يبدو أن كل ما يدور اليوم من أحاديث في الولايات المتحدة حول فوائض الميزانية وتخمتها البالغة وحول تمديد مظلة الرعاية الصحية يخفي وراءه قصة كبيرة فات على الصحافة ان تنتبه إليها وان تتناولها بعناية , وجرى اقصاء هذه القصة من ساحة النقاش والحديث السياسي كما أهملتها دوائر الفكر والتخطيط في واشنطن. وهذه القصة هي ذلك التحول البطئ من جانب الحكومة الفيدرالية والذي يدفعها لان تصبح وكالة لتقديم العون واعاشة المتقاعدين من الخدمة في أمريكا. فمع نهاية عام ,1998 تجاوزت المبالغ المخصصة للتأمين الاجتماعي والرعاية وأوجه الانفاق الأخرى على كبار السن من المواطنين, ثلث الميزانية الفيدرالية, وببلوغ عام 2020 فإن تكاليف رعاية المتقاعدين الذين ينتمون إلى جيل (طفرة المواليد) الأمريكان التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية (أي في الفترة من 1945 - ,1950 يمكنها أن تندفع إلى أعلى لتصل إلى نسبة 60% من جملة الميزانية. فهل يعتبر ذلك أمرا جيدا بالنسبة لنا؟ لا أحد يسأل مثل هذا السؤال. إنه لمن الصعب توجيه انتقادات للفوائض الضخمة التي حققتها الميزانية, ووفقا لآخر تقديرات البيت الأبيض, يمكن أن تصل في مجموعها إلى 9.5 تريليون دولار في خلال الخمسة عشر عاما المقبلة. ودعونا الآن لان نقوم بتعداد وحساب هذه العطايا والنعم. فالفوائض التي تكون أقل من تلك التي تحققت سوف تسمح بالوفاء الكامل للمكافآت والتعويضات التقاعدية (والتي وكما أعلنتها الحكومة الأمريكية بلغت حوالي 7.3 تريليون دولار). كما ان هذا الأمر سوف يهون من تكاليف المتقاعدين من جيل (طفرة المواليد) عن طريق الغاء 13% من أوجه الانفاق التي تذهب كفوائد للمدفوعات. ولكن يمكن لهذه الفوائد المقدرة والمحتملة نتيجة لهذه الفوائض التي تبدو واضحة وبادية للعيان, يمكن أن تحجب أنظارنا عن توقع كثير من المخاطر الممكنة الحدوث. فمن قبل خمس سنوات, كان الناس الذين يتنبأون الآن باستمرار حدوث هذه الفوائض المالية التي شهدناها في الميزانية, يتوقعون ان السنوات المقبلة ستكون سنوات لنقص ولعجوزات مستمرة في الميزانية. وكانوا بالطبع يقصدون (بالسنوات المقبلة) السنوات الخمس الماضية التي شهدت وفورات مستمرة على عكس ما كانوا يقدرون. ومنذ شهر فبراير الماضي قام البيت الأبيض برفع تقديراته للفوائض المتوقعة في خلال الخمس عشرة سنة المقبلة بقدر مذهل هو 1.1 تريليون دولار. فلقد كانت هناك تحولات صغيرة في الافتراضات الاقتصادية (على سبيل المثال: ارتفع النمو الاقتصادي إلى الأعلى تدريجيا لاعشار قليلة من نسبة مئوية وكان ذلك يحدث سنويا). وكل هذه الأشياء والانجازات يمكن الدفاع عنها. أما التأثير الهائل على الفوائض المتخيلة أو كما خطط لها فهو يؤكد رهافة هذه التجربة وعدم مقدرتها على الصمود. فهذه التنبؤات التي وضعت ما هي إلا تخيلات. ليس بسبب ان الناس الذين قاموا بها هم أناس غير أمناء أو أكفاء, وإنما بسبب ألا أحد يمكن أن يرى ويستشرف أبعاد المستقبل. ان الاسباب الأساسية التي جعلت الميزانية تتقلب من حالة لأخرى وتوجهت من ثم بشكل غير متوقع نحو تحقيق الفوائض, هي تلك الأسباب التي تكمن في ان الاقتصاد قد انصب أداؤه على التكهنات وان الضرائب على العائدات قد تجاوزت تقديراتها بحوالي 2% من الدخل القومي - والتي تتساوى الآن ومبلغ 170 مليار دولار في السنة. وكانت هذه من المفاجآت السارة. فإذا قامت هذه المفاجآت باحداث تحول في النظرة العامة المستقبلية للميزانية في خلال خمس سنوات مقبلة, فما هي المفاجآت (سارة كانت أم منغصة) التي سوف تتربص وتندس في مسيرة الميزانية عبر الخمس عشرة سنة المقبلة؟ لا أحد يدري. والمشكلة هي ان الرئيس كلينتون ومعه قادة الكونجرس يتعاملون مع هذه الفوائض المنظورة كما لو انها موجودة سلعا, أو بمعنى آخر كأنها أرصدة جاهزة في الخزانة تنتظر التوزيع. إن تأثير هذا الموقف المغري ينبغي أن يخفف الضغط لمواجهة تكلفة التقاعد لجيل طفرة المواليد الأمريكيين, والذي يعتبر مرجعا واحدا من أوجه المستقبل الذي نستطيع أن نستبعد حدوثه ونستعجل الانفاق عليه قبل حصولنا على أمواله. ففي عام 1998 كان هناك تسعة ملايين أمريكي تتراوح أعمارهم من 35-54 عاما. وإدارة الرئيس كلينتون نفسها تتصور في خططها الاقتصادية ان هذه الفئة من الأمريكيين سوف تكلف 60% تقريبا من أوجه الانفاق الفيدرالي عام 2020. وسوف تجعل هذه الفئة من الحكومة نظاما تحويليا ضخما للاستحقاقات المعاشية والتقاعدية. فالسكان العاملون تفرض عليهم الضرائب والدخل الذي تأتي به هذه الضرائب يتم منحه للمتقاعدين. إن تبرير هذا الواقع كان هو الاعتقاد والقناعة السائدة بأن معظم السكان كبار السن هم من الفقراء والضعفاء. ولكن, فإن الأمور الآن قد تغيرت منذ ان تم خلق نظام التأمين الاجتماعي (عام 1935) ونظام الرعاية الصحية (عام 1965). فالناس عادة يدخرون لمرحلة التقاعد. والكبار يعتبرون هم الأغنى من غيرهم. إن هذه التغييرات تطرح أسئلة وقضايا أخلاقية واجتماعية وسياسية عميقة وصعبة الفهم. ومنها إلى أي مدى يجب على المجتمع ان يفرض الضرائب على فئات الشباب العاملة (وأحيانا على الفئات الأكثر فقرا) من أجل اعانة الفئات الأكبر سنا (والذين هم أحيانا الأكثر ثراء)؟ وهل يجب أن نرفع من سن الأهلية والجدارة للتمتع بمظلة التأمين الاجتماعي ونظام الرعاية والتأمين الصحي؟ وهل يجب أن نخفض من الفواتير والامتيازات التي تعود على المتقاعدين الأكثر ثراء والتي يمنحها لهم نظام التأمين الاجتماعي والصحي؟ هل ستتمكن التكاليف المتنامية لبرامج التقاعد في الحكومة الامريكية من ان تسير قدما, رغم كل صعاب, للانفاق على البرامج الأخرى ذات الأهداف القومية للولايات المتحدة مثل (الدفاع, البحوث, التعليم)؟ فالرئيس كلينتون يتجاهل هذه الأسئلة. والحجج التي يتذرع بها (للحفاظ على التأمين الاجتماعي) و(الحفاظ على التأمين الصحي) تعني استمرار المحافظة على كل الفوائد والمزايا التي يجنيها المتقاعدون اليوم. إن هذه المبالغ التي ستخصص لكي تمنح للمتقاعدين من جيل (طفرة المواليد) وجعلهم يعيشون في حلل من الديباج والرياش ستكون على حساب معيشة أبنائهم. والاقتراح الخاص بتمديد مظلة التأمين الصحي لتغطي حتى قيمة الوصفات الدوائية يعتبر اضافة عادية على شاكلة ما هو سائد أصلا. وفي حالة قيامنا بالفصل بين الأمرين, فإنه يمكننا الاستدلال بمثال قوي على ذلك, نسبة لان حوالي 35% من كبار السن لا يملكون غطاء تأمينيا لشراء الأدوية يمكن أن يندرج ضمن ما تقدمه لهم خدمات التأمين الصحي الأخرى. ولكن لا توجد هناك حالة لامتياز دوائي دون أن يكون هناك حوارا كبيرا يعمل على كبح النمو لبرامج ميزانيات التقاعد الفيدرالية بشكل عام. وإذا ما أخذنا في الاعتبار كل ميزة ومنفعة لتلك الخطوة, فإنها ورغم ذلك ربما لا تحدث في وقت قريب. ولا يوجد هناك الآن صوت فعال يعبر عن وجهة نظر تختلف عما هو مطروح بصورة أساسية. فالجمهوريون يخشون من ان ينظر إليهم على انهم يقفون ضد المواطنين كبار السن, بينما تقوم الصحافة بالتركيز على المناوشات السياسية وعلى تفاصيل محتويات البرنامج. أما الدراسات التي تصدر عن مراكز الفكر ودوائر العلم عن التأمين الاجتماعي وعن التأمين الصحي فهي دراسات ذات صبغة فنية للغاية. ولذلك فإن النقاش المتصاعد حول فوائض الميزانية ليس هو النقاش الذي تحتاجه البلاد. وبتعبيرات أخرى نستطيع القول ان الاختلافات الموجودة بين البيت الأبيض وبين الجمهوريين هي أصغر مما تبدو لهم. فكلاهما سوف يكرس ويخصص كثيرا من هذه الفوائض لمكافآت وتعويضات الحكومة الفيدرالية للمتقاعدين. ولا غضاضة في ذلك. ولكن كلا الجانبين البيت الأبيض والجمهوريون يقدمون ويقترحون لحكوماتهم التزامات أخرى كبرى لكي تتم تغطيتها بما يتبقى من الميزانية والتي يمثل الجزء الأقل, وهذا يعتبر شيئا سيئا. فالجمهوريون يتحدثون عن تخفيف الضرائب حتى يبلغ مقدار هذا التخفيف تريليون دولار في ظرف عشر سنوات. أما كلينتون الديمقراطي فهو يقترح برامج كبرى كثيرة (وتكلف هذه البرامج وعلى مدى 15 عاما) 540 مليار دولار تحتاج إلى تمويل مثل برنامج (حسابات الادخار الشاملة) لكل الأمريكيين, وبرنامج آخر يكلف 543 مليار دولار لشراء مخزونات احتياطية عامة لنظام التأمين الاجتماعي, و156 مليار دولار لمجلس أمناء صندوق (الطفل والتعليم) . إن كل هذه الالتزامات ذات المدى الزمني الطويل سوف تظل متوقفة على الظن والاعتقاد بوجود الأموال الفائضة التي توقعها المخططون والسياسيون. فإذا لم تصبح فوائض الميزانية حقيقة ملموسة ومجسدة فإن هذه الالتزامات ستبقى تراوح مكانها. إن أفضل نتيجة يمكن تصورها من هذا الاستعراض هي الورطة بعينها واستحالة تجاوزها. فلا الرئيس كلينتون ولا الجمهوريون سوف ينال أي منهما الفوز في نهاية المطاف. ويمكن القول, علاوة على كل ذلك, ان الفوائض المحققة في الميزانية ربما تقلل الآن من الدين الفيدرالي بشكل مطمئن وهادئ, الشيء الذي يعتبر في الوقت الحاضر أفضل ما يرجى من هدف وغاية. (خدمة الواشنطن بوست)