عندما ينفض غبار الحروب لابد من أن تبدأ عملية إعادة البناء. لذلك أخذ البعض يتحدث عن (مشروع مارشال) جديد لبناء كوسوفو . ويعني استخدام مشروع مارشال كنموذج أن المتحدث يقدم افتراضين, أولهما أن حجم المساعدات سيكون ضخما بالنسبة إلى اقتصاد البلد المضيف. أما ثانيهما فهو أن معاودة الاقتصاد لانتعاشه ستكون سريعة. وفي الحالة الماثلة ونعني بها كوسوفو, فإن كلا الافتراضين ممكن أن يتحقق. كوسوفو صغيرة تماما, حيث يقل عدد سكانها عن مليوني نسمة, كما أنها كانت فقيرة للغاية, بل هي الجزء الأكثر فقرا من بلد فقير. ويعني ذلك أن حجم المساعدات المطلوب لن يكون ضخما للغاية, فضخ مساعدات معقولة سيمثل الضخامة المطلوبة نظرا لحجم اقتصاد كوسوفو الصغير. أي أن مقدار الأموال التي ستكون أوروبا وأمريكا مطالبتين بضخها لن تشكل عبئا كبيرا على الاقتصادات الضخمة للأوروبيين والأمريكيين. وعمليا لن تمثل المسألة حملا لأنها لا تقارن بمستوى ما يقوم به الطرفان من عمليات ذات حجم أضخم بكثير. والعودة السريعة بالاقتصاد في كوسوفو إلى ما كان عليه يمكن أن تكون يسيرة إلى حد كبير. فمجتمع كوسوفو زراعي بالأساس, ولا يحتاج حاليا سوى إلى حيوانات بدلا من التي نفقت وإلى معدات وآليات زراعية بدلا من تلك التي فقدت بعد أن تركت أعداد كبيرة من أهل كوسوفو البيوت والمزارع فرارا من الحرب وويلاتها. إذن المسألة لا تحتاج سوى إلى شراء للحيوانات واستيراد للآلات اللازمة. وهذان المطلبان غير مكلفين. وهناك الكثير من الموردين لهذين البندين بالسوق العالمية. إننا لا نتحدث عن تنمية اقتصادية أو تحويل كوسوفو إلى بلد أوروبي غني ومتقدم, بل كل ما نقصده هنا هو معاودة تدوير عجلات الاقتصاد في كوسوفو, أما مسألة التنمية الشاملة وتحويل كوسوفو إلى منطقة متقدمة تفيض بالتطور والثراء فتلك مسألة تحتاج إلى وقت طويل. لذلك, يجب أن ينصرف كل التركيز الآن إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه ووضع الأسس والمبادئ الاقتصادية التي يمكن البناء عليها للمستقبل. لقد ولت فرصة حصد محاصيل العام 1999. كما أن الشتاء قد اقترب, ومعنى ذلك أنه لابد من تدبير مصادر لإطعام أهل كوسوفو من خارجها. وسيستمر هذا الوضع حتى خريف العام المقبل في أحسن الأحوال, لكن ثانية يجب ألا تكون هناك مشكلة. فمقدار المعونات الغذائية المطلوبة ليس كبيرا, وهناك فوائض ضخمة في الإنتاج الزراعي في أماكن مختلفة حول العالم. كما أن أسعار الحاصلات الغذائية تقترب من مستويات انخفاض قياسية. وحتى عدم القدرة على الزراعة هذا العام يمكن استخدامها على نحو إيجابي, فالمساكن تحتاج في الغالب إلى إعادة بناء, وحيث إنه في المناطق الريفية تكون العمالة التي تحتاجها المزارع هي نفسها العمالة التي تقوم بالبناء, فإن المزارع الذي لن يتمكن من العمل في مزرعته خلال فصل الصيف الحالي يمكن أن يتكسب من العمل في مجال البناء والإنشاءات إذا ما توفرت له المواد والأدوات اللازمة. وهي أشياء يمكن شراؤها أو استيرادها من دون صعوبة تذكر. إذن ليس الاقتصاد هو المسألة الأهم على المدى القصير, بل الإعمار والإسكان. فكوسوفو الآن في سباق مع الزمن للاستعداد للشتاء. والسؤال الآن: هل يمكن الانتهاء من أعمال البناء قبل مجيء الشتاء؟ والإجابة: لا بكل تأكيد. لكن ذلك لا يعني عدم تشجيع أهل كوسوفو على العودة إليها الآن, للقيام بكل ما هو ممكن من أعمال البناء. وإقناعهم بأن البعض ممن لن يستطيع إكمال التجهز للشتاء يمكن أن يغادر خلال أيام الشتاء ببردها القارس. لقد علمتنا التجربة أنه إذا أردنا لأهل كوسوفو أن يعودوا إلى ديارهم, فلابد أن نعلم أن التعجيل بإعادتهم سيؤدي إلى عودة الكثيرين لديارهم. وسيكون من الخطأ تماما إقناع هؤلاء أنهم لن يعودوا قبل أن يتم توفير أماكن كافية لإقامة آمنة في كوسوفو, فلندع كل فرد يقرر بنفسه. وتعيق عودة الحياة إلى طبيعتها في كوسوفو مشكلة كبيرة ليست داخل كوسوفو نفسها في الغالب. وتحتاج كوسوفو إلى إعادة تصميم بنيتها التحتية, وخاصة الطرق والسكك الحديدية وإعادة صياغة علاقات كوسوفو مع شركائها التجاريين, بحيث يمر مخرج كوسوفو الأساسي إلى العالم الخارجي عبر ألبانيا وليس عبر صربيا, كما هي الحال حتى الآن. وعلى المدى القصير ستتركز العقبات والعوائق في نظم النقل والمواصلات. فشبكات المواصلات, وليس المال, هي التي ستحد من سرعة عودة الأمور إلى طبيعتها في كوسوفو. لذلك, لابد من ضخ قدر كبير من المساعدات لتوفير بنية تحتية جديدة في ألبانيا. والمشكلة الحقيقية في العملية برمتها ليست المال أو الحصول على التجهيزات والأدوات الضرورية للعمل في المزارع من حيوانات وآلات ومعدات ومواد للبناء, بل تكمن في التنظيم الاجتماعي, فمن ذا الذي سينظم ما يجب عمله في مجتمع لم يسمح له بأن يكون له قادة, وليست لديه خبرة في التعامل مع عملية بهذا الحجم للإعمار؟ مبدئيا ستتوفر القيادات من جيوش الناتو التي تتواجد الآن في كوسوفو. ويمكن لهذه الجيوش, كما فعلت في أعقاب الحرب العالمية الثانية, أن تستفيد من الحاجة إلى الإعمار كفرصة لتدريب جيل جديد من القادة في كوسوفو. وعلى المدى الطويل, هناك أنشطة أكثر أهمية من نزع أسلحة جيش تحرير كوسوفو. إذ ليس من الصعب أن تأخذ جيوش الناتو الأسلحة التي يحملها مقاتلو جيش تحرير كوسوفو, والأهم من ذلك إقامة نظام اجتماعي قابل للاستمرارية في أعقاب الحرب. لقد كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والزعماء الأوروبيون محقين عندما أكدوا أنه لن تكون هناك مساعدات لصربيا باستثناء المعونات الإنسانية حتى يتم تغيير القيادة الصربية. لقد شمل مشروع مارشال أعداء سابقين ـ ألمانيا واليابان ـ بعد الحرب العالمية الثانية لكن الدولتين كانتا قد أعلنتا استسلامهما من دون شروط. كما أن قادة الدولتين تمت محاكمتهم كمجرمي حرب, وأدارت الجيوش المحتلة الأمور في البلاد. وهكذا, فإن المعونات والمساعدات المندرجة في إطار مشروع مارشال لم يحصل عليها أولئك الذين خططوا وقادوا أنشطة الحرب العالمية الثانية من جانب قوى المحور. وسيكون على الصرب أن يواجهوا حقيقة مهمة في الصراع, وهي أنه كان هناك دعم واسع النطاق من جانبهم لعمليات التطهير العرقي في المناطق غير الصربية في يوغسلافيا السابقة خلال العقد الماضي. لذا, يبدو أنه سيكون لزاما أن يدفع الصربي العادي, أو أن يجبر على أن يدفع ثمن هذا السلوك وذلك التصرف. ولعل الفترة التي سيعيشها الصرب في ظل خدمات عامة متدنية وبنية تحتية مدمرة تكون درسا واضحا لهم وللآخرين ممن قد ينجرون إلى السير في الاتجاه نفسه والإقدام على تصرفات مماثلة لما فعله الصرب. العميد السابق لكلية سلون الامريكية للادارة