على الرغم من تراجع الحديث عن السوق الشرق أوسطية ــ مع تراجع عملية السلام ازاء الصلف الاسرائيلي ــ فإننا لا نزال نشهد محاولات مستمرة من أجل فرض مشروعات وبرامج لا تخدم مصالح دول المنطقة وذلك تحت مسميات مختلفة مثل متطلبات العولمة والتكتل الاقتصادي والنظام الدولي الجديد وغيرها. ولاشك ان الكثير من الدول العربية قد وعت لهذه المحاولات, وهي تطالب حاليا بتسريع اقامة السوق العربية المشتركة كبديل لتلك المشروعات والبرامج. ان جهود اقامة السوق العربية المشتركة باتت تكتسب اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى. بل انها ترتقي في مستوى أهميتها إلى مستوى ما تواجهه الأقطار العربية من تحديات جسيمة. وعلى الرغم من ان هذه الأهمية تشمل جميع هذه الأقطار دون استثناء, الا ان اللافت للنظر, وعلى غير ما يبدو في الظاهرة هذه المرة, ان هذه الأهمية تزداد وتتضاعف عند الحديث عن الدول الخليجية العربية وذلك يعود إلى جملة من المعطيات والحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ان الحديث عن الدور المناط بدول المنطقة بظل النظام الاقتصادي الدولي الجديد غالبا ما يتم ربطه ــ بصورة أو بأخرى ــ بتدفق التمويلات الخليجية التي تسهم في اقامة مختلف المشروعات المطروحة في اطار تلك السوق. اننا نستذكر هنا موقف دولة الامارات العربية المتحدة والذي حذر بكل وضوح من هذه المسألة وعدم جدواها, بل وخطورتها الاقتصادية. فلا يوجد هناك ما يبرر قيام رؤوس الأموال الخليجية بتمويل مشروعات تنافس وتهدد الكثير من الصناعات التي أقامتها بنفسها في بلدانها. وعوضا عن ذلك فإنه بإمكان دول المنطقة ان تتبنى استراتيجية ناجحة تهدف إلى ربط تدفق تمويلاتها ومعوناتها التنموية في الأقطار العربية بموضوع تشجيع تصدير الكثير من السلع والخدمات المصنعة في بلدانها إلى هذه الأقطار. ان الأموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الأولى إلى هذه الأشكال لتخدم بصورة أكبر التوجهات التنموية الخليجية والعربية ومن ثم هدف اقامة سوق عربية مشتركة. وبهذا المعنى فإن التكامل الاقتصادي العربي وإقامة السوق العربية المشتركة يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية, وبالتالي أساسا حيويا لأمنها الاجتماعي على المدى البعيد.