في الحقيقة ان المتتبع للاستراتيجيات التنموية التي يصيغها خبراء الأمم المتحدة على كافة الجهات العامة الحكومية يجدها جميعها تحمل نفس المواصفات والمقاييس مثل الطبيب الذي يكتب وصفة واحدة لجميع المرضى. وأنا في الحقيقة لا أبالغ في ذلك, بل أدعو القراء الى مراجعة تلك الاستراتيجيات والتي ترتكز جميعها الى سبع ركائز, هي: 1ــ تطوير النظام الاداري. 2ــ تطوير وتنمية القوى البشرية والادارية. 3ــ تطوير النظام المالي. 4ــ مصادر تمويل الخدمات. 5ــ تطوير التشريعات المالية والادارية. 6ــ تطوير نظام المعلومات والحاسب الآلي. 7ــ تطوير نظام التخطيط والاحصاء. وسوف يتم بيع هذه الوصفة التي لا تتغير ولا تتبدل الى كافة الجهات الحكومية التي تطلبها. أما عن خصوصية الجهة الطالبة فسوف يخصص لها زاوية خاصة قد تتناسب مع بعض احتياجاتها.. فمتى نصحو الى ما يجري حولنا؟ والحقيقة انني أردت هنا ان أركز على الجانب المالي على وجه الخصوص. فما أريد ان أركز عليه هو ان الخدمات الحكومية بشكل عام ومن ضمنها الخدمات الصحية أصبحت مرهقة للميزانيات العامة ليس فقط على مستوى الدولة, وإنما على مستوى كافة دول العالم وما أوردته الاستراتيجية من نقاط حول طرق ترشيد الانفاق أو ايجاد مصادر تمويل هو رؤية جيدة ولكنها غير كافية وسوف نورد بعض المقترحات الاضافية: 1ــ لم تتطرق الدراسة الى ما يسمى بنظام الشراء التأجيري, وهو نظام مطبق في الدول الصناعية بالنسبة للأجهزة الطبية عالية التكلفة, وهو نظام ناجح ويوزع التكلفة على المدى البعيد. 2ــ البنوك الاسلامية من الممكن جدا ان تلعب دورا بارزا في تمويل الخدمات الطبية سواء على مستوى القطاع العام أو على مستوى القطاع الخاص من خلال أدوات التمويل التي تمارسها مثل الاجارة والمرابحة والمشاركة المنتهية بالتمليك وغيرها. 3ــ لم تتطرق الدراسة الى شرح مفصل لكيفية ترشيد الانفاق في الوزارة ليس فقط على مستوى استخدام الادوية وإنما على كافة المستويات الفنية والادارية والتشخيصية والمخبرية. 4ــ ضرورة المركزية في العقود والمشتريات حتى لا تترك فجوة إدارية للفساد المالي والاداري ولقد لاحظنا قبل فترة ما حدث في قضية الدواء الفاسد والتي تمت اثارتها على مستوى المجلس الوطني ومجلس الوزراء نظرا لأهميتها البالغة. 5ــ وهناك نقطة غاية في الأهمية وهي ان الرسوم والايرادات المالية المشابهة لها لا يجوز حسب الاصول المالية والمحاسبية ان تنفقها الجهة نفسها التي حصلتها. بل يجب ان يتم توريدها الى وزارة المالية. والسبب في ذلك يرجع الى كون ان الميزانية العامة للدولة وفي طور اعدادها تفرق بين جانب الايرادات وجانب النفقات وذلك حتى لا يحدث فساد وفوضى مالية وإدارية حيث ان هناك جهات تقدم خدمات كبيرة وهامة للمجتمع مثل التربية والصحة ولكنها ليست جهات ايرادات. وهناك جهات لا تقدم خدمات هامة ولكنها جهات ايرادات مثل الجمارك مثلا. فلو تركت كل جهة بحسب ارادتها وهواها لحدثت فوضى مالية وإدارية. ومن هذا المنطلق فإن الوزارة أو أية جهة حكومية ترغب في ان يكون لها مصادر ايرادات أخرى فإن تلك المصادر يجب ان تكون غير الرسوم والضرائب وما شابهها لأن تلك الايرادات ايرادات عامة وليست خاصة بجهة محددة. وقد يكون ذلك عن طريق ايجاد قنوات استثمارية خاصة بالوزارة أو الجهة بيد انه في هذه الحالة يحتاج الأمر الى وجود جهة مالية ومحاسبية تقوم بإدارة تلك الاستثمارات خارج اطار الميزانية العامة للدولة وتغذية الوزارة بما يتحقق من أرباح, ولابد بالطبع من البحث عن قنوات استثمارية منخفضة المخاطر وان قل ربحها وذلك لأنه لا مجال للمخاطرة والخسارة.