الهدوء الذي ساد الأسواق العالمية خلال الأشهر الستة الماضية, والنجاح النسبي للجهود المكثفة لمحاصرة الأزمة المالية في البرازيل لا يعني توقف الأزمات ولا غياب التهديدات بوقوع أزمات مالية حادة وكبيرة في المستقبل القريب, خاصة وان معدلات النمو الاقتصادي العالمي بلغت أدنى مستوياتها خلال الأربعين عاما الماضية منذ صيف العام الماضي وحتى الآن. والدولة المرشحة للأزمة المقبلة باجماع العديد من الخبراء الاقتصاديين هي الصين, وحسب توقعاتهم فإن الأزمة في هذه المرة لن تكون سهلة ولن تمر مثلما مرت بعض الأزمات الماضية في شرق آسيا وروسيا والبرازيل بدون أن تحدث آثارا على الأسواق العالمية تفوق في حجمها وتداعياتها أربعة أو خمسة أضعاف الأزمات السابقة مجتمعة. عدة أسباب ويرجع توقع حدوث الأزمة قريبا في الصين إلى أسباب عديدة منها تراجع معدلات النمو الاقتصادي في الصين للعام الثالث على التوالي رغم معدلات النمو المتزايدة منذ بداية الاصلاحات عام 1978 وحتى عام 1997 والتي زاد فيها النمو الاقتصادي وتضاعف فيها حجم التجارة الخارجية للصين 14 مرة, وبعد أن وصلت نسبة النمو عام 1996 إلى 7.9% انخفضت في عام 1998 إلى 6%, وحسب توقعات بنك التنمية الاسيوي فإن المعدلات سوف تستمر في الانخفاض في العامين المقبلين. وقد بلغت قيمة البضائع المكدسة في المخازن الصينية ما يزيد على 500 مليار دولار, وذلك في أعقاب الأزمات في دول جنوب شرق آسيا, والتي ترتب عليها اغراق السوق الصينية بالسلع الرخيصة من هذه الدول, كذلك تراجعت صادرات الصين بشكل كبير إلى هذه الدول, وتزايدت نسبة التضخم في الاقتصاد الصيني من 5% عام 1997 إلى 8% عام 1998. ويقول الخبير بمعهد بروكنجز بواشنطن نيكولاس لاردي ان مشكلة الشركات الحكومية الخاسرة في الصين تتفاقم خاصة وان الدولة تجبر البنوك الصينية الحكومية على دعم وتمويل هذه الشركات باستمرار, في الوقت الذي تمنعها من تمويل الشركات الخاصة التي تعتمد في الأساس على التمويل الذاتي والتسويق الخارجي, في حين تجبر الدولة المواطنين على ايداع مدخراتهم بالعملة الوطنية (اليوان) في البنوك الوطنية الحكومية, وهو الأمر الذي يهدد هذه المدخرات العملاقة في حالة انخفاض سعر العملة الوطنية أو في حالة التهديد بتعويمها مثلما حدث في روسيا. ويقول لاردي ان الشركات الحكومية الصينية والبالغ عددها 370 ألف شركة هي المسموح لها باستغلال القدر الأكبر من موارد الدولة ودعمها المالي, بينما القطاع التعاوني والخاص محروم من هذه الموارد, ويحقق عائداته فقط من التسويق الداخلي والخارجي, في نفس الوقت القطاع الخاص والأفراد ممنوعون من تحويل وارداتهم إلى العملات الأجنبية, وهو الأمر الذي يجعلهم مهددين دائما في حالة وقوع أزمة مالية. ولنفس الأسباب تحجم العديد من الاستثمارات الأجنبية عن التوجه إلى الأسواق الصينية, وتقتصر فقط على تصدير منتجاتها إليها. وفي الوقت الذي استطاعت فيه الصين جذب الاستثمارات الأجنبية بكميات كبيرة في الثمانينات والتسعينات بفضل السياسات الاصلاحية المتبعة في الاقتصاد, والتي بلغت معها الاستثمارات في الخمس سنوات الماضية حوالي 237 مليار دولار, بدأت هذه الاستثمارات في التراجع بشكل كبير في العام الماضي والجاري بسبب زيادة نسبة التضخم وتوالي الأزمات في الدول المجاورة, وتوقع هبوط العملة الوطنية (اليوان) , وسعي الحكومة للحد من تملك الأجانب للمشروعات, وبعد أن وصلت الاستثمارات اليابانية في الصين عام 1995 إلى ما يقرب من 5 مليارات دولار انخفضت في العام الماضي إلى 9.1 مليار دولار. وترتب على هذه الأمور كلها تفاقم الديون الداخلية والخارجية في الصين رغم كبر حجم السوق الصينية العملاقة وقدرتها التسويقية البالغة أكثر من 700 مليار دولار. وتصبح محصلة الاقتصاد الصيني في نهاية عام 1998 حسب الاحصاءات المعلنة كالتالي, ناتجا محليا حوالي تريليون دولار, في الوقت الذي تصل فيه موازنة الدولة مع تمويل الشركات الحكومية إلى 2.1 تريليون دولار, وديون تصل إلى حوالي 220 مليار دولار, مع استمرار في الاقتراض واستمرار في تمويل الشركات الخاسرة واستمرار في نمو معدلات التضخم والكساد الاقتصادي, لتكون النتيجة المتوقعة في المستقبل القريب كارثة اقتصادية تبدأ بانخفاض حاد في العملة الصينية الوطنية (اليوان) . ويجمع الخبراء على وصف الأزمة الصينية المقبلة بالكارثة نظرا للحجم العملاق للسوق الصينية ولتعاملاتها مع غالبية دول العالم, وخاصة الدول الكبرى وبالتحديد اليابان والولايات المتحدة الأمريكية, ويقدر الخبراء حجم الكارثة الاقتصادية في الصين بخمسة أضعاف الأزمة في جنوب شرق آسيا, وعشرة أضعاف الأزمة الروسية, وثلاثين ضعفا للأزمة البرازيلية. الأزمة والخليج ومما لا شك فيه ان الأزمة الصينية المتوقعة قريبا سوف يكون لها بالغ الأثر على الدول العربية وعلى منطقة الخليج بشكل أكبر, حيث تشكل تعاملات الصين التجارية مع هذه الدول الحجم الأكبر في التجارة الخارجية, ودولة مثل الامارات العربية المتحدة تشغل الصين في التجارة الخارجية معها المركز الأول أو الثاني على الأكثر بالتنافس مع الولايات المتحدة, بما فيها تجارة السلاح, هذا إلى جانب ان الصين من أكبر الدول المستوردة للطاقة, ومن أكثر الدول استيرادا للنفط والغاز من دول الخليج, وهذا يعني انه في حالة وقوع الأزمة في الصين, فإن أسعار النفط والغاز سوف تتعرض لانخفاضات حادة أكثر مما هي عليه الآن, كذلك فإن أسواق منطقة الخليج الذي تشغل فيها السلع والمنتجات الصينية حيزا كبيرا سوف تكون مهددة بتقلبات وفوضى في الأسعار سوف يكون لها تأثير كبير على عمليات اعادة التصدير من هذه البلاد وخاصة الامارات. ويبقى السؤال: هل هناك حل لتفادي وقوع الأزمة الاقتصادية في الصين؟ الخبراء يقولون ان الحل في رفع يد الدولة عن الشركات الوطنية الخاسرة وطرحها للبيع وعدم دعمها, وتعديل القوانين بالشكل الذي يسمح بحرية تداول العملات وتملك المستثمرين الوطنيين والأجانب للمشاريع العملاقة في الدولة, كما يرى الخبراء ضرورة فرض قيود وشروط حادة من قبل المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي على منح القروض والمساعدات المالية للصين, وأيضا تخلي الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية عن منح امتيازات اقتصادية خاصة للصين وخاصة (حق الدولة الأكثر رعاية) الممنوح من واشنطن للصين طيلة الأعوام الطويلة الماضية, والذي يعطي الحكومة الصينية ثقة أكبر ويجعلها تستمر بلا توقف ولا تردد في سياساتها الاقتصادية الحالية. ولكن هل يقبل العملاق الصيني العنيد كل هذه الشروط والاجراءات؟ سؤال يصعب الاجابة عنه قبل ظهور بوادر حقيقية وفعالة للأزمة في الصين.