وعلى المستوى العالمي, فإن التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي في الذكرى الـ 18 تتمثل في عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة العالمية والتكتلات الاقتصادية الكبرى . ان ابرز استجابة ممكنة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لهذه التحديات تكمن في اتخاذ مزيد من الخطوات لتعزيز تكتلها وتعاونها الاقتصادي, فلقد لاحظنا ان العديد من التكتلات الاقتصادية الاخرى ـ سواء كدول او كمجموعة ـ باتت تتصرف في علاقاتها الدولية على اساس انتمائها للتكتل, كما لاحظنا ايضا ان الدول الاوروبية تعلل عدم اقدامها على عقد اتفاقية التبادل التجاري الحر مع دول المجلس لكون هذه الدول لا تتمتع بسياسة موحدة في تعرفتها الجمركية كمايتمتع الاتحاد الاوروبي, والى حين تتبنى دول المجلس لسياسة واحدة في هذا المجال فإن الاتحاد الاوروبي لن ينظر بالجدية اللازمة لعقد هذه الاتفاقية. ان خريطة العلاقات الاقتصادية الراهنة بين دول المجلس والاتحاد الاوروبي تعتبر نموذجا للاختلالات الموجودة في علاقات دول المجلس مع بقية التكتلات العالمية والتي تفرض عليها اتخاذ خطوات حثيثة نحو تكتيل وتوحيد جهودها, فنحن لا ننكر اهمية الاسراع في اقرار مشروع التعرفة الجمركية الموحدة بين دول مجلس التعاون, إلا ان ذلك لا يبرر استمرار فرض قيود وضرائب جمركية مجحفة على الصادرات النفطية والبتروكيماوية الخليجية في الوقت الحاضر, بل ان دول اوروبا تقوم في الوقت الحاضر باعطاء العديد من الدول فرادى ومجموعات معاملات جمركية تفضيلية, وهذه الدول لاتمتلك نفس حجم المعاملات التجارية مع اوروبا. كما نلاحظ انه بالرغم من ان اجمالي عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي يبلغ 21 مليون نسمة, إلا انها تعد خامس اكبر سوق لصادرات الاتحاد الاوروبي , متفوقة في ذلك على الصين ودول اتحاد الكومنولث المستقلة ومجلس التعاون الخليجي هو الوحيد الذي يوفر للاتحاد الاوروبي فائضا تجاريا ثابتا, ومما يزيد من اهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لاوروبا هو ان النفط مازال يمثل اهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الاوروبي من الطاقة وهي 45%. كما ان موضوع تنمية الاستثمارات المشتركة والمتبادلة يكتسب اهمية كبيرة, ويمكن هنا ان تسجل نقطة ايجابية وهي ان الدول اعضاء الاتحاد الاوروبي تعد ثاني اهم مستثمر اجنبي في دول مجلس التعاون قبل اليابان وفي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة وعلى النقيض من الاستثمارات الامريكية والتي تتركز في قطاع واحد فقط هو قطاع البتروكيماويات فإن استثمارات دول الاتحاد الاوروبي تتميز بتنوعها حيث تمتد الى القطاعات الصناعية ومع ذلك فإن حجم الاستثمارات الاوروبية في الخليج لا يمثل سوى واحد في المائة فقط من الاستثمارات الاوروبية الدولية المباشرة, بالتالي فإن المطلوب اتخاذ خطوات هامة لاستقطاب وتنمية المزيد من الاستثمارات الاوروبية في المنطقة. ان مفهوم الشراكة الاقتصادية المتوازنة ينصرف الى اعطاء المصالح الاقتصادية للجانب الخليجي نفس الثقل والحجم المعطى حاليا للمصالح الاقتصادية للجانب الاوروبي, كما ينصرف الى ربط مصالح الجانبين معا, واللافت للنظر حقا انه على الرغم من حجم المشروعات الاوروبية في المنطقة, وكذلك المصالح الاوروبية الاقتصادية المشتركة فإن برامج التعويض الجزئي OFFSET التي ينفذها الجانب الاوروبي لا تضاهي برامج مماثلة تنفذها دول اوروبية اخرى في دول اخرى. كذلك فإن حصة السوق الاوروبي من الصادرات الصناعية الخليجية هي حصة محدودة اذا ما قورنت بحصة الاسواق الاوروبية والآسيوية. وهناك ايضا موضوع نقل التكنولوجيا حيث يبدو من الواضح ان الشوط الذي قطعته الاسواق الاسيوية في هذا المجال وخاصة فيما يتعلق باقامة شبكة من الصناعات التكنولوجية التي تمزج بين الخبرة التقنية ورأس المال الاوروبيين والموارد البشرية والخام والاسواق للدول الآسيوية قد وصل الى مراحل متقدمة, ويبرز على السطح حاليا جيل جديد من الصناعات وخاصة في مجال وسائط نقل المواد الطبية والتخصصية وشرائح معينة من اجهزة الاتصالات والمعلومات التي يمكن ان تعتمد على مواد خام متوفرة بأسعار رخيصة نسبيا في دول المنطقة, وهو ما يعني امكانية قيام صناعات ناجحة في هذه الحقول بالتعاون مع الخبرة التقنية الاوروبية مما يهيىء الى قيام تجربة او تجارب صناعية خليجية ـ اوروبية ـ مشابهة للتجارب الصناعية الاسيوية والاوروبية مع الاخذ بالاعتبار توفر اسواق لاستهلاك هذه المنتجات في دول المنطقة والدول المجاورة. ان مواطني دول المجلس في الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس المجلس يتطلعون نحو مزيد من الانجازات الجادة لدعم التكامل الاقتصادي وقيام الكيان الخليجي الموحد فالتكتل الاقتصادي هو الاستجابة الابرز لتحديات المرحلة المقبلة.