بعد مرور خمسين عاما على بدء وانتاج النفط في دول الخليج العربية, باتت هذه الصناعة تواجه بعض التحديات الخطيرة من بينها تزايد انتاج بعض الدول غير الاعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط(اوبك)وبرامج اعادة الهيكلة التي تنتهجها بعض شركات النفط العالمية وسياساتها الهادفة الى خفض التكاليف الانتاجية وظهور الغاز الطبيعي كبديل تنافسي وقوي للنفط . مستجدات جديدة كما طرأ على الساحة النفطية كثير من المستجدات توضح معظمها ان وضع منطقة الخليج لم يعد يتمتع بالسيادة في سوق النفط العالمية, وأبرز هذه المستجدات ان الجمهوريات التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق تتمتع بامكانيات كبيرة لانتاج الطاقة وتصديرها خاصة السنوات المقبلة والتي تستعيد فيها هذه الجمهوريات مكانتها كمصدر استراتيجي ينافس الدول الخليجية ومن الممكن ان يعود انتاج النفط السوفييتي الى الارتفاع بشكل كبير عندما ينخفض المعروض من الدول المنتجة خارج الاوبك مثل بريطانيا والنرويج وشمال آلاسكا. وهكذا تصبح منطقة الخليج معرضة لمواجهة تحديات خارجية بسبب المنافسة الخارجية على سوق النفط. وتجد دول الخليج نفسها ملزمة على التنسيق بين سياساتها لكي تحقق من ثروتها الناضبة ما يؤمن مستقبل شعوبها, وما هو ملاحظ ان التراجع الشديد الذي لحق بأسعار النفط منذ بداية العام الحالي بدأ أكثر فأكثر يثير القلق لدى الدول المصدرة للنفط وبشكل خاص لدى دول الخليج العربية التي ستهبط ايراداتها بنسبة تتراوح بين 20 و25% هذا العام نتيجة انخفاض الأسعار. فقد انخفضت أسعار سلة نفوط اوبك الى 3.12 دولارا للبرميل في المتوسط بعد ان شهدت ارتفاعا طفيفا في الأشهر الماضية وذلك مقابل 26.18 دولارا للبرميل في سبتمبر من العام الماضي و54.19 دولارا للبرميل في أكتوبر من العام المذكور. وهذا التراجع ــ طبقاً لدراسة نشرتها مؤخراً مجلة أخبار النفط والصناعة ــ لحق أيضا ببقية الخامات حيث انخفض سعر خام الزيت الى 75.12 دولارا للبرميل.. وقامت دول أوبك منذ مايو الماضي بخفض انتاجها مرتين بمعدل 6.2 مليون برميل يوميا, غير ان هذا الخفض لم يحترم بالكامل من قبل بعض الدول الاعضاء في المنظمة, وتقول وكالة الطاقة الدولية ان نسبة التزام دول أوبك بخفض الانتاج بلغت 83 في المائة. ونتيجة لعدم التزام بعض دول (أوبك), اعتبر ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ان المملكة ليست مستعدة للموافقة على استمرار عدم احترام بعض دول الاوبك لخفض الانتاج.. رغم ذلك عبرت وكالة الطاقة الدولية عن تشاؤمها بالنسبة الى انتعاش الاسعار في العام المقبل وذلك بسبب تقديراتها لتدني الطلب على النفط. وخفضت الوكالة في تقريرها تقديراتها للطلب العالمي على النفط في العام الجاري بواقع 400 ألف برميل يوميا الى 6.75 مليون برميل يوميا بمعدل نمو 550 ألف برميل يوميا. ويتفق معظم المحللين في شؤون النفط على ان الأسعار قد لاتشهد ارتفاعا ملموسا خلال السنتين المقبلتين لأسباب منها ما يتعلق بانتاج أوبك الفائض عن حاجة السوق ومنها ما يتعلق بضعف الطلب خصوصا في البلدان الآسيوية التي كانت قبل الازمة الاقتصادية والمالية الأخيرة من البلدان الأكثر استهلاكا للطاقة بعد الدول الصناعية نتيجة معدلات النمو التي كانت يشهدها اقتصاد هذه البلدان قبل الأزمة التي آلمت بها في صيف العام الماضي والتي أثرت في الوقت نفسه على العديد من الدول المجاورة وعلى الدول الصناعية نفسها. واذا كان هبوط الاسعار متوقعا في العام 1997 فإن الدخول في أزمة عميقة على صعيد فائض الانتاج منذ مطلع العام الحالي كان مثيرا للدهشة, فالاختلال العميق بين العرض والطلب على النفط الذي ظهر في مطلع العام يعود الى تضافر عوامل ظرفية تجمعت في نهاية عام 97 من هذه العوامل: صدمة العرض وصدمة الطلب.. من هذا المنطق تجد دول الخليج العربية نفسها مجبرة على التكيف مع هذه المستجدات المفاجئة وإلا فإن اسواقها تشهد تقلبات حادة قد تؤثر على بنياتها الاقتصادية الداخلية. آثار هبوط الاسعار * ما هي آثار هبوط اسعار النفط على الأسواق الخليجية؟ ــ ان الدول المستهلكة والدول المنتجة والشركات تحبذ أسعارا مرتفعة باعتدال أسعار النفط الخام تفاديا لحدوث أزمة ودفاعا عن استثمارات هائلة في مجال النفط وفي مجال البحث عن مصادر بديلة للطاقة ولضمان الاستقرار والنمو للدول المنتجة. والملاحظ ان الولايات المتحدة الأمريكية كقوة اقتصادية ونفطية ايضا ترغب دائما في أسعار مرتفعة للنفط الخام كونها البلد الأم لمعظم الشركات النفطية العالمية كما انها من الدول المنتجة للنفط ولذلك توجد فيها مجموعات ضاغطة لصالح السياسات التي من شأنها ان تؤدي لاسعار مرتفعة نسبيا. وبما ان السعر المرتفع يؤدي الى رفع مستوى الانتاج المحلي فإن ذلك يعني ان يتمتع الاقتصاد الأمريكي بميزة تنافسية بالمقارنة مع الدول الصناعية من ناحية الحاجة لاستيراد النفط بالأسعار العالمية, وتزداد هذه الميزة كلما ارتفعت أسعار النفط اضافة الى ان ارتفاع سعر النفط يؤدي الى زيادة واردات الدول المنتجة مما يوفر لديها فوائض مالية ضخمة سيتجه جزء منها لشراء المزيد من السلع الأجنبية. والواقع ان دول الخليج العربية هي أكثر الدول المتضررة من انخفاض أسعار النفط ومصلحتها أكيدة في أسعار مرتفعة تسمح بتنمية ايراداتها وانجاز مشروعات في بنيتها الأساسية وفي تمويل موازناتها العامة وتعارض دول الخليج العربية انهيار الأسعار لفترة طويلة حيث ان عدم الاستقرار في السوق النفطية بسبب دورة متسارعة من تذبذب الأسعار هبوطا وصعودا تؤدي الى فوضى في التوازن بين العرض والطلب في وقت لا تستطيع معظم الدول ان تتحمل أسعارا منخفضة لفترة طويلة وبعضها لا يقوى على تحملها لفترة طويلة وحتى لفترة قصيرة. ويرى العديد من خبراء النفط انه اذا استمر الوضع على ما هو عليه ستجد دول الخليج العربية نفسها ملزمة بمراجعة سياستها النفطية, وهذا ما توصلت اليه الدول الخليجية عند اجتماعها بأبوظبي واتفاقها على خفض انتاجها للمحافظة على استقرار الأسعار خاصة ان بعضا من هذه الدول تعاني ميزانيتها من عجز متواصل كالسعودية مثلا ــ حيث ميزان المدفوعات يعاني عجزا يقارب 01% من الناتج المحلي.. من هذا المنطلق نرى ان استمرار أسعار النفط ضد معدلاتها سيجعل الدول الخليجية مستقبلا أمام خيارين: واما تقليص الانفاق وذلك عن طريق تخفيض المعونات أو زيادة الايرادات عن طريق رفع الرسوم الجمركية ــ أو اللجوء الى الاقتراض لسد العجز في الميزانية ــ وهو أمر سيصبح محفوفا بالمخاطر لو استمرت أسعار النفط تتراجع وتتراوح حول سعر 15 دولارا للبرميل فحسب شركة ماكينزي وان السعودية على سبيل المثال قد تلجأ الى ما كان يعد سابقاً امرا غير قابل للتفكير فيه وهو فتح أنابيب النفط على مصراعيها وهو حسب ما تقول ماكينزي الايذان ببدء عهد النفط مقابل خمسة دولارات للبرميل اي ان الاستراتيجية التي قد تتبناها حول الخليج هي الانتاج بكامل الطاقة.. ان هذا الخيار سيؤدي بعد فترة قصيرة من فقدان العوائد الى تدفق نقدي قوي بعد ان يتم اخذ الحصص من السوق من تلك المناطق التي ترتفع فيها تكاليف الانتاج. ويعتقد المحللون ان نسبة المردود الحقيقي لدول الخليج العربية من استثمارات كهذة ستكون بحدود 13% وهذا أفضل بكثير من تكلفة الاقتراض لا العجز في الميزانية. المستثمرون الاجانب وعلى الرغم من ان دولة مثل الكويت قد بدأت بالفعل في مناقشة فتح آبارها النفطية للمستثمرين الأجانب ــ إلا ان السعودية لا تزال تتحفظ على ذلك وان كانت لا تمانع في الاستثمار في الغاز الطبيعي ولكن من الرابح والخاسر من انخفاض أسعار النفط؟ وان الخاسرين أكثر من الرابحين من انخفاض أسعار النفط. ويؤكد الدكتور (انس الحجي) استاذ اقتصاديات الطاقة في جامعة كولورادو وان الولايات المتحدة الأمريكية ستكون الخاسر الأكبر من معركة انخفاض أسعار النفط, وستؤدي السياسة الحالية الى نتائج عكسية ستؤدي الولايات المتحدة الأمريكية على المدى الطويل لأن انخفاض عائدات النفط أدى الى انخفاض في الصادرات الأمريكية لدول الخليج مما نتج عنه أن أكثر من 200 ألف موظف خسروا وظائفهم في مختلف القطاعات التي تعتمد على التصدير. ويجدر بدول الخليج ان تجاري الولايات المتحدة في سياسة الأسعار المنخفضة لتمنع توقف الاستثمارات خارج المنطقة كما ان عليها ان تفتح باب الاستثمار للشركات البترولية العالمية في مجال التنقيب واستخراج النفط كي لاتذهب الى مكان آخر, وهو الأمر الذي تتبعه المملكة العربية العسودية وفي تصريحات الأمير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية. ونعتقد أن بيان أبوظبي جاء لخلق توازن في السوق النفطية تحافظ من خلاله دول الخليج على مستوى معين من انتاجها, ومن المتوقع اذا ما واصلت الدول الخليجية تنفيذ السياسة التي انقضت عليها, ان ترتفع الأسعار مع نهاية عام ,2000 بعد ذلك فان على دول الخليج ان تحافظ على أسعار في حدود 16 ــ 18 دولارا للبرميل وستعمل جاهدة للحفاظ على ذلك المستوى كي لا تتكرر التجربة. تحديات تواجه صناعة النفط الخليجية ايرادات النفط في دول التعاون بالمليار دولار ايرادات النفط بدول مجلس التعاون الخليجي 1981 ــ 1998 (مليار دولار) المملكة العربية السعودية الامارات الكويت عُمان البحرين قطر المجموع لدول مجلس التعاون الخليجي 1981 111.5 18.3 14.2 4.4 3.9 5.5 157.8 1985 24.4 12.5 9.7 4.7 2.4 3.2 56.9 1990 39.4 15.3 5.5 4.4 0.7 2.8 68.1 1997 42.7 13.9 12.9 5.9 1.8 3.7 80.9 1998 30.0 9.8 9.1 4.4 1.3 2.9 57.5