ان دول المجلس ولكي تقوم برسم استراتيجية تصنيع عملية وفعالة يجب ان تجابه عدة تحديات بعضها محلية ربما تمتلك زمام تغييرها للافضل وبعضها خارجية يصعب التغلب عليها دون مرونة وتعاون خارجي خصوصا من الدول الصناعية التي تستورد نفط الخليج أو لها مصالح تجارية واستراتيجية في الخليج, ان احد التحديات الاساسية هنا هو الافتقار إلى قاعدة معلومات وبيانات واحصاءات عن مختلف القطاعات الاقتصادية بما فيها المعلومات عن العناصر والموارد الانتاجية المتاحة وبالخصوص الموارد البشرية والكفاءات الفنية والادارية الحالية والمستقبلية, وحجم البطالة وما هية المهارات الموجودة لدى القوى البشرية المتعطلة عن العمل ومصادر التعليم والتدريب القادرة على تطويع التعليم والتدريب للصناعة ومدى انسجام المعروض من العمالة والموارد البشرية مع المطلوب منها في سوق العمل في قطاع الصناعة, كما يفتقر المسؤول الخليجي إلى الاحصائيات والبيانات والدراسات والمؤشرات الاقتصادية حول الطلب المحلي والطلب العالمي على السلعة التي ينوي صناعتها وما هي القوانين والاعراف والمقاييس والمواصفات الدولية التي تحكم كل صناعة وماهي مصادر المواد الاولية وانسب الاسعار وما هي الاذواق والميول الاجنبية المتنوعة التي يتميز بها كل مجتمع وكل سوق من اسواق العالم لكل صناعة ولكل منتج ينوي انتاجه وتصديره؟, وفي الوقت الذي تتوافر قواعد ضخمة ومتنوعة وشفافة من المعلومات والبيانات للمستثمر والمصنع والمسؤول عن رسم الاستراتيجية الصناعية في الدول الصناعية فاننا نجد بادرة ملحوظة في غالبية الدول النامية تحد من قدرة المسؤول الصناعي على اعداد استراتيجية صحيحة مبنية على قاعدة بيانات متماسكة ومتجددة من المعلومات والاحصاءات. كما ان دول المنطقة تفتقر إلى استراتيجية عليا للتصنيع ترتبط باستراتيجية تنمية اقتصادية شاملة, فمن المحظورات هنا هو الوقوع في عدم الانسجام ما بين استراتيجية التنمية الصناعية واستراتيجية التنمية الاقتصادية (وخصوصا في اهداف ووسائل ومصادر الاستراتيجيتين) , أو مواجهة العقبات امام حركة التصنيع بسبب عدم وجود التمويل أو الافتقار للمواد الاولية أو مختلف اشكال الدعم الحكومي أو نتيجة انفراد البرنامج الصناعي أو السياسة الصناعية في خطة منعزلة عن اهداف السياسة الاقتصادية القومية أو عن واقع الوضع الاقتصادي العام, اذ ان مسألة السياسة الاقتصادية أو خطة التنمية الاقتصادية ليست من مهمات واضعي استراتيجية التنمية الصناعية لكنهم في الوقت ذاته يجب ان يراعوا اهمية رسم استراتيجية للتصنيع تصب في مجرى الخطة الاقتصادية العامة للبلد, كما ان كثيرا من البلدان النامية ــ بما فيها بلدان الخليج كانت ولفترة طويلة تفتقر إلى سياسات تنمية اقتصادية قومية شاملة بالشكل الاقتصادي العلمي المعروف تحدد مسارها الاقتصادي والتنموي وتثبت مكانها في الخريطة الانتاجية العالمية, ولهذا جاءت الهياكل الاقتصادية الخليجية منحرفة ومشوهة وقاصرة نتيجة تجاهلها اهمية التخطيط الاقتصادي واعتمادها على سلعة انتاجية قومية واحدة كالنفط, مما ادى إلى تصنيفها بين الساسة وعلماء الاقتصاد بتصنيف اقتصادات السلعة أو المورد الواحد التي تعتمد في انتاجها القومي وفق تحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية على شريان انتاجي رئيسي واحد, بعكس ما يدعو له المبدأ الاقتصادي المعروف: لا تضع بيضك في سلة واحدة, فلو سقطت السلة تكسر كل البيض. كما ان القطاع الخاص تجده في بعض الاحيان متلكئا في تبني المشاريع الصناعية خاصة المشاريع الصناعية الكبيرة لعدة اسباب منها محدودية خبرة وتجربة القطاع الخاص الخليجي في التصنيع الحديث وفي التسويق العالمي, اذ ان تجربة تجار الخليج حتى فترة الستينات كانت معظمها محصورة في التجارة والخدمات وفي نطاق الاسواق المحلية, ومما يزيد من تلكؤ القطاع الخاص الخليجي في الاستثمار الصناعي ايضا هو ان طبيعة الاستثمار الصناعي استثمار طويل الاجل, لا يحقق في الغالب ارباحا سريعة في الاجل القصير, كما ان قرارات نجاحه تعتمد إلى حد كبير على الدعم الحكومي, بعكس الحال في الاستثمار في التجارة والخدمات والمقاولات الانشائية التي تستطيع البقاء حتى في حالة انخفاض أو انعدام الدعم الحكومي, اضف لذلك ان حكومات المنطقة مازالت تهيمن على اقتصادات بلدانها بالرغم من دعوات المنظمات الدولية لتحرير الاقتصاد وتفعيل دور القطاع الخاص, مما اثر بشكل واضح في تلكؤ القطاع الخاص في الاستثمار في الصناعة, ولاشك ان استعادة ثقة القطاع الخاص تمثل عقبة وتحديا امام غالبية واضعي استراتيجيات التصنيع الخليجيين, فكيف يمكن رسم خطة صناعية قومية دون معرفة تجاوب المستثمر الصناعي؟ كما ان معظم الصناعات الاستراتيجية الخليجية تعتمد على اساليب وفنون وادوات ومعارض تكنولوجية ويمتلكها ويتحكم فيها الغرب بصورة رئيسية, بل ان كثيرا من الدول الصناعية تفرض قوانين وانظمة لحماية الملكية الفكرية على كثير من منتجاتها ومخترعاتها على حد حظر تصدير بعض المنتجات أو الحقوق أو التراخيص الصناعية إلى خارج اوطانها, ومع ان هذه العقبة بدأت تتفكك قليلا بسبب التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات وبسبب تطور فنون نقل التكنولوجيا بين بلدان العالم وبالخصوص السهولة النسبية في تنقل العقول والخبرات البشرية الا ان هذه العقبة مازالت تمثل هاجسا وتحديا امام واضعي السياسات الصناعية القومية في البلدان الخليجية, فهي عقبة تزيد حدتها أو تنقص اعتمادا على الحساسيات السياسية والايديولوجية والدينية والجغرافية والعرقية المفرطة وعلى نوعية التكنولوجيا المطلوبة وعلى نوعية العلاقة بين البلد المستورد والمصدر للتكنولوجيا, فبشكل عام مثلا نجد ان نقل تكنولوجيا صناعة معالجة المواد الغذائية والوجبات الجاهزة سهل نسبيا من خلال تراخيص التصنيع أو من خلال عقود حقوق الامتيازات بينما تزداد الصعوبة في نقل تكنولوجيا المنتجات العسكرية أو الامنية أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والكمبيوتر.