السبب الرئيسي الذي دفعني الى كتابة هذا الموضوع هو اهمية الدور الذي تلعبه اتفاقية الجات وخليفتها منظمة التجارة العالمية في توجيه الاقتصاد بشكل عام سواء على المستوى المحلي او العالمي, خاصة الاستثمارات الاجنبية التي تعد احد ركائزه الأساسية والتي اصبحت في الفترة الاخيرة مدار اهتمام الصحف المحلية, حيث خصصت لها صفحات واسعة لمناقشتها, والحديث عنها, خاصة اذا ما عرفنا بأن منظمة التجارة العالمية وهي الهيئة المشرفة على تنفيذ بنود اتفاقية الجات لها دور رئيسي في وضع استراتيجية الدول حول كيفية التعامل مع الاستثمارات الاجنبية على المديين القريب والبعيد, وكذلك دورها في خلق نظام اقتصادي عالمي جديد, ولكن الملاحظ ان جميع من تحدث عن الاستثمارات الاجنبية سواء كان مؤيداً ام معارضاً لم يتطرق في حديثه عن الدور الذي تلعبه اتفاقية الجات في تحديد استراتيجية العمل مع الاستثمارات الاجنبية, على الرغم من اهمية ذلك الدور, لذا لا بد لنا ان نعي جيداً بنود ونصوص الاتفاقية حتى نتمكن من تحديد المسار الذي يقودنا الى خلق بنية اقتصادية ناجحة بكل المقاييس بحيث يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً, خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان دولة الامارات انضمت الى الاتفاقية العامة في النصف الاول من عام ,1994 ونحن في الحقيقة لسنا هنا بصدد الحديث عن الآثار المترتبة على انضمام الامارات الى الاتفاقية العامة ولكن حديثنا سوف يركز على اثر الجات ومنظمة التجارة العالمية على الاستثمارات الاجنبية بالمناطق الحرة على مستوى الدولة كما هو موضح من خلال العنوان, وذلك لتمكيننا معرفة تلك الآثار التي تقودنا بدورها الى رسم استراتيجية واضحة تخدم اقتصاد المناطق الحرة على المدى القريب والبعيد. في البداية يجب ان نعلم بوجود العديد من النقاط والبنود التي ذكرت في الاتفاقية لم يتخذ فيها قرار نهائي, نظراً لاختلاف وجهات النظر بين الدول الاعضاء, لذا لا يمكننا ان نبني استراتيجيتنا المستقبلية على تلك القرارات مجرد طرحها من خلال المنظمة, ظنا بأنها سوف يكون موضوعا للاتفاق والقبول فيما بعد, مع العلم بأن هناك العديد من الامور المتعلقة بقطاعي التجارة والخدمات تم الاتفاق عليها واصبحت لزاما على الدول الاعضاء تطبيقها حسب ماتنص عليها الاتفاقية. من وجهة نظري ومن خلال معرفتي المتواضعة لبنود اتفاقية الجات اتضح لي ان المناطق الحرة بدولة الامارات سوف لا تتأثر كثيراً بالاتفاقية بسبب انضمام الدولة اليها, نظراً لعدم منافسة الحوافز والتسهيلات التي تحويها بنود الاتفاقية مع ما تقدمها المناطق الحرة من حوافز وتسهيلات وخدمات مميزة. سوف نوضح لك ذلك من خلال مناقشتنا للنقاط التالية: 1ــ التعرفة الجمركية: نقصد هنا بالتعريفات الجمركية, هي التعريفات التي تفرض على واردات الدولة وقد نصت جداول التعريفات على التزام الدولة بثلاثة سقوف جمركية محليا والالتزام بعد تجاوزها وهي على النحو التالي: السقف الاول: يشمل جميع الواردات من السلع والبضائع باستثناء ما ذكر في السقفين الثاني والثالث, والرسم الجمركي المقرر تطبيقه على هذه البضائع هي 40%. السقف الثاني: يشمل المنتجات الزراعية والألبان, والرسم الجمركي 100%. السقف الثالث: يشمل المشروبات الكحولية ومنتجات التبغ والسجائر ولحوم الخنزير, والرسم الجمركي المقرر تطبيقه هو 200%. اذاً يمكننا القول بأن انضمام الدولة الى منظمة التجارة العالمية لا يعني اعفاء كلي للتعرفة الجمركية على البضائع المستوردة, بل هذه الالتزامات منحت الدولة الحق في زيادة الرسوم الجمركية في المستقبل من أجل حماية المنتج المحلي. من خلال ما سبق نستنتج ان الاعفاءات الجمركية التي تمنحها المناطق الحرة للمستثمر الاجنبي والتي تقدر بــ 100% سوف لا تتأثر, بل سوف يبقى حافزا مهما لجذب الشركات الاجنبية, خاصة اذا أخذنا بعين الاعتبار احتفاظ الدولة بحقها في زيادة الرسوم الجمركية في المستقبل, والحال ينطبق على الدول الاخرى بالمنطقة. حق التملك 2ــ كما نعلم ان المناطق الحرة تمنح الشركات الاجنبية حق التملك 100% دون الحاجة الى اللجوء للشريك المواطن كما هو الحال داخل الدولة. وهذا الحافز يعد أهم عامل لجذب الاستثمارات الاجنبية في المناطق الحرة, بمعنى ان بقاء هذا الحافز كما هو الحال عليه يساعد على استمرارية ذلك التدفق. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سيبقى الوضع مستمرا كما هو (وجود الحافز) بعد انقضاء الفترة الممنوحة لدولة الامارات وهي عشر سنوات 2005 حتى تكون الاتفاقية سارية المفعول, أم ان الحال سوف يتغير. في الحقيقة هناك اعتقاد خاطىء لدى الكثيرون وهو ان أسواقنا المحلية سوف تصبح مفتوحة كليا أمام الاستثمارات الاجنبية دون أي شروط أو قيود, وان الدول الاجنبية من خلال استثماراتها سوف تتحكم في اقتصادنا كيفما تشاء, وتسيره حسب ما تملي عليه مصلحتها متجاهلين في ذلك مبدأ المعاملة التمييزية والاستثناءات الخاصة بالدول النامية, حيث هناك العديد من البنود المذكورة في قوانين الجات تطالب الدول النامية بالتزامات أقل مما هو مطلوب من الدول المتقدمة. لذلك وبمقتضى هذه القاعدة كما يذكر الكاتب د. ابراهيم الجعلي في كتابه (الجات ومنظمة التجارة الدولية) سمح للدول النامية بالحصول على مزايا خاصة بها, لا يتم تعميمها على بقية الدول الاعضاء, كما سمح لها ايضا بتبادل المزايا فيما بينها دون الاضرار لتعميمها لتشمل دولا اخرى. كما ان جولة اورجواي تنص على عدم الزام الدول النامية على تحمل اعباء أو التزامات تتعارض مع خططها التنموية والاقتصادية, والأكثر من هذا لم يطالب الدول النامية بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل فيما يتعلق بالالتزامات. أما فيما يتعلق بالاستثمارات الاجنبية, فالاتفاقيات لم تحدد شكلها النهائي بعد, نظرا لاختلاف وجهات النظر بين الدول الاعضاء في الاتفاقية خاصة الدول النامية التي بذلت ضغوطا كبيرة بعدم مناقشتها خوفا من الوصول الى اتفاق للاستثمار يؤدي الى المساواة بين الشركات الاجنبية والوطنية ومن ثم قد يؤدي الى اضعاف موقفها وعدم امكانية الصمود أمامها نظرا للامكانية الضخمة والخبرة الطويلة التي تمتلكها هذه الدول, اضافة الى التكنولوجيا العالية التي تمتلكها تلك الاستثمارات, مما يضعف قدرتها على المنافسة في الاسواق المحلية. لذا نجحت الدول النامية في مطالبتها بتكليف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية بعمل دراسة تختص بهذا الموضوع, ومن ثم تفادي التوقيع بالالتزام على مثل هذا في المستقبل. مما سبق نستنتج ان هذا الحافز الذي تمنحه المناطق الحرة 100% ملكية اجنبية, لا تتأثر كثيرا نتيجة انضمام الدولة الى منظمة التجارة الدولية, بل تبقى عاملا مهما في جذب الاستثمارات الاجنبية خاصة بالنسبة لقطاعي الصناعة والتجارة, اما بالنسبة لقطاع الخدمات حسب نصوص الاتفاقية يجب فتحها امام الشركات الاجنبية, بحيث تكون الملكية 100% دون الحاجة الى وجود شريك مواطن وخاصة فيما يتعلق بانشطة المصارف والتأمين والاتصالات والخدمات المالية والتقنية الحديثة, من ناحية اخرى لو افترضنا ان الدول الاعضاء في المنظمة توصلت في المستقبل الى اتفاق حول فتح الاسواق امام الاستثمارات الاجنبية كليا والسماح بتملك الاجانب 100% من حجم الاستثمار فهل يؤثر ذلك سلبا على اقتصاد المناطق الحرة. في الحقيقة الجواب على مثل هذا التساؤل الافتراضي قد يكون بنعم ولكن بدرجة محدودة. وذلك نظرا لتعدد الحوافز والتسهيلات التي تقدمها المناطق, وهي غير متوفرة في الدولة, من ناحية اخرى يجب ان نعي جيدا بأن المناطق الحرة جزء من ارض الدولة على الرغم من نظامها الاقتصادي الخاطىء بها وان الهدف من اقامتها هو جذب الاستثمارات الاجنبية بهدف انتعاش الاقتصاد المحلي, لذا لو فرضنا ان هذه الاستثمارات فضلت البقاء في الدولة على حساب المناطق الحرة فلا حرج في ذلك, ولا ضرر في الغاء السياج الذي يعزل المناطق عن سائر اجزاء الدولة لأنه في النهاية هذه الاستثمارات ستبقى في الدولة وتؤدي نفس الغرض الذي قدمت من أجله الى المناطق الحرة بشانون في ايرلندا, حيث بعد انضمام الدولة الى منظمة السوق الاوروبية المشتركة, لم تعد للمنطقة الحرة خصوصيتها في نظامها الاقتصادي, بل أصبح وضعها الاقتصادي متساويا مع بقية اجزاء البلاد, حيث لم يعد للسياج الذي يفصل المنطقة الحرة عن بقية اجزاء البلاد أية أهمية تذكر, لذا قررت الحكومة ازالة بوابة المنطقة الحرة نظرا لعدم الحاجة اليها. 3 ـ اتفاقية المنسوجات والملابس يظن الكثيرون بأن الغاء نظام الحصص من قبل الدول الصناعية بالنسبة للمنسوجات والملابس قد يؤدي الى توقف تدفق الاستثمارات الاجنبية العاملة في هذا القطاع الى المناطق الحرة من جهة وعودة المستثمرة منها الى موطنها الاصلي من ناحية اخرى نظرا لزوال سبب وجودها, مع العلم بأن الدول المتقدمة تحاول التهرب من تنفيذ نصوص الاتفاقية المتعلقة بتحديد الحصص على الرغم من توقيعها ومن ثم هناك تخوف من قبل الدول النامية ألا تلتزم الدول الصناعية بتعهداتها بعد انقضاء فترة السنوات العشر التي حددتها الاتفاقية, لذا لا نستطيع ان نجزم بأن اتفاقية الجات سوف تؤثر سلبا على الاموال المستثمرة في هذا القطاع بالمناطق الحرة في الدولة, من ناحية اخرى لو فرضنا بأن نصوص الاتفاقية تم تطبيقها من قبل الدول الصناعية فلا اظن ان جميع الشركات العاملة في هذا المجال سوف ترجع الى موطنها الاصلي, لان نظام الحصص ليس هو الحافز الوحيد في مجيء هذه الشركات الى المناطق الحرة, بل هناك حوافز اخرى عالية المستوى ـ توفر وسائل الطاقة المختلفة مع دحض تكلفتها ـ عدم وجود البيروقراطية مع سهولة وسرعة انجاز المعاملات الادارية, وجود شبكة جيدة من المواصلات والاتصالات مع مختلف دول العالم .. الخ ثم لو فرضنا ان نظام الحصص طبق واثر ذلك سلبا على استمرارية وجود الاستثمارات الاجنبية العاملة في هذا القطاع فلا اظن ذلك تعد خسارة كبيرة للمناطق الحرة نظرا لعدم ملاءمة هذه الصناعات مع بيئة الامارات وذلك للاسباب التالية: 1 ـ اعتماد صناعة المنسوجات القطنية والملابس على الايدي العاملة الكثيفة والاجور المنخفضة نظرا لان معظمهم يندرجون ضمن طبقة العمال غير المهرة حيث لا يتجاوز متوسط اجورهم عن 500 درهم شهريا. 2 ـ عدم استخدامها للتكنولوجيا الحديثة. 3 ـ تؤثر سلبا على التركيبة السكانية بالدولة خاصة وان معظهم من غير العرب والمسلمين. 4 ـ انتشار سلوكيات غير سوية في البلاد وذلك للاسباب التالية: أ ـ طول فترة بقائهم في البلاد وبعدهم عن ازواجهم قد يؤدي الى اللجوء لهم الى ممارسة الاعمال غير الشرعية. ب ـ صغر السن الذي يتراوح ما بين 22 ـ 35. ج ـ تدني مستوى الرواتب. د ـ تدنى المستوى التعليمي. هـ ـ زيادة الضغط على البينة التحتية والمرافق العامة خاصة الحدائق والمستشفيات. 6 ـ فرصة الاستفادة من الخبرات القادمة عبر هذا النشاط تكاد تكون محدودة ومتواضعة جدا. نستخلص مما سبق ان نصوص اتفاقية الجات المتعلقة بهذا النشاط الاقتصادي لا تؤثر سلبا على المناطق الحرة بالدولة سواء طبقت أم لم تطبق. 4ــ هناك العديد من الحوافز والتسهيلات التي تقدمها المناطق الحرة وقد لا تتوفر بنفس المستوى خارجها مثل سرعة انجاز المعاملات الادارية مع ابداء المرونة بقدر المستطاع, قرب المناطق الحرة من الموانىء والمطارات يعد عاملا مهما يساعد على سرعة انحاز المعاملات الجمركية وتخليص البضائع ومن ثم اعادة تصديرها متفاديا في ذلك اجراءات التفتيش الجمركي, وجود الدوائر الحكومية المختلفة بالمنطقة الحرة مقدما جميع أنواع الخدمات وخاصة الادارية منها يعد عاملا مشجعا في اختيار الشركات, ان يكون لها موقع بالمنطقة الحرة, توفير العديد من الشركات الخدمية المختلفة بالمنطقة الحرة يعد أحد العوامل المساعدة على اختيار الشركات لها نظرا لتوفر جميع الأنواع التي بحاجة اليها الشركات في مكان واحد. خلاصة الموضوع يمكننا القول ان الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية سوف لا تؤثر سلبا على الاستثمارات الاجنبية بالمناطق الحرة على مستوى الدولة نظرا للأسباب المذكورة وخاصة قطاعي الصناعة والتجارة منها. مدير المنطقة الحرة بمطار دبي الدولي