله كمهندس مؤهل يحق له ممارسة مهنة الهندسة بصورة كاملة وطبيعية. اما عندما يتعلق بالتدريب، فان الامر يكاد يكون معدوما في كل او معظم دول المجلس، فهنالك الكثير من المهندسين الذين مضى عليهم سنوات طويلة بلا تدريب في عصر يسميه الكثير بعصر المعلومات. وباستثناء بعض المبادرات الشخصية والمحدودة من قبل بعض المهتمين من اساتذة الجامعات بالاضافة الى المحاولات المحدودة من قبل الجمعيات المهنية الهندسية رغم كل الصعوبات التي تواجهها، فان نوعية وعدد الدورات التدريبية محدود ولا يتناسب مع معطيات العصر. ويعود السبب في ذلك الى غياب التشريعات الملزمة بالنسبة لهذا الموضوع الحيوي، مع العلم بان العديد من دول العالم تشترط هذا الامر قبل الشروع في اي نوع من الترقيات الادارية او المهنية. الكادر المالي: يهجر العديد من المهندسين مهنة الهندسة الى وظائف ادارية بعيدة عن تخصصاتهم الفنية التي تم تأهيلهم عليها، وعادة ما تعني الترقية بالنسبة للمهندسين هو التعيين او التكليف بمهام ادارية. هذا المفهوم الخاطىء للترقية سببه غياب كادر مالي يتناسب مع خبرة المهندس في جميع دول المجلس. ومن المحاولات الجادة التي حاولت التعامل مع هذه القضية هي ما اقترحته جمعية المهندسين الكويتية والذي تم نشره في مجلة المهندسين ( عدد رقم 59، يناير 1998) الصادرة عن جمعيتهم ( انظر الجدول رقم 3). هذا المقترح ( الذي أعرف مصيره الآن) يجعل من الممكن للمهندس الصعود في سلم الترقية ليصل الى اعلى حد ( من ناحية الامتيازات) يمكن ان يصل اليه اي اداري ألا وهو وكيل وزارة مع احتفاظه بمهنته التي تم تأهيله عليها. وبهذا يحافظ المهندس على مهنته ويستفيد المجتمع من خبراته المكتسبة عبر السنين دون حاجة المهندس للانتقال الى اي مجال آخر. تأهيل وتسجيل المكاتب الاستشارية يعمل في دولة الامارات وحدها اكثر من 800 مكتب استشاري (5) يعمل معظمها في ابوظبي ( 494 مكتباً) و دبي ( 255 مكتباً). هذه المكاتب تقوم باعمال متشابهة في شتى انحاء دولة الامارات. وبالرغم من مرور اكثر من 27 عاما على نشأة الدولة، الا ان معايير تسجيل المكاتب الهندسية يختلف من امارة الى اخرى. كما ان ما ينطبق على امارات دولة الامارات ينطبق ايضا على مستوى دول المجلس، فمعايير تسجيل المكاتب الهندسية في المملكة العربية السعودية تختلف عن تلك المتعامل معها في سلطنة عمان او دولة قطر. هذا الاختلاف في هذه المعايير تسببت في تفاوت واضح في مستوى الخدمات التي يتم تقديمها من قبل المكاتب المنتشرة في دول المجلس. النشر عند استعراض منشورات الجمعيات الهندسية في دول المجلس تبين انها منشورات محدودة لا تتعدى بالكاد منشورات المؤتمرات والندوات العلمية وبعض الادلة مثل دليل الاستشاريين او غيرها بالاضافة الى مجلات تصدر بصورة دورية غير منتظمة، وبالرغم من ان هنالك الكثير من مجالات النشر العلمي لقلة ماتم كتابته عن هذه المنطقة وبسبب النهضة الشاملة والكبيرة التي تتناول كافة مجالات الحياة، الا ان الاهتمام بالنشر العلمي لا يتناسب ابدا مع حجم هذه الحاجة. هذه الجمعيات مجتمعة لا تصدر مجلة علمية محكمة واحدة في اي من مجالات الهندسة، علاوة على هذا فان المجلات الصادرة عن الجمعيات المهنية في دول المجلس هي مجلات ذات طبيعة اخبارية عامة علاوة على كونها ضعيفة المحتوى والاخراج ومحدودة الانتشار، ولا تكاد تقرأ الا من قبل عدد محدود من المهندسين في الوقت الذي نرى فيه الكثير منهم يشتركون في مجلات اجنبية مختلفة اعلى ثمنا من مجلات جمعياتنا. وعندما يتعلق الامر بالكتب العلمية الهندسية او النشرات المتخصصة او المواصفات و المقاييس فان الامر يكاد يكون معدوما فالكتب الهندسية محدودة او معدومة والجمعيات الهندسية غير ممثلة في الجهات المكلفة باعداد ومتابعة تنفيذ المواصفات والمقاييس. التعليم الهندسي: تخرج جامعات دول مجلس التعاون الخليجي معظم المهندسين المواطنين في هذه الدول، وبالرغم من تشابه سوق العمل من حيث نوعية المشاريع والتشريعات التي تنظم العمل الهندسي، فان البرامج والخطط الدراسية في دول المجلس غير متناسقة، وهي غير ملتزمة بشروط محددة وقواعد اكاديمية واضحة تشمل الجميع. وباستثناء الاجتماع الشكلي لعمداء الهندسة في جامعات دول المجلس، فانه لايوجد اي نوع فاعل من التنسيق، ومما يثير الاستغراب هو قيام العديد من جامعات دول المجلس بعقد اتفاقيات مشتركة مع كثير من جامعات العالم في وقت لايوجد مثل هذه الاتفاقيات بين جامعات المنطقة، بل في احيان كثيرة لا يوجد مثل هذا التنسيق بين جامعات الدولة الواحدة. دور الجمعيات الهندسية تجاه هذه التحديات عند محاولة التعامل مع هذه التحديات بموضوعية بحتة فاننا يجب ان نأخذ بعين الاعتبار بعض المعطيات العلمية والاجتماعية والديموغرافية لدول المجلس منها: 1ـــــ دول المجلس في مجملها حديثة النشأة وحديثة التعليم نسبيا عند مقارنتها مع العديد من دول العالم الاخرى، كما انها جميعا في طور النمو السريع بالرغم من الازمات الاقتصادية التي تواجه هذه الدول بين حين وآخر. 2ــــ نسبة توطين مهنة الهندسة منخفضة، فهي 40% تقريبا في الكويت و 30% تقريبا في البحرين وفي حدود 3% تقريبا في الامارات. وبالرغم من عدم تمكن الكاتب من الحصول على احصائيات لبقية دول المجلس، الا ان الوضع لن يكون افضل حالا. 3ـــــ تعمل الغالبية العظمى من المهندسين من ابناء دول المجلس في القطاع الحكومي، فعلى سبيل المثال يعمل 82% من المهندسين في القطاع الحكومي، وفي الوقت ذاته تسيطر الكفاءات الوافدة على القطاع الخاص ( نسبة المهندسين الكويتيين من اجمالي المهندسين في القطاع الخاص لا تتجاوز 10%، وهي بكل تأكيد اقل من هذا بالنسبة للامارات ( عدد المتفرغين للعمل في القطاع الخاص لايتجاوز 30 مهندساً من اصل 1300 مهندس مواطن). 4ـــــ تعداد دول المجلس لايتجاوز الثلاثين مليونا. واستنادا الى ما تم التطرق اليه اعلاه فان الجمعيات الهندسية والجهات الاخرى المكلفة بتنظيم هذه المهنة الاستراتيجية مطالبة اليوم واكثر من اي وقت مضى باعادة النظر في سياساتها و اساليب عملها من اجل مواجهة المستقبل الذي لم يعد فيه مكان للصغار او الضعفاء، كما ان قيام كل دولة على حدة بتنظيم مهنة الهندسة في حدودها الجغرافية لن ينتج عنه الا تشرذم اكبر وازدواجية في العمل علاوة على تبديد الجهود في وقت نحن في امس الحاجة الى توحيدها. فمعظم دولنا صغيرة نسبيا، ولكن عند النظر الى دول المجلس بصورة شاملة فان عدد سكان دول المجلس يقارب عدد سكان استراليا ( من حيث عدد المواطنين) وكندا ( من حيث اجمالي عدد السكان)، انظر جدول رقم 6. وبالتالي فان اول خطوة يمكن لهذه الجمعيات ان تخطوها هي ايجاد الجهة التي من شأنها العمل على تطوير مهنة الهندسة مركزيا على مستوى دول المجلس، ويمكن تحقيق هذا بانشاء اتحاد لجمعيات دول المجلس يكون لها مقر دائم وامانة موحدة تعمل على: 1ـــ توحيد معايير ومسميات العضوية في مختلف الجمعيات في دول المجلس. هذا الاقتراح قد يتعارض مع بعض التشريعات في بعض الدول، الا انه امر يمكن تجاوزه بقليل من التنسيق. 2 ــــ استحداث اجراءات وتنظيمات لتسجيل المهندسين والمكاتب الاستشارية والسعي نحو توحيدها على مستوى دول المجلس. 3 ــــ المساهمة في توحيد المواصفات والمقاييس والتشريعات المتعلقة بمهنة الهندسة بدول المجلس. 4 ــــ دعم النشر العلمي وتوحيد اصدار المجلات الهندسية والعمل على اصدار مجلات متخصصة محكمة تعني بالشؤون الهندسية ذات العلاقة ببيئة دول المجلس مع احتفاظ كل جمعية بحقها في اصدار النشرات الاخبارية الخاصة بكل دولة، وعندما يستدعى الامر زيادة عدد المجلات فان هذا التوسع يمكن ان يكون فنيا حسب التخصص وليس ديموغرافيا أو إقليميا. 5 ــــ العمل بالتنسيق مع الجامعات في دول المجلس على توحيد متطلبات ومعايير التخرج في جميع الجامعات. 6 ــــ اقتراح كادر مالي مناسب يحقق الاستقرار في مهنة الهندسة ويشجع ابناء المنطقة على الالتحاق بهذه المهنة والسعي نحو تطبيقه. 7 ــــ ايجاد التشريعات المناسبة لتشجيع المهندسين المواطنين من اقتحام القطاع الخاص. إن الجمعيات الهندسية المهنية هي المرشح الوحيد للتعامل مع هذه التحديات والذي من شأنه تحديد أولويات العمل الهندسي في المرحلة المقبلة، هذه التحديات ستتطلب تبعات مالية وموافقات تنظيمية، ولكن إذا ما وجدت الارادة والمخلصين لتحقيقها، فإن كل الصعوبات سيتم تذليلها.