قلما يوجد سوق تجاري في العالم لا يتأثر بالأزمات الاقتصادية الموجودة في العديد من أسواق العالم والتي تصل تداعياتها إلى كل دول العالم, وفي دول الخليج تتأثر كافة الأسواق بالأزمات وبالركود العالمي بشكل نسبي , منها من يتأثر بها بشكل مباشر وبقوة ومنها أسواق تتأثر بها بشكل أقل قوة, وهناك أسواق يتصور البعض وحتى أصحابها أنها لا تتأثر بهذه الأزمات العالمية, وهذا تصور إلى حد ما غير صحيح لأن أي حركة شرائية وحركة أموال في أي مكان في العالم لابد وأن تتأثر بالأزمات الإقتصادية والمالية العالمية. ومن هذه الأسواق المثيرة لهذه التساؤلات (سوق الآلات الموسيقية الشرقية) التي تعتمد في إنتاجها على الصناعات اليدوية الحرفية التي يتولاها بعض الأفراد من خلال ورش خاصة تنتج كميات محدودة من هذه الآلات مثل, العود والقانون والبزق والجيتار الخشبي وآلات الإيقاع مثل الدفوف والطبل وآلات أخرى يدوية مثل النادي بمختلف أنواعه, وكلها تستخدم بشكل كبير في الموسيقى الشرقية التي تعتمد عليها في الأساس دون غيرها من الآلات الالكترونية الحديثة وقد لفت انتباهنا هذا السوق للآلات الموسيقية الشرقية خاصة بعد أن لاحظنا إنتشارها بشكل واضح في دول الخليج العربي, واقبال الشباب والكبار عليها ولهذا قررنا القيام بجولة في هذا السوق الفريد من نوعه للتعرف على إمكانياته وحركة التجارة فيه ومدى تأثره بحالات الركود العامة في الأسواق, ومدى ما يحقق من أرباح ودخول وما هي أهم مواسم الرواج فيه, ووصلنا من جولتنا إلى نتائج تختلف إلى حد كبير عما كنا نتوقعه من أن هذا السوق مثل غيره من الأسواق, واكتشفنا انه سوق تجاري رائج وكبير ولا يخضع للعديد من الظروف التي تخضع لها الأسواق الأخرى. سوق رائجة وكان لقاؤنا الأول مع صاحب ومدير (مركز عالم الفن للموسيقى) زياد عسلي الذي قال لنا أنه يعمل في سوق الآلات الموسيقية الشرقية في الإمارات منذ عشرين عاماً مضت, وكان يعمل في الأصل مدرس تربية موسيقية في سوريا, وهو أحد أفراد أسرة كلها من الموسيقيين, وقرروا تأسيس مركز عالم الفن والموسيقى للتجارة في الآلات الموسيقية الشرقية في دولة الامارات إلى جانب قيامهم بتدريب الأفراد على العزف على الآلات الموسيقية. ويقول زياد ان معروضاتهم من الآلات الشرقية تأتي من سوريا والبحرين ولبنان ومصر وتركيا, وأيضاً من العراق الذي يأتي منه (عود فاضل) وهو أشهر أنواع العود من إنتاج العراقي (محمد فاضل) وإلى جانب العود يعرض المركز للبيع آلات القانون والبزق والدفوف والطبول والناي ومن الانتاج الأجنبي يوجد آلة الكمان والتي تأتي من ألمانيا والصين واليابان وتشيكيا. ويشير زياد إلى أن سوق الآلات الموسيقية الشرقية الآن أفضل بكثير من زمان, وذلك بسبب الزيادة في الكثافة السكانية وزيادة الحفلات والأفراح وزيادة عدد الفرق الموسيقية وكثرة عدد أفرادها عن ذي قبل, ويمكن القول بأن سوق الآلات الموسيقية أصبح رائجاً بشكل دائم ولا يتأثر كثيراً بالأزمات الاقتصادية, وعلى عكس الأسواق الأخرى في الامارات فإن سوق الآلات الموسيقية الشرقية رائج طوال العام ماعدا في شهر رمضان, وفي الوقت الذي تركد فيه الأسواق هنا في الصيف يروج سوق الآلات الموسيقية نظراً لأن الشباب يدخلون العطلات الصيفية, وكثير منهم يحاول قضائها في تنمية مواهبه الموسيقية. المواطنون أولاً ويقول (زياد) الزبون الأول للآلات الموسيقية الشرقية مواطن من دولة الإمارات انه يهوى هذه الآلات ويفضلها على الآلات الغربية, ويدفع المواطن ثمناً كبيراً مقابل اقتناء الآلة الجيدة والأصيلة. وحول الأسعار يقول زياد أن آلة العود يتراوح ثمنها ما بين 300 إلى 4000 درهم حسب صنعة العود وجودته, وهناك أعواد قديمة وشهيرة مثل عود (فاضل العراقي) أشهر الأعواد في العالم, والذي يتعدى ثمنه 6000 درهم ويفضله كبار الموسيقيين, وبالنسبة للقانون الحلبي من سوريا, والكمان يتراوح ثمنه من 200 إلى 1500 درهم. وحول أفضلية السوق الآن عن ذي قبل يقول (زياد) كنا منذ عشر سنوات نبيع حوالي 400 عود مثلاً في عام كامل والآن نبيع حوالي ألفي عود في العام, هذا على الرغم من كثرة المحلات الآن عن زمان بكثير, ولكن الحياة تطورت والأعواد زادت والإقبال على تعلم الموسيقى الشرقية زاد من الجنسين ومن مختلف الأعمار, وكذلك تعليم الموسيقى في المدارس ساعد على رواج سوق الآلات الموسيقية الشرقية, ونحن نبيع كميات معقولة سنويا للمدارس وقد بعنا مؤخراً لإحدى المدارس الحكومية عدداً من آلات العود والكمان والقانون, وتجارة الآلات الشرقية الموسيقية يحتكرها في الأساس العرب وهم أصحاب السمعة العالية فيها, ورغم هذا أحيانا نبيع آلات شرقية لأجانب, وكان الروس يشترون منا آلات موسيقية شرقية بأعداد كبيرة. البحرين فقط ويشير زياد إلى ان صناعة الآلات الموسيقية الشرقية لا توجد في الخليج سوى في البحرين, ويتولاها هناك العراقيون, وأسواق الخليج في الآلات الشرقية أكثر منها في الآلات الغربية, الالكترونية, وذلك راجع للمزاج العام في الموسيقى لدى المواطنين هنا والذين يفضلون الموسيقى الشرقية على غيرها. وأضاف قائلاً ان أرباح سوق الآلات الموسيقية الشرقية في دولة الإمارات تتراوح ما بين 20% و30%, ورغم قلتها عن بعض السلع الأخرى إلا أنها أفضل لأنها مستمرة طوال العام ولا تتعرض لهزات ولا لتقلبات, ولا تتأثر بالأزمات العالمية ومن مركز عالم الفن والموسيقى يقول (حسام عزت عسلي) عندنا في المركز إلى جانب تجارة الآلات الموسيقية نقوم بتدريب الأفراد الراغبين في تعلم الموسيقى الشرقية, ولدينا أساتذة ومدربون متخصصون, ويضيف حسام قائلاً أن زبائننا معروفون وسمعة معروضاتنا طيبة, ويأتي إلينا الزبائن من كل أنحاء الإمارات ومن دول الخليج, وأعتقد ان سوق الآلات الموسيقية الشرقية في الإمارات أروج الأسواق في الدول العربية, نظراً للإقبال الكبير من المواطنين وحبهم وولعهم بالآلات الشرقية, ولهذا والحمد لله لا نشعر بأزمات في السوق ولا تنخفض أرباحنا بالشكل المخيف. ومن الشركة الماسية لتجارة الأدوات الموسيقية يقول صاحب الشركة وعازف الإيقاع الشهير (خليل موسى) أنا أعمل في سوق الإمارات في تجارة الآلات الموسيقية الشرقية وإحياء الحفلات الموسيقية منذ عشرين عاماً مضت, وقد اخذت هذه النوعية من التجارة لأنها قاصرة على العرب فقط ولا ينافسهم فيها أحد, وإلى جانب البيع والشراء وإحياء الحفلات نقوم في شركتنا بتأجير الآلات, وأيضاً آلات الصوت (ساوند سيستمز) . انتشار واسع ويقول (خليل) السوق منذ عشر سنوات ربما كان أقل من البيع لكنه كان أفضل لأن عدد المحلات كان أقل ولكن الآن المحلات منتشرة في كل أنحاء الإمارات, وان كان السوق مازال رائجاً والحمد لله ولا يتعرض للأزمات وذلك لان الحفلات لا تتوقف, والزواج والعرس لا يتوقف تحت أي ظروف, وحب تعلم الموسيقى لدى الأفراد أيضاً لا يتوقف ولا يرتبط بمواسم ولا بحالة الأسواق وإن كان يكثر في العطلات الصيفية بالنسبة للطلاب. ويضيف خليل قائلاً ان مواطن الامارات هو الزبون الأول والمفضل في سوق الآلات الموسيقية الشرقية التي مازالت تستهويه وتجذبه أكثر بكثير من الآلات الغربية, وأسعار الآلات الموسيقية الشرقية زادت عن ذي قبل كثيرا خاصة العود الذي يزيد سعره كل عام بنسبة تصل إلى 15%, والإقبال أكثر على العود وآلات الإيقاع مثل التار والطبلة. ويقول (خليل) ان نسبة الأرباح في سوق الآلات الموسيقية الشرقية تتراوح بين 30% و40% وهذا معقول جداً إذا راعينا أن سوقنا لا يتأثر كثيرا بالأزمات ولا يتعرض لحالات هبوط وركود مثل الأسواق الأخرى, وموسمه والحمد لله طوال العام ماعدا شهر رمضان الذي عادة نأخذه راحة لنا. وبالنسبة للآلات الموسيقية الشرقية نجد أنها ترتفع في أسعارها حسب جودة إنتاجها فمثلا العود السوري ثمنه حوالي 500 درهم والمصري يتعدى الألف وهناك أعواد تتعدى الخمسة آلاف مثل عود (فاضل العراقي) . وسوق الإمارات في رأي خليل أروج الأسواق العربية في الآلات الموسيقية الشرقية وحتى أكثر رواجاً من السوق المصرية والسورية التي توجد فيها عشرات الآلاف من الفرق الموسيقية والعازفين ولكن الإقبال هناك بشكل أكبر على الآلات الغربية والألكترونية بينما في الإمارات تظل الآلات الموسيقية الشرقية والموسيقى الشرقية في الصدارة وهذا هو السبب الرئيسي لرواج أسواقنا. تحقيق: مغازي البدراوي