لاشك ان تطور تكنولوجيا البنوك تؤثر كثيرا في كمية النقود المتداولة (أي عرض النقود) وتؤثر كذلك بشكل كبير في الطلب على النقود, كما انها تؤثر على وسائل الدفع وأدوات الائتمان والمشتقات الائتمانية الحديثة وفي سرعة دورانها وسرعة انتقالها داخل الدولة الواحدة وبين الدول . كما ان التكنولوجيا ذاتها وبشكل خاص تكنولوجيا المعلومات تؤثر وتتأثر بما يطرأ على النظام المصرفي والادارة المصرفية والفلسفة المالية والاستثمارية والمحاسبية للمصارف من تغيرات. ان كل ذلك التطور الهائل الذي يشهده القطاع المصرفي في كل انحاء الدنيا والتغيرات الهيكلية التي طرأت عليه تبقى تغيرات في الانظمة والاجراءات. بيد ان فلسفة البنوك وأساس نظامها من حيث كونه مبنيا على التداين (أي اقراض طالبي النقود والاقتراض من عارضي النقود مقابل فوائد دائنة ومدينة) لم يطرأ عليه تغير ابدا وبقي من ثوابت النظام المصرفي العالمي. ومن هذا المنطلق تأتي حرمة الفوائد المصرفية من حيث كونها ربا القروض. فأساس النظام المصرفي هو ذات النظام الذي أشرنا اليه في بداية حديثنا, والودائع المصرفية ما زال المحاسبون والمتخصصون الذين تم ذكرهم يتعاملون معها على انها قروض من العملاء الى البنك والفوائد التي تدفع لها هي فوائد مدينة (التزام من البنك للعملاء) ليس لها علاقة بأرباح البنك أو خسائره (فهي تكاليف على البنك يدفعها طوال السنة المالية), في حين ان الفوائد على القروض هي فوائد دائنة (التزام من العملاء للبنك) ليس لها علاقة بأرباح العملاء أو خسائرهم (فهي تكاليف عليهم وإيرادات للبنك). والفارق بين الفوائد الدائنة والفوائد المدينة هي التي تشكل النسبة الأكبر من أرباح البنوك في الحساب الختامي للبنك. وبنظرة فاحصة نرى ان أسعار الفوائد على الودائع تزداد كلما كبر حجم الوديعة أو طالت مدتها. أي ان كبار العملاء يحصلون على اسعار فؤائد أكبر على ودائعهم مما يحصل عليه صغار العملاء, وهذا بحد ذاته يجسد صورة حية من صور الظلم البشري واستمرار سيطرة النظام الرأسمالي الذي يثبت ويرسخ الأنظمة الطبقية المبنية على أسس ومعايير مادية محضة. في حين نرى في جانب القروض ان اسعار الفوائد البنكية على القروض الكبيرة أو قروض كبار العملاء تكون اصغر منها على القروض الصغيرة أو قروض صغار العملاء. مما يعني ان صغار العملاء يدفعون فوائد أكبر على القروض مما يدفعه كبار العملاء. ولو تصورنا كيفية احتساب الفوائد المصرفية المركبة لتمكنا من ادراك حجم الظلم الذي يقع على تلك الطبقات فقيرة ومتوسطة الدخول التي تلجأ الى البنوك للاقتراض. وهذا يجسد لنا صورة حية اخرى من صور الظلم البشري واستمرار هيمنة النظام الرأسمالي. وفي ظل نظام كهذا, يزداد الغني غنى والفقير فقرا حتى تتسع الفجوة بينهما بشكل يصعب معه الاصلاح بعد ذلك وتتجسد اسس المجتمعات الرأسمالية الطبقية. فكيف نستطيع ان نقارن بين النظام الاسلامي السماوي الذي أنصف البشرية بعدل رب العالمين وحرم ربا القروض ووضع له البدائل المناسبة ونظام من صنع البشر بكل ما يكتنفه من قصور وعيوب. ان موضوع الفوائد المصرفية من وجهة نظرنا بحاجة الى تجديد مناقشته والبت فيه من قبل المجامع الفقهية باجتهاد جماعي يغلق بعد ذلك باب الاجتهادات الفردية مهما كانت المكانة الاجتماعية أو العلمية للأفراد المجتهدين. وذلك انطلاقا من المستجدات التكنولوجية في عالم المصارف بشكل خاص وفي عالم المال والأعمال بشكل عام. ولا أعتقد ان النظرة الاسلامية الى الفوائد المصرفية ستتغير في المستقبل القريب, الا اذا تمكن المصرفيون من تسخير التكنولوجيا للربط بين الفوائد المصرفية (الدائنة والمدينة) والأرباح كما تفعل البنوك الاسلامية وشركات الاستثمار اليوم. واذا حدث هذا فهو بلا شك سيشكل انجازا عظيما ونصرا كبيرا للبنوك الاسلامية لأنه هو ذاته لب النظام الذي تدعو اليه البنوك الاسلامية. وهذا امر غير مستبعد اطلاقا حيث ان الكثير الكثير من الاقتصاديين ورجال الاعمال ورجال الدولة في كثير من بلدان العالم غير الاسلامية يؤمنون بأن البديل الذي تطرحه البنوك الاسلامية هو الافضل والأنسب. وسوف تكون البنوك الاسلامية حينها فخورة جدا بذلك الانجاز العظيم. ان سيطرة النظام المصرفي الربوي الرأسمالي عالميا تنبع من تأقلم النظام الاقتصادي والنقدي والمصرفي العالمي معه واعتياده عليه وارتباطه فكريا وأكاديميا وتطبيقيا معه وعجز المسلمين عن ابراز اهمية النظام المصرفي الاسلامي بالصورة العصرية التطبيقية على مستوى العالم وبالسرعة التنافسية المطلوبة. أي بمعنى آخر انه من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن سيطرة النظام المصرفي الربوي عالميا نابع من ايمان عامة الناس وخاصتهم بأنه هو الأفضل والأنسب. ونحن نعتقد ان بامكاننا الدخول الى الدول الصناعية الكبرى, التي ترفض النظام المصرفي الاسلامي بحجة تعارضه مع انظمتها المصرفية, بشركات الاستثمار الاسلامية التي تتناسب وتتأقلم مع انظمتها المصرفية كخطوة أولية. حيث سيتم من خلال تلك الشركات ابراز أهمية المعاملات الاقتصادية الاسلامية ودورها. وقد يؤدي ذلك بخطوة لاحقة الى اقتناع تلك الدول بأهمية النظام المصرفي الاسلامي ودوره من خلال ما ستلاحظه من تطبيق في تلك الشركات الاستثمارية اذا كان التطبيق سليما وناجحا. د. محمد ابراهيم الرميثي