لماذا تلجأ الشركات العالمية الكبرى للاندماج مع بعضها البعض؟ وما الفائدة التي تعود عليها من الاندماج؟ وما هي سلبيات وإيجابيات تلك الظاهرة ؟ وهل لها إفرازاتها؟ ومن المستفيد منها؟ وأي القطاعات أكثر تأثراً بهذه الظاهرة؟ وما هو موقف الشركات المندمجة بعد عملية الدمج من حيث الانتاجية والمبيعات والربحية؟ وهل للاندماجات العالمية أي تأثيرات على موقف الشركات غير المندمجة خاصة في عالمنا العربي؟ هذه وتلك أسئلة تبحث عن إجابات وفي هذا التقرير ربما تكون هناك الاجابة الشافية خاصة وأنه مدعم بالارقام والحقائق التي تكشف عن الظاهرة وتتعمق في تفصيلاتها وتغوص في دقائقها وكافة حلقاتها. لا شك ان الثورة التكنولوجية الحديثة تلعب دوراً كبيراً في نمو عمليات الاندماجات, وخاصة في قطاع النفط ومصادر الطاقة الذي قلت فيه المنافسة, خاصة في أعقاب الأزمات, وزادت فيه نفقات الانتاج بعد تراجع الأسعار, وكان هذا هو الدافع الرئيسي للاندماجات في هذا القطاع بهدف تقليل النفقات ورفع حدة المنافسة, كما زادت الاندماجات في هذا القطاع من الضغوط على الدول المنتجة للنفط التي لم تعد قادرة على مواجهة تحديات الشركات العملاقة التي أصبح في مقدورها التحكم في أسعار النفط والاستفادة من انخفاضها في ملأ خزاناتها العملاقة. وقد سعت الشركات والبنوك للاندماجات بشكل مكثف في أعقاب الأزمات العالمية وذلك تحسباً منها لأزمات جديدة متوقع حدوثها في المستقبل. أيضاً يعتبر البعض ان سبب الاندماجات يعود لسعي الشركات لرفع أسعار أسهمها في الأسواق, وهو ما حدث بالفعل في أعقاب العديد من عمليات الاندماج التي وصل بعدها سعر أسهم بعض الشركات إلى أكثر من الضعف كما ساعد أيضاً ظهور (اليورو) كعملة موحدة في أوروبا على التوجه الى المزيد من الاندماجات بين الشركات الأوروبية بعد ان سهلت العملة الموحدة التعامل بينها بشكل كبير. والحقيقة أن أسباب الاندماجات كثيرة ومختلفة ومتنوعة حسب كل قطاع على حدة, إلا أنه رغم هذا فان نتائج الاندماجات متشابهة إلى حد كبير وخاصة السلبية منها ومن أهم سلبيات الاندماجات الواضحة والمجمع عليها انتشار البطالة الناتجة عن عمليات الاستغناء عن أعداد هائلة من العاملين في الشركات بعد الاندماج بهدف خفض النفقات والاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة بدلاً من الإنسان. ومن الأمثلة على ذلك الاستغناء عن عشرة آلاف عامل في أعقاب اندماج (بريتش بتروليوم أموكو) مع (أركو) بهدف توفير مليار دولار سنوياً, وقد بلغ عدد المستغنى عنهم من العاملين في الشركات الأمريكية في أعقاب الاندماجات الواقعة في الفترة من ديسمبر 97 وحتى فبراير 99 حوالي 51400 عامل. وتم تسريح 25 ألف عامل في أعقاب اندماج (دويتش بنك) و(بانكرزترست) , وأكثر من 10 آلاف تم الاستغناء عنهم بعد اندماج بنكي (تشيز) و(كيميكال) . أيضاً من أخطار الاندماجات تكوين احتكارات كبيرة تقضي على المنافسة في الأسواق عن طريق تخفيض النفقات وخفض الأسعار كذلك تكمن خطورة الاندماجات في اندفاع بعض المؤسسات نحو الاندماج بدافع الخوف والحذر من الوقوع في الأزمات وليس بدافع النمو وزيادة الانتاج, ويترتب على مثل هذه الاندماجات في بعض الأحيان الفشل والخسارة وانهيار الشركة الجديدة. ولهذا ينصح الخبراء بضرورة التأني والدراسة المستفيضة وتحديد الأهداف قبل اللجوء للاندماج وحساب كل عوامل الربح والخسارة, كما ينصحون بضرورة توافر القيادة القومية والخبيرة للشركة الجديدة مع تغيير أساليب الإدارة لتتلاءم مع الكيان الجديد. العرب والاندماجات أما عن العرب والاندماجات, فإنه من الملاحظ انه مازال هناك احجام واضح من العرب عن الاندماجات, ويرجع البعض هذا لأسباب ودوافع كثيرة منها السياسية والاجتماعية ومنها الخوف من التقلبات والنزوع للاستقرار وعدم التغيير, وقصر الرؤى المستقبلية وانتظار الأزمات دون العمل على تفاديها, وعوامل أخرى كثيرة ربما لا يفيد الخوض فيها, بقدر ما يفيد الاستشهاد بآراء الخبراء الذين يقولون ان الشركات العربية لن تستطيع الصمود ومواجهة المنافسة في المستقبل, إذا ما ظلت على ما هي عليه ككيانات صغيرة متفرقة, وأنها شاءت أم أبت سوف تبتلعها الاندماجات العملاقة, التي سوف تجتاح الأسواق العالمية كلها في المستقبل القريب, وقد بدأ هذا الابتلاع بالفعل, فقد احتوى اندماج (بريتش بتروليوم أموكو) في داخله العديد من حصص أسهم شركات خليجية من الكويت ودولة الامارات, وربما يكون من المفيد لها الاندماج الذي وقع, ولكن المفيد أكثر النظر إلى المستقبل والسعي للحاق بقطار الاندماجات العالمية قبل فوات الأوان, وخاصة البنوك العربية التي تعاني من تفرقها من الضعف الشديد مما يحول دون قدرتها على الصمود والمنافسة على الساحة العالمية, ولا سبيل لها للنجاة في المستقبل سوى بالتوحد والتحالف والاندماج. قطاع النفط والآن دعونا نغوص في أكبر القطاعات التي شهدت ابرز الاندماجات وهو قطاع النفط الذي شهد في مارس 96 أكبر تحالف بين (بريتش بتروليوم) مع (موبيل) في قطاع التكرير والتوزيع في أوروبا, ثم شركة (برايد بتروليوم سيرفيز) التي اندمجت مع (فوراسول ــ فورامر) في أكتوبر 1996 وفي قطاع الحفر وأعمال الصيانة, وشركة (شلومبرجر) مع (بيكرهيوز) في اتفاق تحالف في نظم (سمارت) في اكتوبر 1996, وأيضاً في الوقت نفسه وفي القطاع ذاته تحالفت شركة (هاليبرتون) مع (بي إي إس) واشترت بموجبه (دوك باور) وصيفتها (بان انيرجي) في صفقة قيمتها 9.9 مليارات دولار في نوفمبر 1996. وجاء عام 1997 ليشهد نمواً أكبر في عمليات الاندماج في قطاع النفط, وكان الهدف منها تقليل النفقات في عمليات الحفر والتنقيب عن النفط في البحار, والتي تحتاج لنفقات باهظة التكاليف لم تعد إمكانيات الشركات القائمة تسمح بها, وهذا ما دفع شركة مثل (فالكون دريلنج) للحفر البحري للاندماج مع نظيرتها (ريدنج أندبيتس) في يوليو 1997, وبعدها بأيام تحالفت (جي. راي ماكدورموت) مع نظيرتها (أيكر مارين كونتراكتورز) في صفقة لتنمية عمليات الحفر البحرية العميقة. صفقات 97 ولكن يقفز السؤال لماذا لم تذكر قيمة العديد من صفقات الاندماج والتحالفات التي تمت في عامي 96, 97 والاجابة واضحة وهي ان هذه الصفقات أحيطت بالسرية ولم يعلن عن أرقامها في حينها, حيث كانت المنافسة بين الشركات على أشدها, وكانت بعض الاندماجات تهدف فقط القيام بعمليات محددة في مناطق معينة من العالم لذا لم يشأ أصحابها الإعلان عن تفاصيلها آنذاك, ولكن رغم تلك السرية فان الخبراء يقدرون حجم تلك الاندماجات التي تمت على الساحة الاقتصادية العالمية عام 1997 والتي انحصر أغلبها بين القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية بمقدار 1.6 تريليون دولار, وهذا رقم فلكي إذا ما قورن بكل عمليات الاندماج والتحالفات بين الشركات التي تمت على مستوى العالم قبل عام 1995 والتي لم تتعد قيمتها مجتمعة أكثر من 200 مليار دولار. تحالفات 1998 ويأتي عام 1998 ليشهد مداً أكبر في عمليات الاندماج التي خرجت أغلبها عن نطاق وحدود الدول إلى الساحة الدولية وتنوعت وكثرت في مجالات أخرى غير النفط, لتشمل صناعات أخرى عملاقة على المستوى العالمي, مثل قطاع توليد الطاقة الكهربائية والاتصالات وصناعة السيارات والدواء, كما شهدت الساحة المصرفية العالمية عمليات اندماج عملاقة بين مصارف وبنوك عالمية تولدت بعدها مؤسسات مالية عملاقة تملك أصولاً مالية بأرقام خيالية اقترب بعضها من رقم القرن الواحد والعشرين وهو التريليون. وحسب مصادر شركة (سيكيورتيز داتا كومباني) العالمية للاحصاء فان حجم الاندماجات التي تمت في عام 1998 بلغ 2.4 تريليون دولار, وهو رقم خيالي إذا ما وضعت في الإعتبار ظروف الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية التي وقعت في نهاية عام 1997, وامتدت آثارها وتداعياتها في كل أنحاء العالم خلال عام 1998, بداية بأزمة النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا, ومروراً بالأزمة الروسية في أغسطس عام 1998, والتي مازالت تداعياتها تمتد وتنتشر في أنحاء العالم حتى تعدت الأطلسي ووصلت إلى أمريكا اللاتينية وضربت أقوى اقتصاد دولة هناك هو البرازيل. تأثير الأزمات وعلى الرغم من أن هذه الأزمات وحسب تحاليل وتقدير العديد من الخبراء قد ساعدت على المزيد من الاندماجات والتحالفات, إلا انها ايضاً شكلت مصدر خوف وقلق لدى العديد من الشركات العالمية, وخاصة الأزمة الروسية التي كان لها الأثر السلبي على أسواق الأسهم العالمية, التي انخفضت فيها الأسعار بشكل ملحوظ, وأدت إلى توقف عمليات الاندماجات بين الشركات بصورة واضحة, ففي حين بلغت عمليات الاندماج في الربع الثاني من عام 98 ما قيمته 700 مليار دولار, لم تزد في شهر واحد خلال الربع الثالث من العام نفسه عن 328 مليار دولار, وفي سبتمبر شهر الأزمة الروسية لم تحقق الاندماجات العالمية صفقات بأكثر من عشرة مليارات دولار, وقبل مضي وقت قصير لم يزد سوى بضعة أيام حتى عاد طوفان الاندماجات يجتاح الساحة الاقتصادية العالمية ليحقق في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 1998 صفقات تعدت قيمتها التريليون دولار, خاصة بعد ان تفشت ظاهرة الاندماجات في قطاع المصارف والبنوك ومن أشهر اندماجات عام 1998 في قطاع النفط, اندماج (بريتش بتروليوم) مع (أموكو) في أغسطس والتي بلغت قيمته 55 مليار دولار, واختارت الشركتان البريطانية والأمريكية مقراً لهما في لندن, وتوحد نشاطهما في عمليات تكرير وانتاج وتوزيع النفط, بقيمة سوقية تقدر بـ 110 مليارات دولار, وفي ديسمبر من العام نفسه وقعت صفقة اندماج أخرى في هذا القطاع بين شركتي (أكسون) و(موبيل) قيمتها 86.4 مليار دولار, وفي الشهر ذاته اشترت (توتال) الفرنسية (بتروفينا) بما قيمته 11.5 مليار دولار, وقبلها في سبتمبر تحالفت (شل) الاوروبية مع (تكساكو) الأمريكية في صفقة لم تعلن قيمتها في قطاع التكرير والتوزيع في أوروبا, كما إشترت في منتصف العام (أركو) شراء كاملاً شركة (يونيون تكساس بتروليوم) مقابل 3 مليارات دولار. أكبر الصفقات وتواصلت عمليات الشراء والاندماج في قطاع النفط في عام 1999 والذي شهد مؤخراً في أوائل أبريل صفقة شراء اندماج العام الماضي بين (بريتش بتروليوم وأموكو) لشركة (أركو) الأمريكية في صفقة بلغت قيمتها 33.7 مليار دولار, ويعد هذا الاندماج أكبر صفقة نفطية في القرن العشرين حتى الآن, وبموجبه سوف يصبح حجم الرأسمال السوقي للشركة الجديدة 190 مليار دولار, وستحقق عائدات سنوية تبلغ 10 مليارات دولار, وتسيطر على 70% من حقول نفط ألاسكا وخليج بوردو في الولايات المتحدة الأمريكية الى جانب حقول غاز طبيعي في أندونيسيا والصين ومختلف أنحاء العالم, وقد تصدى لهذه الصفقة خبير النفط العالمي, رئيس شركة (بريتش بتروليوم) البريطاني (جون براون) والذي صرح في أعقاب هذه الصفقة بأنه لم يقدم على عمل جنوني, ولم يبالغ في تقديراته, كما يعتقد البعض, خاصة وأنه قرر عقد هذه الصفقة العملاقة في ظل أزمة انخفاض أسعار النفط, وأضاف (براون) بأنه على يقين تام من أن أسعار النفط سوف ترتفع قريباً, وأن الآثار الإيجابية لهذه الصفقة الاندماجية العملاقة سوف تظهر قبل نهاية هذا القرن. ومن المتوقع في الفترة الباقية من عام 1999 إنعقاد العشرات من صفقات الاندماج والتحالف في قطاع النفط وسيكون أقربها في الأيام المقبلة اتمام صفقة اندماج (رويال داتش شل) الانجليزية الهولندية مع (تكساكو) الأمريكية. الطاقة وبعيداً عن قطاع النفط شهد عام 1998 اندماجاً كبيراً في قطاع توليد الطاقة الكهربائية بين (أي بي بي) السويسرية السويدية و(ألستوم) الفرنسية البريطانية والذي نتج عنه شركة جديدة باسم (أي بي بي ألستوم بود) ومقرها بروكسل, ويصل حجم مبيعاتها الى 11 مليار دولار سنويا ويعمل فيها 54 ألف موظف منتشرين في مائة دولة, وتصبح الشركة الجديدة ثالث منافس في العالم مع الشركتين العالميتين (جنرال اليكتريك) و(سيمنس) في مجال معدات الطاقة الكهربائية. السيارات شهد قطاع صناعة السيارات عمليات اندماج كثيرة في العامين الماضيين اشهرها في منتصف عام 1998 اندماج الشركتين العملاقتين (ديملر بنز) الألمانية و(كرايزلر) الأمريكية هاتين الشركتين اللتين ظلتا عقوداً طويلة في تنافس شديد على الأسواق, وصراع دائم بينهما ولكن فجأة وعلى غير المتوقع حدث بينهما الاندماج الذي سوف يسمح لسيارات كرايزلر بالخروج من السوق المنحصرة فيها خلال سنوات طويلة داخل الولايات المتحدة الامريكية وسيكون الحال نفسه لمرسيدس الألمانية حيث يمكنها اختراق السوق الأمريكية, التي عانت الحرمان من وجودها لسنوات طويلة, وتقدر قيمة صفقة الاندماج هذه بـ 38 مليار دولار دفعتها (ديملر بينز) الالمانية مقابل سيطرتها على الادارة, بينما يتوقع ان يصل حجم مبيعات الشركة الجديدة حوالي 130 مليار دولار سنوياً وسوف يمكنها ذلك من دخول المنافسة مع الشركات العالمية الأخرى, مثل (جنرال موتورز وفورد وتويوتا) وغيرها, ويرى البعض ان هذا الاندماج سوف يضرب في الاساس سوق السيارات اليابانية الممتد في كل أنحاء العالم, خاصة وأن الشركة الجديدة تنوي إنتاج موديلات حديثة إقتصادية من السيارات لتنافس اسعارها السيارات اليابانية الرخيصة, خاصة بعد تخفيض تكلفة الانتاج نتيجة للاندماج. اتصالات وفي قطاع الاتصالات شهدت السوق الأمريكية اندماجات كبيرة خلال العامين الماضي والجاري من أشهرها الاندماج الناتج عن شراء شركة (إي تي أندتي) لشركة تلفزيون الكيبل العملاقة (تيلي كومينيكيشنز) وعلى المستوى العالمي كانت صفقة الاندماج الكبرى في مجال الاتصالات بين شركة (دويتشه تيليكوم) الألمانية و(تيليكوم ايطاليا للاتصالات) والتي انعقدت في منتصف أبريل من هذا العام, وتقدر قيمتها بمائتي مليار دولار, وتعد أكبر صفقة اندماج لشركات عقدت في التاريخ حتى الآن, وإن كان البعض يتوقع توالي (صفقات) وابرام أكبر منها في قطاع الاتصالات, الذي ينمو بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة ويتوقع له البروز بشكل أكبر في مطلع القرن المقبل. البنوك أما عن قطاع المصارف والبنوك والذي شهد عمليات اندماج كثيرة في العامين الماضيين تميزت بتجميع أصول مالية لبنوك عملاقة تعدت في جملتها ما يزيد على 5 تريليون دولار, فقد شهد العالم منذ مطلع عام 1995 وحتى نهاية عام 1998 اندماج ما يقرب من 5400 منشأة مالية, بلغ نصيب الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 56% من هذه الاندماجات المصرفية, وقد زادت حدة الاندماجات بين البنوك بشكل ملحوظ في أعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية والتي فسرها المحللون بأن البنوك تلجأ للاندماجات في محاولة منها لإخفاء خسائرها الناتجة عن تفاقم هذه الأزمات, فقد خسر بنك (بانكرز ترست) العالمي 488 مليون دولار في صيف عام 1998, وخسر (دويتش بنك) الألماني ما يقرب من مليار دولار في أعقاب الأزمة الروسية في نهاية العام الماضي. وقد اشترى (دويتش بنك) مؤخراً بنك (بانكرز ترست) في صفقة بلغت قيمتها 10 مليارات دولار, وفي اليابان اندمج بنك (ميتسوبيشي) مع بنك (طوكيو) كما اندمج بنك (تشيش مانهاتن) مع (كيمكال بنك) وفي سويسرا عقدت مؤخراً أكبر صفقة اندماج في قطاع البنوك بين (البنك السويسري) و(بنك الإتحاد السويسري) والتي بلغت أصولها 754 مليار دولار. وبعد سنوات طويلة عانت فيها البنوك الأمريكية من الغياب الواضح على الساحة الدولية, مما أدى لخلو قائمة أكبر بنوك العالم حتى نهاية عام 1996 من أي بنك أمريكي, لجأت البنوك الأمريكية في العامين الماضيين لعمليات الاندماج الكبرى بهدف خلق كيانات مصرفية عملاقة تستطيع المنافسة بين البنوك على المستوى العالمي, وكانت الصفقة الكبرى في الاندماج في ابريل من العام الماضي بين مصرفي (ترافيلرز جروب) و(سيتي كورب) واللذين كونا معاً المجموعة المالية (سيتي جروب) بأصول بلغت قيمتها 698 مليار دولار, كما اندمج (تشيز بنك) مع (بنك أمريكا) في صفقة أصول بلغت 570 مليار دولار, واشترى (بنك وان) بنك (فيرست شيكاغو) بمجموع أصول بلغ 240 مليار دولار. القوانين الأمريكية وجدير بالذكر ان القوانين الأمريكية منذ أزمة الثلاثينات تمنع هذه الاندماجات بين المصارف والبنوك, وإعتبرها الرئيس فرانكلين روزفلت في الثلاثينات خططاً سيئة يدبرها الأغنياء اليهود للسيطرة على إقتصاد الدولة, وشرع في محاربتها معلناً تقسيم البنوك الى تجارية واستثمارية, وحتى أواخر الثمانينات كان محظوراً على البنوك الأمريكية ان تتخطى حدود الولايات التي تعمل فيها, ولكن البنوك الأمريكية لم تستطع تحمل هذه القيود, واستغلت الثغرات القانوية الناتجة عن قانون الشركات القابضة الصادر في الولايات المتحدة عام 1956 والذي سمح للبنوك بتكوين شركات قابضة في الولايات الأخرى, واستخدمت البنوك هذه الشركات لجمع المدخرات, وجاء عهد الرئيس ريجان ليفتح الحدود على مصراعيها بين الولايات, وأصدر الكونجرس في عام 1994 تشريعاً يسمح بفتح النشاط المصرفي للبنوك الامريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها بلا حدود او قيود, وبدأت في اعقاب هذا القانون حملة الاندماجات الكبرى بين البنوك الامريكية والتي نتج عنها تقليص عددها من 14496 بنكاً عام 1984 الى 9143 بنكاً عام 1997. ورغم هذا الانفتاح الامريكي في عمليات الاندماجات الا ان هذه العملية تخضع لرقابة شديدة وقوانين صارمة بحيث لا تضر من بعيد أو قريب بالأسواق الأمريكية والاقتصاد الأمريكي ككل, وقد أوقفت وزارة العدل الأمريكية في أبريل عام 1995 عملية اندماج كبيرة بين شركة (مايكروسوفت) للبرامج وشركة (أنتويت) صانعة برنامج (كويكن) للكمبيوتر حيث رأت الوزارة ان هذا الاندماج سوف يسبب اضراراً بالغة للعمليات المصرفية داخل الدولة, وسوف يرفع أسعار البرامج بشكل حاد لأنه سوف يقضي على المنافسة ويؤدي الى احتكار السوق. أسباب الاندماج بعد هذا العرض الموجز والمختصر لعمليات الاندماجات في مختلف القطاعات الاقتصادية تبقى الأسئلة العديدة حول أسباب الاندماجات ونتائجها وأخطارها وعوامل فشلها؟ وأيضاً حول موقع اقتصاديات الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص في هذه الاندماجات وموقفها منها. الاندماج.. حكاية من الماضي يعتبر اندماج المؤسسات الاقتصادية والمالية في العالم ظاهرة ليست حديثة, كما يعتقد البعض بل هي قديمة قدم التاريخ وقدم التعاملات بين البشر والدول, وقد شهدت الاندماجات نمواً واضحاً في نهاية القرن الماضي وفي أعقاب الثورة الصناعية عندما كان عدد الشركات في العالم كله لا يتجاوز عددها في أصغر دولة في العالم الآن, وكانت متركزة في اكبر دولتين وهما فرنسا وبريطانيا وفروعهما بالمستعمرات, وبدأت الشركات الكبيرة تبتلع الصغيرة اما بالشراء أو بالاندماج حتى تكونت ما سمي بالشركات متعددة الجنسيات أو عابرة القارات. ولكن تباطأت حركة الاندماج بين الشركات على الساحة الدولية, وداخل الدول في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, وأثناء الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية, ثم عادت للظهور والنمو في الثمانينات ومع سياسة التحرير الاقتصادي, والتوجه بشكل سريع نحو سياسة السوق الحر, خاصة في عهد الرئيس رونالد ريجان في أمريكا ومارجريت تاتشر في بريطانيا, الا انها في هذه الفترة وحتى مطلع التسعينات اتسمت على الأكثر بالمحلية, وارتبطت في الاساس بقطاع النفط, وجاءت نتيجة لظهور شركات جديدة عملاقة في هذا القطاع استدعى ظهورها توحد بعض الشركات داخل بعض الدول ومثال على ذلك داخل الولايات المتحدة الامريكية, عندما اشترت شركة (دوبونت) و(شركة كونكو) في يوليو عام 1981 في صفقة قيمتها 9.5 مليارات دولار, وتلاها بعد ذلك شراء شركة (تكساكو) لشركة (جيتي أويل) في يناير 1984 بمبلغ 10.1 مليارات دولار, وفي العام نفسه وبالتحديد في شهر مارس اشترت (ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا) شركة (جالف أويل) بمبلغ 13.4 مليار دولار. وفي فرنسا وخلال نوفمبر عام 1990 اشترت (الفا اكيتين) شركة (إينمونت) بمبلغ 10.1 مليارات دولار. انهيار الاشتراكية وعادت حركة الاندماجات وابتلاع الشركات الكبيرة للصغيرة لتتسم بالبطء والمحدودية عقب انهيار المعسكر الاشتراكي وبروز الولايات المتحدة كقوة كبرى ووحيدة في العالم, وتغير معالم الاقتصاد العالمي, وبداية التوجه نحو العولمة ونمو اتجاه الاقتصاد الحر, والسوق العالمية بشكل كبير, وهو الأمر الذي استدعى اندماجات اكبر حجماً للشركات خاصة بعد انفتاح الاسواق, ومواقع الانتاج في دول المعسكر الاشتراكي السابق, وهو الأمر الذي زادت معه نفقات الانتاج بشكل كبير, ولم تعد الشركات بحجمها العادي من مواجهته مما ادى لظهور موجة جديدة أكبر حجماً من الاندماجات والتحالفات والشراء بين الشركات. وخرجت هذه العمليات من داخل الدول الى خارجها, وبدأت تظهر على الساحة صفقات اندماج كبيرة وبأرقام كبيرة لم يسمع عنها الاقتصاد العالمي من قبل. إعداد: مغازي البدراوي