تقع أهم الأحداث الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي في سوق النفط العالمية, وهذا يعود الى حقيقة أن اقتصادات المنطقة ما زالت تعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي الذي يعتمد بدوره الى درجة كبيرة على عوائد النفط ووفقا لتقرير أعده بنك دبي الوطني فقد شهد سعر النفط (فتح 32) على مدار العامين الماضيين انخفاضاً كبيراً يزيد على نسبة 53%, من 90.21 دولاراً للبرميل في يناير 1997 الى 20.10 دولارات للبرميل في يناير 1999. ان تراجع سعر النفط إلى مستويات أقل من المستوى النفسي المقدر بـ 10 دولارات في فبراير 1999 كان المحفز الرئيسي لاجتماع أوبك الطارىء وأشدها فعالية في 23 مارس ,1999 حيث وافقت دول الأوبك (فيما عدا العراق) على خفض الانتاج بمقدار 7.1 مليون برميل يوميا بالإضافة للتخفضيات التي تم الاتفاق عليها في اتفاقيتين أخريين في العام الماضي. وقد وعدت أربع من الدول غير الأعضاء في الأوبك (المكسيك, والنرويج, وروسيا, وعمان) بتخفيض الانتاج بما يعادل 4.0 مليون برميل يومياً, مما يجعل إجمالي التخفيضات الملتزم بها بعد اجتماع أوبك الأخير يصل الى 1.2 مليون برميل يومياً, وقد أدت جدية الالتزام بالتخفيضات المقدمة الى تصاعد الأسعار, حيث وصلت الى 36.15 دولاراً في بداية مايو 1999. ما هي احتمالات استمرارية ارتفاع أسعار النفط؟ وما هي العوامل التي تلعب دورا رئيسا في تحديد مستويات هذه الأسعار في المستقبل المنظور؟ وكيف أثر أو (قد يؤثر) انخفاض أسعار النفط على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي؟ ان العرض التالي سيحاول توفير اجابة مسببة ومعقولة لهذه التساؤلات. محددات الاسعار وقال التقرير هناك نوعان من العناصر التي تلعب دوراً هاماً في تحديد أسعار النفط في السوق العالمية. أولها العنصر الداخلي الذي يرتبط بشكل أساسي بديناميكية سوق النفط العالمية, أي قوى العرض والطلب, وهذا العنصر سيتم بحثه في هذا التقرير أما الثاني فهو العنصر الخارجي الذي يحتوي على العديد من العوالم البيئية والاجتماعية والتجارية والسياسية التي يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر على الطلب على النفط, وتعتبر دعوة أصدقاء البيئة الى عالم أنظف بيئيا بالحد من (أو إيقاف) استخدام مصادر الطاقة الأحفورية, والقدرة على انتاج طاقة نووية أرخص وأكثر أماناً, والتطور التقني في مجال الموصلات غير العادية وغيرها أمثلة على هذه العوامل. العرض العالمي ان العرض والطلب هما اللاعبان الأساسيان في ديناميكية أسعار النفط. وينظر للانخفاض الأخير في سعر النفط على أنه مثال واضح لحالة وجود ضعف في الطلب وفائض في العرض. ولعل المصادر الأساسية لمعروض النفط هي دول الأوبك والدول المنتجة للنفط من غير الأعضاء في المنظمة, وقد استطاعت أوبك ان تسيطر في الماضي على سوق النفط عن طريق تحديد هدف سعري أو هدف انتاجي (بتحديد حصص انتاجية للدول الأعضاء فيها). أما الان, فإن الأوبك تواجه هدفين متناقضين وهما المحافظة على نصيبها في السوق (هدف إنتاجي) والمحافظة على سعر مقبول لمنتجها الخام (هدف سعري). عرض أوبك يقدر انتاج دول الأوبك بحوالي 6.40% من اجمالي المعروض من النفط العالمي في ,1998 حيث انها انتجت ما مجموعه 9.27 مليون برميل يوميا, ويتوقع أن ينخفض انتاج أوبك, نتيجة لاتفاقيتين في العام الماضي وواحدة أخرى في ,1999 بأكثر من 000.900 برميل يوميا في 1999 قبل ان يزداد بحوالي 1.1 مليون برميل يوميا في عام 2000. وهذا يعتمد على افتراض ان انتاج الأوبك سينخفض بما يعادل 2.1 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من ,1999 وبحوالي 1.1 مليون برميل يوميا في الربع الثالث من 1999 من المتوسط الذي ساد خلال الربع الأول. ورغم أن هذا التخفيض هو أقل مما قد اتفقت عليه الأوبك, إلا أنه مازال يشكل كمية هامة من النفط لن تكون متاحة في سوق النفط العالمية. بينما تشير التنبؤات الى أن انتاج الأوبك سيزداد بشكل ملموس مع بداية الربع الرابع من 1999. وسيشكل ارتفاع الأسعار دافعاً قويا لزيادة العوائد النفطية للدول الأعضاء عن طريق رفع مستويات الانتاج. العرض خارج أوبك نما المعروض النفطي من دول غير الأوبك بحوالي 300 ألف برميل يومياً خلال الفترة 1995 ــ 1997. بالإضافة الى ذلك تشير التنبؤات الى أن المستوى الإنتاجي لهذه الدول سيرتفع بأقل من 50 ألف برميل يومياً في 1999. وقد أدى تدهور أسعار النفط باستمرار الى انخفاض الإنتاج في بعض المناطق من العالم. على سبيل المثال, يتوقع ان ينخفض انتاج النفط في الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي 400 ألف برميل يومياً في 1999. ولكن يتوقع أن يرتفع انتاج دول غير الأوبك بحوالي 900 الف برميل يوميا في 2000 نظرا لان الاسعار المرتفعة ستمكن عددا اكبر من المنتجين من العودة للسوق مرة اخرى. الطلب العالمي وصل اجمالي الطلب العالمي على النفط الى 73.8 مليون برميل يوميا في 1998 وتشير التوقعات الى ان هذا الطلب سيزداد بنسبة 1.2% في 1999. ورغم ان هذه الزيادة تعادل ضعف تلك المحققة في 1998 (0.6%) الا انها مازالت اقل بكثير من متوسط نسب الزيادة 1.75% التي تحققت خلال الفترة 1990 ــ 1997 ويتوقع ان تكون امريكا الشمالية مسؤولة عن اكثر من نصف الزيادة واوروبا عن معظم باقي الزيادة كما سيستمر تأثر الطلب العالمي للنفط بالمشاكل الاقتصادية في جنوب شرق اسيا ذلك ان الطلب على النفط نما في الصين والدول الاسيوية الاخرى بنسبة 7.5% سنويا خلال الفترة 1991 ـ 1997 ولكن هذا الطلب يتوقع ان ينمو خلال 1998 ــ 2000 بمعدل 5.1% في الصين و 2% في الدول الاسيوية الاخرى كما انه من المتوقع ان ينمو طلب امريكا اللاتينية على النفط بمعدل سنوي 2% خلال نفس الفترة. آثار الانخفاض يتوقع ان يكون للانخفاض الشديد في اسعار النفط العالمية اثار خطيرة على عوائد الصادرات النفطية لدول المجلس وبالتالي على موازين مدفوعاتها وميزانياتها والاحوال الاقتصادية فيها بشكل عام ولكن على اية حال من المتوقع ان يكون رد فعل دول مجلس التعاون اقل حدة بالمقارنة مع الدول الاخرى المنتجة للنفط ويرجع هذا التوقع الى حقيقة ان دول مجلس التعاون تعتبر من المنتجين ذوي التكلفة المنخفضة حيث ان التكلفة الحدية لانتاج برميل اضافي من النفط تعتبر منخفضة نسبيا وقد انخفض سعرسلة اوبك منذ نهاية 1997 من 19 دولاراً للبرميل في اكتوبر 1997 الى 11.91 دولاراً للبرميل في اغسطس 1998 ويمثل ذلك وفق المقاييس الحقيقية (بالاسعار الثابتة للدولار في 1990) انخفاضا في الدخل الى مستوى سعري اقل من ذلك الذي كان قبل الحظر النفطي العربي في 1973 بمعنى اخر يعتبر انخفاض الاسعار (صدمة حقيقية) للدول المصدرة للنفط, واذا ما اسمترت مدة اسعار النفط المنخفضة فانها سوف تدفع دول مجلس التعاون الى اتخاذ اصلاحات هيكلية صعبة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. حتى الان دفعت الفترة القصيرة من عمر التدهور الحكومي ورفع العوائد الاخرى, وتحجيم عجز الميزانية وقد اظهر الاقتصاد الاماراتي تباطؤا ملموسا نتيجة لانخفاض اسعار النفط ويتوقع ان تحصل دولة الامارات على 9.5 مليارات دولار من عائدات الصادرات النفطية في 1999 بانخفاض يعادل 33% عن الـ 13.7 مليار دولار في 1997 وبارتفاع 2.2% عن عوائد 1998. ويتوقع ان يكون الناتج المحلي الحقيقي قد انخفض بـ 5% في 1998 بالمقارنة لنمو يعادل 1% في 1997 و 1.9% في 1996 وقد كان من المتوقع ان ينخفض الناتج المحلي للدولة قبل ارتفاع اسعار النفط الاخير بنسبة 1.2% في 1999 كما يتوقع ان ينخفض الاحتياطي العالمي الى 5.6% مليارات في 1998 وذلك من 6.9 مليارات دولار في 1997 كما ان الفائض في الميزان التجاري سينكمش من 4.5 مليارات دولار في في 1997 الى 2 مليار دولار في 1998. كرد فعل لانخفاضات اسعار النفط يتوقع ان تنفذ الحكومة الاتحادية لدولة الامارات والحكومات المحلية ايضا تخفضيات ملموسة في الانفاق الحكومي في 1999 الامر الذي سينعكس بشكل سلبي على الانشطة الاقتصادية لمدة 2 ـ 3 سنوات اذا لم يتم اجراء تغيير في السياسية المالية. ويمثل الارتفاع في اسعار النفط مؤخرا بصيص الامل لمنتجي النفط, ان التنبؤات الحالية تشير الى سوق نفط عالمية تسودها حالة زيادة الطلب على العرض حتى 2000 ويتوقع ان تصل اسعار النفط الى 16 دولارا بحلول اغسطس 1999 واغلى من ذلك بداية 2000 ولكن انجذاب مصدري النفط نحو زيادة الانتاج (واهمال الحصص المحددة لهم) استجابة لارتفاع اسعار النفط هي حقيقة مرة ستمنع الاسعار من الوصول الى المستويات التي شهدتها في 1996 (25 دولاراً للبرميل)