وتأسيسا على ما تقدم ذكره فان النقود في الاسلام ليست سلعة بحد ذاتها (اي انها ليست لها القدرة على اشباع حاجات الانسان بشكل مباشر كما ذكرنا) وان كانت النقود نقودا سلعية او معدنية فيجب ان نفرق بين طبيعتها السلعية وطبيعتها النقدية حين استخدامها اي اننا نعاملها من زاويتين مختلفتين بحسب طبيعة المعاملة ذاتها واهدافها وغاياتها ونوايا المتعاملين, فان كنا نتعامل بها كسلعة فلها احكام شرعية مختلفة وان كنا نتعامل بها كنقود فلها احكام شرعية اخرى لاشك ان النقود الورقية والودائع المصرفية (نقود الودائع) هي رأسمال نقدي (ثروة نقدية) ومن هذا المنطلق فهي اصل رأسمالي بيد ان هذا الاصل الرأسمالي هو الاصل الرأسمالي, الوحيد التام السيولة (اي ان درجة سيولته 100%) وهذه نقطة تمييز جوهرية لها اهميتها ودلالاتها في تحريم الفوائد المصرفية وانطلاقا من مفهوم نظرية الاستثمار الحديثة التي تؤمن بالتناسب الطردي بين درجة المخاطر المتوقعة في الاستثمار ودرجة الايرادات المتوقعة من الاستثمارات (اي ان الايرادات المتوقعة تزيد بزيادة المخاطر المتوقعة وتنقص بنقصانها) فان النقود السائلة المودعة في البنوك او التي يحتفظ بها الناس تكون درجة الخطر المتوقع عليها صفرا (عدا الاخطار العريضة الطارئة بالطبع والتي تقل بالطبع عن اخطار الاحتفاظ بالنقود في المنازل) وبالتالي فمن الطبيعي جدا ان يكون الايراد المتوقع عليها يساوي صفرا ايضا (لانها لو بقيت في المنزل سيكون الايراد عليها صفرا ايضا) . ولو دققنا بهذا المنطق نجده يتماثل تماما مع المنطق الاسلامي الذي يرى بأن رأس المال يجب ان يتم تحويله من رأسمال نقدي سائل الى رأسمال عيني سلعي اقل سيولة (اي ان درجة سيولته تنخفض) ويتحمل مخاطر الاستثمار لكي يستحق ان يشارك في الارباح اي ان عملية توظيف رأس المال النقدي السائل في المؤسسات المالية والنقدية بشكل قروض (وتحت مسمى ودائع مصرفية) دون تحمل صاحب رأس المال ادنى مخاطر الاستثمار لقاء ايرادات مالية (تسمى الفوائد المصرفية) هو ذاته عين ربا القروض ففي حين ان الاسلام يبيح تأجير جميع السلع النافعة غير الضارة (باستثناء ما ورد تحريمه بنصوص قطعية او ما اتفق العلماء على تحريمه بالطبع) فهو يحرم تأجير وحدة النقود ويعاملها معاملة خاصة لانها ذات طبيعة خاصة كما ذكرنا سواء كانت نقودا سلعية او معدنية او ورقية او ودائع مصرفية او غير ذلك. في الحقيقة يؤكد البعض على مسألة ثبات سعر الفائدة او تحديده من عدمه, وهي مسألة نحن نرى انها لا تغير من الموقف الاسلامي تجاه التعامل بالربا شيئا وذلك لان سعر الفائدة لا يتبع ارباح المصارف فيتغير بتغيرها بل ان هناك عوامل ومتغيرات اخرى تؤثر فيه, فسعر الفائدة على الودائع السائد في الاسواق المالية والنقدية في حقيقة الامر والواقع ليس سعرا واحدا ولا ثابتا, وانما هناك اسعار للفائدة تختلف بحسب مدة الودائع وآجالها واحجامها وانواع العملات وبحسب المكان والزمان وحسب بيئة الاعمال التي يتم فيها الايداع وطبيعة المؤسسات المالية والنقدية التي يتم التعامل معها, اما اسعار الفوائد على القروض فهي الاخرى تختلف وتتباين بحسب طبيعة القروض والغرض منها واحجامها ومدتها وطبيعة العملاء المقترضين ومراكزهم المالية والاجتماعية وبحسب المؤسسات المالية والنقدية التي تقدم القروض وحسب البينة الاقتصادية وبينة الاعمال التي يتم فيها الاقتراض. واسعار الفوائد تتأثر في الحقيقة بمرونة عالية بسعر الفائدة الذي يضعه البنك المركزي في اي دولة من الدول (وهو مايسمى بسعر الاساس او سعر الخصم) فهي ترتفع بارتفاعه وتنخفض بانخفاضه بيد ان تأثير سعر الخصم على اسعار الفوائد المصرفية لايقتصر على ذات البلد الذي تم فيه تغيير سعر الخصم وانما يمتد ليشمل الكثير من دول العالم الاخرى وذلك نظرا لتشابك المصالح الاقتصادية بين الدول وانفتاح دول العالم على بعضها البعض وتدويل النظام النقدي والمصرفي.