تبذل الجهات الحكومية في الامارات العربية المتحدة حاليا جهودا كبيرة لتوطين الوظائف وزيادة عدد العمالة المواطنة في الدولة , وتعتبر هذه الجهود خطوة مهمة جدا بالنسبة لبلد مثل الامارات, حيث معظم المواطنين هم من الشباب وبالتالي فان البلاد ستشهد زيادة كبيرة فيمن هم بسن العمل على مدى السنوات القليلة المقبلة, وبدون التحرك الآن, فان البلاد ستقع تحت وطأ بطالة لايمكن التسامح بشأنها, كذلك فقد نفذت بعض الخطط المستقبلية الدقيقة فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي للموظفين المواطنين, وهذا ما سيساهم في تلبية المتطلبات التي ستواجهها الدولة مستقبلا. وعلى كل حال فهناك عدة مضامين مصاحبة للحاجة إلى توطين الوظائف, وتبدو هذه المضامين في وضعية تضارب مع كثير من ثقافة وتقاليد التجارة والاعمال في الامارات العربية المتحدة. وأحد هذه التوجهات الملحوظة بين رجال الأعمال المحليين والتي علقت عليها سابقا هي الميل الواضح للشركات لتبني الرأي القائل: (هل يقوم بعمل لا بأس به, لكن يجب ان يكون من السهل ان نتخلص منه لنحصل على بديل له أقل تكلفة) . في الاسبوع الماضي قدمت ملاحظاتي حول المكانة التنافسية لدبي باعتبارها منافسا منخفض التكاليف, وهذه هي بالتحديد الاستراتيجية التي تشجع مثل وجهة النظر التي ذكرتها, فالأسعار, تقليديا, كانت القاعدة الوحيدة التي تعتمد عليها معظم مقدرة البلاد التنافسية ولذلك لابد من ابقاء التكاليف ضمن أدنى حد ممكن لها. وبدون أدنى شك فان أي شركة قادرة على ان تجد موظفا وافدا بتكلفة أقل بكثير من الموظف المواطن, خصوصا إلى أخذنا بعين الاعتبار قضية الضمان الاجتماعي. ولذلك, إذا ما كان لسياسة توطين العمالة ان تنجح, يجب ان تشهد البلاد نقلة تأخذها بعيدا عن المنافسة على أساس السعر فقط, فالتكاليف سترتفع مع التوطين, لكن المنافسة العالمية ما زالت ممكنة حتى مع ارتفاع التكاليف كما تظهر ذلك معظم المدن المتطورة. وهناك شركات معينة في دبي تعتبر نماذج دقيقة كما يمكن فعله لنقل المنافسة بعيدا عن قضية السعر بحيث لا تصبح العامل المركزي لتميزها, وهذه الشركات استثمرت بالمقدمات المنطقية للنجاح وهي التدريب والسعي وراء اكتساب المزايا التنافسية اعتمادا لكفاءة في الخدمة والنوعية في المنتج والابتكار وما الى ذلك, ومن المثير حقا ان الموظفين في كل من هذه الشركات (حسب استطلاع بسيط أجريته مؤخرا) يبدون أكثر سعادة ولديهم المزيد من الدافع الذاتي عن غيرهم, وفي المقابل فان شركاتهم تدفع أجورا أعلى وتقدم مزايا اكثر كرما لكل موظفيها. وخلال عشرين عاماً من الآن, سيرى الجميع كيف ان هذه الشركات هي الأكثر وجودا وقوة على المستوى الداخلي والخارجي, كما ان غالبية الشركات التي تعتمد الاسعار فقط اساسا لمنافستها ستتحقق كيف ان هذا التفكير هو بالضبط أفضل وسيلة لهزيمة الذات. وأذكر قبل عامين من الآن اني تحدثت مع رجلي أعمال في دبي وتباحثنا في أمور التجارة مع روسيا, ولم يعترف أحد منهما بتقديم اعتمادات مصرفية لزبائنهم من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, لكن وبعد ذلك بستة أشهر كان العديد يقولون بأنه لم يكن لديهم أي خيار آخر إذا ما أرادوا البقاء بالسوق (باعتبار ان الآخرين كلهم يفعلون هذا الشيء) والاعتماد المصرفي هو بأي شكل من الاشكال ليس إلا خصما سعريا. وبعد فترة قصيرة على ذلك, أصبحت الحكمة وراء فتح اعتمادات مصرفية لهم أمرا مشكوكا فيه, والنتيجة ان المنافسة بالسعر ستصبح تدميرا ذاتيا عندما يتآكل هامش الربح إلى الصفر. نائب رئيس لويدز بنك