يحق لجميع الدول المنتجة للنفط الاعراب عن سعادتها وارتياحها للتحسن الكبير فى اسعار النفط ولكن الاهم من ذلك هو المحافظة على ديمومة الاسعار عند معدلاتها المرتفعة وعدم انجرار بعض الدول المنتجة فى منظمة (اوبك) وخارجها بزيادة الانتاج للاستفادة فى الارتفاع الحالى فى الاسعار. هذه هى الرسالة الهامة التى وجهها معالى عبيد بن سيف الناصرى وزير النفط والثروة المعدنية للدول المنتجة فى حديثه لوكالة انباء الامارات. فهذه الرسالة بقدر ما تسجل عناصر وعوامل النجاح الذى حققته اوبك منذ اتفاقها الاخير فى مارس الماضى بتخفيض الانتاج والالتزام الكبير الذى ابدته الدول الاعضاء بحصصها الانتاجية فانها تحمل مؤشرات ايضا الى ان هذا النجاح قد يضيع من ايدى دول (اوبك) ان هى عادات تحت اغراء الاسعار المرتفعة الى تجاوز الحصص الانتاجية. ان هذه الرسالة تأخذ بعدها الواقعى من كونه عدداً مهماً فى الدول المنتجة فى داخل اوبك وخارجها لديها طاقات انتاجية عالية تزيد عن معدلاتها الانتاجية فى الوقت الراهن الامر الذى قد يغريها بزيادة انتاجها. وفى هذه الحالة يتعين على الدول الاعضاء فى اوبك ان تعرف ان اتفاق مارس الاخير يمتد لمدة عام كامل وان الاتفاق اذا اعطى نتائجه بشكل سريع ومبكر نتيجة عوامل عديدة ومجتمعة فان ذلك لا يعنى التحلل منه وانما يعنى ضرورة مزيد من الالتزام بالحصص الانتاجية لان الاتفاق حقق هدفه الذى عبر عنه معظم الوزراء بوصول سعر نفط (برنت) الى 18 دولارا للبرميل. كما يتعين ان يكون واضحا ان اتفاق مارس جاء نتيجة توافق سياسى على اعلى المستويات بين الدول الاعضاء فى اوبك وعدد من الدول المنتجة من خارج المنظمة ويفترض فى هذه الحالة ان تكون درجة الالتزام به عالية جدا كما هو الحال الان وان تكون مستمرة والا تنخفض تحت تأثير اغراء ارتفاع الاسعار. ويتعين الاشارة فى هذا المجال ايضا إلى أن ارتفاع الاسعار بقدر ما كان بشكل اساسى ناتج عن التزام دول (اوبك) بحصصها الانتاجية فان هناك عوامل اخرى بينها بشكل اساسى انخفاض المخزون الاستراتيجى وعوامل فنية اخرى ومن الطبيعى ان هذه العوامل مجتمعة تخضع الى ظروف وارادات اطراف اخرى خارجة عن منظمة (اوبك) والدول المتعاونة معها ولذلك تتأكد اهمية الالتزام بالحصص الانتاجية لمواجهة اى تغير سلبى فى هذه العوامل. ويتعين الاشارة ايضا الى ان تجاوز اسعار النفط حاجز 18 دولارا للبرميل من نوع (برنت) القياسى لا يعنى ان معدل الاسعار السنوى قد بلغ هذا المستوى بعد, فالتحسن بدأ منذ مارس الماضى وتدريجيا ولذلك فان بلوغ معدل الاسعار 18 دولارا مازال لم يتحقق بعد. هذه الاشارات تعتبر ضرورية رغم ان معظم دول (اوبك) تعرفها وتدركها جيدا ولكن التذكير بها مهم ومن هنا كانت مطالبة معالى وزير النفط والثروة المعدنية لمنتجى النفط مقاومة اغراء زيادة الانتاج من الارتفاع الحالى فى اسعار النفط. وتدرك هذه الدول ايضا كما اوضح معاليه انه ليس من مصلحتها استغلال التحسن الحالى فى سعر النفط بزيادة انتاجها فى هذه الفترة فهى تعرف جيدا ومن خلال التجارب القاسية لعدم الالتزام التى مرت بها فى الفترة الماضية ان التجاوزات الانتاجية ادت الى انهيار اسعار النفط الى ما دون 10 دولارات للبرميل وكلفت موازناتها خسائر باهظة تقدر باكثر من 45 مليار دولار عام 1998. ان هذه النظرة المتحفظة باتجاه حرص الدول المنتجة على عدم زيادة انتاجها يقابلها ايضا نظرة تفاؤلية بان المزيد من الالتزام بالحصص الانتاجية ولفترة قادمة يعنى بالضرورة ارتفاعا جديدا فى اسعار النفط. وقد اكد معالى وزير النفط والثروة المعدنية فى حديثه وان ارتفاع الاسعار امر وارد فى الربع الاخير من العام الحالى. وتستند هذه التوقعات التفاؤلية الى ارتفاع الطلب العالمى على النفط ابتداء من سبتمبر المقبل وهو امر محقق بسبب برودة الطقس وتقدر الدوائر النفطية العالمية ارتفاع الطلب فى الفصل الاخير من العام بحوالى مليونى برميل يوميا عن معدل الطلب السنوى العام وهذا يعنى فى ضوء استمرار التزام دول اوبك باتفاقها حتى مارس 2000 ارتفاعا كبيرا فى الاسعار. وتأخذ هذه الرؤية بعدا اكبر مع اعطاء الدوائر والتقارير النفطية العالمية ومنها تقرير وكالة الطاقة الدولية ان الدول الصناعية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية بدأت فى ضوء الارتفاع الكبير فى الطلب على البنزين بسبب النشاط السياسى وعمليات النقل بين الولايات الى سحب كميات من المخزون فى الربع الثانى من هذا العام وسيستمر السحب ايضا خلال الربع الثالث (يوليو حتى اغسطس) . ويقول خبراء النفط ان اللجوء للسحب من المخزون بمعدلات تصل الى حوالى مليون برميل يوميا خلال الربعين الثانى والثالث من العام امر لم تتعود الاسواق عليه لان هذين الفصلين يكونان عادة فرصة لبناء المخزونات الاستراتيجية وليس السحب منها. وقد نتجت هذه الحالة اساسا عن التزام دول (اوبك) فى انتاجها وستظهر نتائج هذا الالتزام بشكل اوضح فى الاشهر الاخيرة من هذا العام والاشهر الاولى من العام المقبل حيث سيبلغ معدل السحب من المخزونات درجات عالية ترفع معها اسعار النفط بشكل كبير. ان هذا الوضع الايجابى الكبير فى اسواق النفط والذى يضع دول (اوبك) والدول المنتجة الاخرى فى وضع مريح تعززه الدعوة الفنزويلية لعقد قمة للدول المنتجة. فقد مثل هذا المؤتمر كما عبر عن ذلك معالى وزير النفط والثروة المعدنية سيكون (بناء وايجابيا) وهو فى النهاية متروك لقادة الدول المنتجة لاتخاذ القرار المناسب. ولكن سيكون امام الوزراء فى اجتماعهم خلال شهر سبتمبر المقبل فى فيينا مسؤولية ادارية مهمة لاختيار امين عام جديد لمنظمة (اوبك) خلفا للدكتور ريلوانو لقمان الذى طلب اعفاءه من منصبه ليتفرغ لتولى منصب مهم فى بلده نيجيريا. ويأمل ان مسألة اختيار امين عام جديد للمنظمة بشكل سهل مستفيدة من الاجواء المريحة التى تمر بها دول اوبك نتيجة تحسن اسعار النفط وألا تشكل هذه المسألة (امرا طارئا) يعكر هذه الاجواء الاحتفالية التى لم تشهدها (اوبك) منذ فترة طويلة.