يمكن القول كحقيقة اقتصادية ان دول الاقتصاد الريعي ـ كما هو الحال بالنسبة لدول المنطقة التي تعتمد على النفط ــ مطالبة بالاستثمار بمعدلات أكبر من الدول الأخرى وذلك من أجل تمكنها وعلى المدى البعيد من التعويض عن الايرادات في حالة نضوب او انتهاء المادة أو المواد التي تعتمد عليها, من هنا فان دول المنطقة مطالبة بالفعل بزيادة معدلات اعادة توظيف مواردها المالية في مختلف أوجه الاستثمار, ولاسيما الاستثمار الصناعي. ويلاحظ الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية ان الجهود الكبيرة التي بذلتها دول مجلس التعاون لزيادة حجم الاستثمار الصناعي نجحت في زيادة الاستثمارات الصناعية بمعدل 180% خلال العشر سنوات الماضية, لترتفع من 28 مليار دولار عام 1988 إلى أكثر من 80 مليار دولار عام 1998. كما زاد ناتج الصناعة التحويلية في دول مجلس التعاون من 13355 مليون دولار عام 1988 الى 25643 مليون دولار عام 1997. أما نصيب الصناعية التحويلية في الناتج المحلي الاجمالي فقد ازداد من أقل من 5% إلى أكثر من 10% خلال الأعوام السابقة. ولكن وعلى الرغم من الانجازات السابقة المهم فاننا نلاحظ ان معدلات النمو السنوي للاستثمارات الصناعية في دول المجلس قد انخفضت في السنوات الأخيرة, بعد ان سجلت ارتفاعا مميزا في بداية تلك الفترة, فبعد ان زاد معدل النمو السنوي من نحو 40% عام1989 إلى 35% عام 1994 انخفض بعد ذلك إلى 14% عام 1995 ثم إلى 4% عام 1998, ويعزى هذا الانخفاض في معدلات نمو الاستثمارات الصناعية إلى انخفاض أسعار وايرادات النفط ومشاكل الحروب التي عصفت بالمنطقة. ويؤكد الأمين العام لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية ان الاستثمارات الصناعية المطلوبة للمحافظة على معدلات النمو السابقة يجب ألا تقل عن 11 مليار دولار سنويا, وبحيث يصل مجموع الاستثمارات في قطاع الصناعات التحويلية, إلى نحو 134 مليار دولار عام 2005 ونحو 154 مليار دولار عام 2010, إلا أننا نعتقد ان تطوير استراتيجية صناعية سليمة تسهم في تعويض دول المنطقة عن نضوب النفط مستقبلا يجب الا يشمل تنمية الاستثمارات الصناعية فقط وانما مواجهة العديد من التحديات والمعطيات في هذا المجال. ان اهتمام دول المجلس بالصناعة يعود إلى سنوات طويلة وذلك انطلاقا من اهتمامها باللحاق والالتحام بمسيرة الحضارة والتنمية وتنويع مصادر الدخل القومي وانطلاقا من ايمانها بالدور الاستراتيجي للصناعة في تنمية اقتصادات بلدانها وازدهار أوطانها ورفعة شأنها في المجتمع الدولي وتحقيق الرفاهية لشعوبها. إلا ان كافة بلدان الخليج وجدت نفسها في بداية الأمر أمام عدة تحديات وتساؤلات مثل هل هي تملك بالفعل المعطيات والمقومات الأساسية للصناعة والتنمية الصناعية؟ وهل تمتلك الخبرة اللازمة للمضي قدما في مشروعاتها الصناعية؟ وهل تتخلى عن دورها التاريخي كاقتصادات نفطية؟ هل سيؤثر التصنيع على الصناعة النفطية والتجارة والزراعة والبيئة والمجتمع سلبا أم ايجاباً؟ هل تمتلك المواد الأولية المطلوبة لحركة التصنيع أو تتمكن من استيرادها دون عقبات أو تكلفات مرتفعة؟ هل لديها التكنولوجيا والادارة والموارد البشرية اللازمة للتصنيع؟ وإذا كانت تمتلك أهم مقومات الصناعة كالتمويل مثلا فمن أين تبدأ؟ وليس من قبيل المبالغة في القول ان معظم بلدان الخليج شأنها شأن كثير من البلدان النامية لم تمتلك في السابق الاجابة عن كل التساؤلات السابقة بالشكل المقبول, إذ ان كثيرا من بلدان الخليج افتقرت في بداية نهضتها النفطية الى اجهزة تخطيط مركزية واحصاءات وبيانات وقاعدة معلومات أو مراكز بحث وتطوير قادرة على بحث ودراسة الحجج والتبريرات المؤيدة أو الحجج والتبريرات المضادة لفكرة التصنيع, اضف إلى ذلك ان بلدان الخليج لم تكن تمتلك الادارات التنفيذية المتطورة ابان الأربعينات عندما اكتشف وانتج نفط الخليج, فقد كانت خبرتها محصورة فقط في مجال التجارة مع الشرق وبالذات مع شبه القارة الهندية. حسين محمد