خلال الأشهر الثلاثة الماضية أزاحت الحرب في كوسوفو مسألة رفع العقوبات المفروضة على العراق, بما في ذلك الحظر النفطي, بعيدا عن دائرة الضوء , ومعها الهجمات الجوية الأمريكية والبريطانية ضد مواقع عراقية. أما الآن وقد توقفت عمليات قصف الناتو ليوغسلافيا السابقة, وبدأت في الوقت نفسه مرحلة جديدة من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تشرف عليه الأمم المتحدة, فإن العراق أخذت تعود ثانية إلى بؤرة اهتمام رجال النفط والسياسة. ولأول مرة منذ نحو تسعة أعوام, تم تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن من جانب المملكة المتحدة وهولندا يحمل اقتراحا بفتح مسار ثالث لتصدير النفط العراقي, ربما عبر سوريا, والأهم من ذلك إمكانية السماح للشركات الأجنبية بدخول مجال الاستثمار في الصناعة النفطية مرة أخرى. والشرط الوحيد هو موافقة العراق على التعاون مع المفتشين لمدة أربعة أشهر في إطار نظام للمراقبة والتحقق الدائم بغرض التخلص من أسلحة الدمار الشامل. لكن ليس من المؤكد حتى الآن ما إذا كان العراق سيوافق على هذا الشرط كما هو أم لا, وإن كان الاقتراح البريطاني ـ الهولندي يحظى بمساندة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الأمن, بما في ذلك روسيا وفرنسا والصين. ومن العناصر المهمة في هذا السياق حقيقة أن الولايات المتحدة قد وافقت أخيرا على مناقشة الاقتراح المقدم من جانب حليفتها الرئيسية بريطانيا, بمشاركة هولندا. ويرى الكثير من المراقبين أن الوصول إلى حل وسط بخصوص المسألة العراقية يمكن أن يمثل وسيلة تتمكن بها واشنطن من تطبيع العلاقات مع بكين بعدما لحق من دمار بالسفارة الصينية في بلجراد أثناء حملة القصف على العاصمة اليوغسلافية من جانب الناتو. كذلك فإن هذا الحل ستتمكن من خلاله الإدارة الأمريكية أن ترد (المعروف) الذي أسدته إليها موسكو, التي شكلت مساندتها لها عنصرا فاعلا في التوصل إلى اتفاق بخصوص كوسوفو. وإذا ما حدث ذلك, فإن مسألة الرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على العراق, بما في ذلك عودة شركات النفط إلى الصناعة النفطية العراقية قد تكون محل بحث وتمحيص خلال الأشهر المقبلة. في الوقت نفسه, يواصل النفط العراقي تعزيز الإحساس بوجوده ودوره الملموس في السوق النفطية الدولية. فمع بلوغ متوسط الصادرات النفطية العراقية نحو مليوني برميل يوميا خلال المرحلة الخامسة من برنامج النفط مقابل الغذاء, وهي المرحلة التي انتهت في 24 مايو الماضي, تحتل العراق الآن المرتبة الرابعة بين أكبر مصدري النفط الأعضاء بالأوبك بعد المملكة العربية السعودية, إيران وفنزويلا. وخلال المرحلة السادسة من برنامج النفط مقابل الغذاء, وهي المرحلة التي بدأت مؤخرا, يمكن للعراق زيادة صادراته من النفط إلى 2.1 مليون أو 2.2 مليون برميل, اعتمادا على ما يحصل من تطورات بالنسبة إلى أسعار النفط في الأسواق العالمية. حيث يمكن للأسعار في الفترة المقبلة أن تقترب من مستوياتها في العام ,1989 وهو العام الذي يسبق غزو العراق للكويت, وما أعقب ذلك من أزمة في الخليج. وبالحديث عن العوائد, فإن 5.25 مليارات دولار, وهو المبلغ المسموح للعراق نظريا الحصول عليه من بيع نفطه خلال فترة ستة أشهر, و10.5 مليارات خلال عام كامل, هذا المبلغ الإجمالي يكافئ ما كان العراق يحصل عليه من عوائد سنوية خلال السنوات الأربع التي سبقت فرض الحظر عليه, لكن العوائد الفعلية التي حصل عليها العراق خلال فترة الأشهر الستة الأخيرة لم تتجاوز 4 مليارات دولار نظرا للقدرة المحدودة للبنية التحتية التصديرية للنفط العراقي. إن العراق ليس طرفا في الترتيبات التي تتفق عليها الأوبك بخصوص حصص الإنتاج, ولكنه عاد ليصبح لاعبا أساسيا في السوق. وستزيد صادراته في الفترة المقبلة مع تلقي بعض المعدات اللازمة لمرافق الإنتاج والنقل. كما أنها ستحصل على دفعة إضافية عندما يصبح بالإمكان فتح مسار ثالث للتصدير في ظل رفع تدريجي محتمل للحظر. رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس