اقامة منطقة التجارة الحرة العربية, حلم ينتظره الكثير ان يتحول الى واقع خاصة وان اقامتها اصبح ضرورة نظراً لوجود كافة المقومات التي تساعد على انجاح وجودها كما ان اقامتها تعتبر خطوة مهمة وأساسية لاقامة السوق العربية المشتركة مستقبلاً .. ولكن يبقى السؤال هل لدى الدول العربية قاطبة العزم والارادة لتنفيذ هذا المشروع الحيوي؟ في هذا التحقيق نتلمس بعض جوانب هذا الموضوع. وفي بدايته نقول: لقد اصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية قراره رقم 1317 يوم 17 فبراير عام 97 بالموافقة على البرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بهدف الوصول الى منطقة تجارة حرة عربية مشتركة.. وجاء ذلك القرار تنفيذا لقرار مؤتمر القمة العربي الذي عقد في القاهرة خلال شهر يونيو 1969 في هذا الشأن.. وفقاً لبرنامج عمل وجدول زمني يتم الاتفاق عليهما. وقد وضع برنامج العمل بحيث يبدأ التنفيذ في الاول من يناير عام 98 باعتماد الرسوم والضرائب الجمركية السارية في كل دولة عربية مع البدء في تخفيضها تدريجيا بنسب سنوية بواقع 10% على ان تزول كافة الرسوم والضرائب الجمركية بانتهاء عشر سنوات من تاريخ بدء التنفيذ. تحديات كبيرة ان انشاء منطقة تجارة عربية حرة مشتركة أصبح ضرورة ملحة في هذه المرحلة التي تواجه فيها الدول العربية تحديات كبيرة على المستويات الاقليمية والعالمية. ان جميع الدول العربية تواجه على المستوى الاقليمي ضغوطاً وتحديات خطيرة يمكن ان تؤدي الى تغيير الهوية العربية وتحطيم المعتقدات والثقافات والروابط ولا بديل امامها سوى ان تتحد فيما بينها. وعلى المستوى الدولي تمثل العولمة وتحرير التجارة العالمية تحدياً كبيراً يجعل من الضروري الاستعداد بازالة الحواجز والحدود بين الدول العربية بحيث تمثل كتلة اقليمية في مواجهة الكتل الأخرى المتمثلة في أوروبا وأمريكا وغيرهما. ولا شك ان جميع مقومات انشاء منطقة التجارة العربية الحرة المشتركة تتوافر في المنطقة العربية أكثر من أي منطقة أخرى في العالم. كما أنه لا شك أيضاً ان منطقة التجارة العربية الحرة المشتركة ليس الهدف النهائي وإنما هي خطوة أولى وأساسية لإقامة السوق العربية المشتركة التي تتوافر جميع مقوماتها هي الأخرى. والنجاح في إنشاء منطقة التجارة الحرة العربية يتوقف بصفة أساسية على توفر العزم لدى جميع الدول العربية على إنجاح هذا المشروع وقيامه قوياً متماسكاً. فهو الخط الأخير للدفاع الجماعي عن كل دولة من دول المنطقة ومصالحها في وجه التكتلات الاقتصادية التي تنتشر من حول هذه المنطقة. وكذلك يتوقف بشكل أساسي على قيام تبادل تجاري نشط بين الدول العربية بعضها البعض الآخر. وهذا التبادل التجاري يحتاج في المقام الأول إلى ربط الدول العربية فيما بينها داخليا وربطها كذلك فيما بينها خارجياً مع العالم بشبكة حديثة لنقل تجارتها تناسب متطلبات النظام الاقتصادي العالمي الجديد. قوانين عقيمة يقول سلطان أحمد بن سليم رئيس ومدير عام سلطة موانىء دبي والمنطقة الحرة بجبل علي التي تعتبر النموذج الأمثل للمناطق الحرة ليس فقط محليا أو اقليميا وانما اصبحت تحتل مكانة عالمية مرموقة, ان منطقة التجارة العربية الحرة المشتركة حلم نسعى جميعاً إلى تحقيقه. وهي ضرورة في ظل هذه التحديات وفي ظل العولمة والتطبيق الكامل لاتفاقيات تحرير التجارة العالمية (الجات) . وأوضح بن سليم ان بعض الدول العربية لديها قوانين عقيمة ولا تزال تفكر بطريقة لا تناسب ولا تستوعب المتغيرات العالمية ولا تزال تضع الحواجز والمعوقات في طريق التجارة البينية العربية وهذا هو السبب الرئيسي في تأخر قيام المنطقة العربية الحرة المشتركة. وأضاف ان هدفنا التكامل مع الدول العربية وهناك اتفاقيات جيدة في هذا الصدد لكن هناك ايضاً قوانين غير جيدة يجب تعديلها في بعض الدول العربية. ويجب على هذه الدول ان تدرك ان منظمة التجارة العالمية لن تفتح اسواق العالم امام بضائع الدول التي تغلق ابوابها في وجه البضائع العالمية, وعلى الدول العربية ان تبدأ من الآن تغيير هذه القوانين وان تضع جدولاً زمنياً لذلك وان تعتبر المناطق الحرة بها بداية وان تجرب التجارة الحرة من خلالها قبل ان تجبر على ذلك. واشار الى ان هناك دولاً عديدة في العالم بدأت توفيق اوضاعها مع المتغيرات العالمية واستطاعت تحقيق نجاحات كبيرة في هذا المجال مثل الهند والصين ايضاً خطت خطوات كبيرة. قوة اقتصادية ويقول الاستاذ الدكتور احمد عبدالمنصف محمود الاستاذ بالاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري الذي أعد دراسة حول منطقة التجارة العربية ان امكانيات الدول العربية المستغلة والكامنة تمثل قوة اقتصادية كبرى لو أحسن تجميعها في هذا المشروع الذي يمثل لهذه الدول المنفذ الوحيد للخروج من مأزق التخلف والضعف. ان هذه الامكانيات يمكن ان تجعل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى واحدة من أهم المناطق بالعالم وأقواها. وأوضح د. أحمد عبدالمنصف محمود ان من المبادىء الاساسية التي تقوم عليها الرأسمالية الجديدة مبدأ المنافسة الكاملة ومحاربة الاحتكارات بكل أنواعها مع محاولة القضاء على جميع العوائق الصناعية لانسياب التجارة العالمية. ولكن في ظل تكون التكتلات الاقتصادية الجغرافية الكبرى وسيطرة الشركات المتقدمة للقارات على النشاط الاقتصادي والتجاري في العالم تكونت احتكارات القلة وأصبح من الصعب بل من المستحيل على الدول النامية دخول الاسواق العالمية الا بشروط مجحفة لها خاصة وان الدول الصناعية تحتكر التكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي ورؤوس الأموال الطائلة. واضاف انه في ظل هذه الظاهرة ليس أمام الدول النامية والدول العربية خاصة سوى التكتل الاقتصادي في كيانات تجارية كبرى حتى تستطيع ان تكسب بعض القوة في التفاوض لدخول الاسواق العالمية ولإمكان الحصول على التكنولوجيا المتقدمة بشروط مقبولة لها. مناخ مناسب ومن حسن الطالع ان وضع العلاقات العربية حاليا من الناحية العملية أفضل مما كان عليه في السنوات الماضية. هذا ما يؤكده الدكتور عبدالرحمن السحيباني الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بالجامعة العربية. ويضيف في دراسة أخرى ان المناخ العام مهيأ الآن اكثر من أي وقت لمزيد من الترابط والاعتماد المتبادل. والمقصود بالمناخ هنا هو كل مكوناته المادية والتقنية والبشرية والادارية المؤثرة ايجابيا أو سلبياً. كما ان هناك آليات قائمة للعمل العربي الاقتصادي على المستوى القومي والثنائي منها آليات رسمية حكومية وشبه حكومية وقطاع خاص من اتحادات ومنتديات وما سواها. وهذه الآليات تتناول العلاقات الاقتصادية العربية إما بتوزيع الأدوار أو بالتوازي في مجال واحد كل حسب دوره. وذكر ان طريق السوق العربية المشتركة يمر بعدة مراحل أولها منطقة التجارة الحرة يليها الاتحاد الجمركي. وتحتاج كل من هذه المراحل إلى إجراءات وقرارات عديدة تتخذها الدول العربية تبنى على إتفاق بينها حول أسس وقواعد فنية معقدة. وان نقطة البدء الصحيحة في طريق تحقيق هدف السوق العربية المشتركة هو ادراك الفارق بين منطق التعاون الاقتصادي بين الدول ومنطق التكامل الاقتصادي بينها. فبينما يهدف منطق التعاون إلى تحقيق مصالح مشتركة بين الدول دون ان يترتب على ذلك المساس بأية مصلحة خاصة لاحدى الدول وتكون نتائجه محدودة لان منطق التكامل الاقتصادي بين الدول يؤدي إلى تحقيق مصالح تلك الدول على المدى المتوسط والبعيد. وقد يترتب عليه في إحدى مراحله أو خطواته ان تضحي دولة ما بمصلحة لها لفترة مؤقتة أو في مجال معين في مقابل تحقيق مصلحة اقتصادية شاملة لها بعد فترة زمنية أو من المنظور الاقتصادي الكلي. وتؤثر نتائج التكامل إيجابيا على تعزيز اقتصاديات الدول. 14 دولة ويؤكد عبدالرحمن السحيباني ان الدول العربية دخلت عهداً جديداً في عملية التكامل الاقتصادي فيما بينها بانضمامها الى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وبدأ تنفيذها منذ الأول من يناير 1998. وكانت استجابتها خلال السنة الأولى من التطبيق مرتفعة حيث بلغ عدد الدول العربية التي اعلنت عن اتخاذها لاجراءات التنفيذ أربع عشرة دولة عربية يزيد نصيبها من التجارة العربية الخارجية عن 90% ونسبتها من التجارة العربية البينية تصل الى حوالي 95% حسب احصاءات عام 1997. وتشكل مجموعة دول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (بافتا) سوقاً استهلاكية واسعة يزيد عدد سكانها على 174 مليون نسمة وبمتوسط دخل فردي حوالي ثلاثة آلاف دولار امريكي (1997) وقوة انتاجية يزيد ناتجها المحلي الاجمالي على 515 مليار دولار امريكي. كما تشكل تجارتها الخارجية الجزء الأساسي من التجارة العربي الخارجية والتجارة العربية البينية حيث تزيد قيمة صادراتها على 160 مليار دولار امريكي اي حوالي 90% من قيمة الصادرات العربية الاجمالية. وقيمة وارداتها حوالي 131 مليار دولار امريكي اي حوالي 91% من قيمة الواردات العربية الاجمالية (1997). وتسيطر مجموعة دول منطقة التجارة الحرة العربية المشتركة (بافتا) على حوالي 96% من الصادرات العربية البينية وحوالي 91% من الواردات العربية البينية. اما الدول العربية التي لم تبدأ بعد اجراءات التنفيذ فهي ثماني دول عربية منها سبع دول تمثل الدول العربية الأقل نموا حسب تعريف المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي وهي جيبوتي والسودان والصومال وفلسطين وجزر القمر وموريتانيا واليمن. وهي دول تحتاج الى وضع خاص لكي تتمكن من الانضمام الى منطقة التجارة الحرة العربية. اما الدولة الثامنة فهي الجزائر التي تمر في مرحلة إصلاح اقتصادي. هذا وقد أثمر التنفيذ عن تحقيق بعض الانجازات اهمها قيام الدول الاعضاء في (باتا) بابلاغ منافذها الجمركية باجراء التخفيض المتدرج بنسبة 10% من الرسوم والضرائب الجمركية والرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل. وقد تلقت الامانة العامة للجامعة العربية بالفعل صور اجراءات تبلغ المنافذ الجمركية في الدول العربية. وقد انشأت الامانة العامة للجامعة قاعدة معلومات جمركية تضم هياكل التعرفة الجمركية للدول العربية الاعضاء. وقد تم ادخال بيانات عشر دول عربية هي الامارات والاردن وتونس والبحرين والسعودية وعمان وقطر والكويت ومصر والمغرب. وقدمت الدول تعرفتها الجمركية وفق النظام المنسق عند مستوى ستة أرقام وبعضها عند مستوى عشرة أرقام وقد حرصت الأمانة العامة على تزويد كافة الدول العربية بنسخ من النظام المنسق باللغة العربية عند مستوى ستة أرقام لتسهيل تطبيق النظام المنسق لديها. 2237 مليار دولار الناتج المحلي العربي وتشير دراسة لمركز الدراسات العربية في لندن حول منطقة التجارة العربية الحرة الى ان المساحة الكلية للدول العربية تصل الى 14.2 مليون كيلو متر مربع بما يمثل 10.2% من مساحة العالم. ويبلغ عدد السكان 257.5 مليون نسمة وفقاً لاحصاءات عام 1996 بما يمثل 4.4% من سكان العالم. ويبلغ الناتج المحلي الاجمالي 2237.3 مليار دولار ويصل حجم التجارة من حيث الصادرات السلعية في نفس العام (96) حوالي 167.4 مليار دولار تشكل 3.2% من الصادرات العالمية وتبلغ قيمة الواردات السلعية 141.8 مليار دولار بنسبة 2.8% من الواردات العالمية. اما الصادرات العربية البينية فتبلغ 13.7 مليار دولار أي حوالي 9.3% فقط من اجمالي تجارتها الخارجية. تحقيق : عبدالفتاح فايد