سيكون هذا آخر عمود لي أكتبه في صحيفة (البيان) , فسأغادر الخليج لأبدأ عملا جديدا في سويسرا. وشهدت خلال فترة عملي هنا التغيرات وحركات المد والجزر التي عكست الخير والسوء على الأعمال وأثرت على الاقتصاد المحلي. ومن المغري للمرء ان يضع ملاحظاته الأخيرة وهو يغادر, لكن ذلك ليس بالامكان دوما. لكني أقول بأنه قد بدت لي بعض التأثيرات التي تتناقض مع بعضها وتتنافر. وبمعنى ان الطريقة التي ستسوى عبرها هذه المتناقضات ستكون هي العامل الذي يحكم مسيرة الأعمال والتجارة في دبي ولذلك فهي تستحق الوقوف عندها, وكنت قد كتبت عن بعضها فيما سلف. أولى هذه المعطيات هي الجدل حول النوعية والسعر. وعلى الرغم من وجود بعض القوى المعاكسة, الا اني أرى السعر يهيمن على قطاعات رجال الأعمال وسيستمر في ذلك ما لم تشهد اقتصاديات العراق وايران انفتاحا كبيرا. وبرأيي فمن الضروري الآن تنوير رجال الأعمال والمستهلكين معا بالفوائد التي يجنيها المرء عندما يدفع قيمة ما يأخذ, اضافة لتنوير أصحاب الأعمال بأن العمالة منخفضة الأجر قد تعني الكثير من تراجع الربحية أكثر من عمالة مرتفعة الأجر في نفس الوظيفة. فالعمال الأكثر تأهيلا يكلفون أكثر لكنهم يقومون بعملهم على نحو أفضل, كما ان العمال الأكثر هناءة يعملون أكثر ويخدمون عملاءهم على نحو أنسب. نعم النوعية لها ثمنها, لكن تجنبها يعني شيئا واحدا ألا وهو الاقتصاد المزيف. أيضا تستمر المواجهة بين الانفتاح على العالم والعولمة وبين الرغبة في الحفاظ على الثقافة الاقليمية والموروث المحلي المبني على التقاليد والمعتقدات. وهذه الظاهرة لن تضمحل كما ان الغرب يعرفها ويعيشها مثلما هو الحال هنا. لكن لابد من الاعتراف بأن العولمة أمر لابد من الترحيب به وننفتح أمامه لأنه سيزيد من فرص أعمالنا وأرباحنا. يجب فتح الاقتصاديات المحلية على المنافسة, وهنا أتجرأ على المطالبة بجعل عطلة نهاية الاسبوع هي يوما الجمعة والسبت لاتاحة قدر أكبر من الانفتاح على العالم أمام الأعمال الاقليمية. وهذا القبول المتنامي بالعولمة ليس بالضرورة ان يكون في حالة صراع مع التقاليد والتراث هنا, فمن الممكن ان تكون لنا ثقافتنا وبنيتنا الاجتماعية واحترامنا لموروثنا الذي نشأنا عليه دون ان نغلق على أنفسنا الأبواب أمام بقية العالم. وأتذكر هنا انني دخلت في جدال مع بعض المواطنين هنا الشباب والمتقدمين في السن, وكان الشباب يقولون ان طرق الحياة القديمة أصبحت بالية وشعروا بأنهم أكثر ميلا نحو الغرب. وأتذكر انهم جلسوا معي وعلى رؤوسهم قبعات البيسبول وبدا مظهرهم وكأنهم أمريكيون أكثر منهم مواطنو الامارات. حينها أشار أحد المواطنين الكهول لملاحظة خطرت له وهي انه نفسه كانت تخطر له هذه الافكار, لكنه مع تقدمه في السن تحول الى الحياة التقليدية النمطية, وتنبأ بأن الجيل الأصغر منه سيفعل الأمر ذاته. ومن ناحيتي أتمنى ان يكون على صواب. ومع اقتراب الامارات العربية المتحدة من عام 2005 وهو الموعد النهائي الذي حدد لها لتحرير أسواقها من قبل منظمة التجارة العالمية, فإن هذه القضايا ستصبح أكثر حضورا وضغطا عليها وسيزيد هذ الجدال سخونة. لابد من الانفتاح والتسامح, كذلك لابد من تبني البلاد لثقافة النوعية والتميز في الأعمال التجارية. وأتمنى لكم التوفيق. نائب رئيس لويدز بنك