لو استقرأنا الاديان السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام لوجدنا ان الفائدة على القروض (اي ربا القروض) محرم في كافة تلك الاديان مع التفاوت بالطبع في الشمول والدقة وتفاصيل التحريم. وفي الحضارات القديمة نجد فلاسفة الاغريق يحرمون الفائدة على القروض الاستهلاكية والتجارية معا. حيث كانوا يفرقون بين القرض البري (ذي المخاطر الاقل) والذي كانت معدلات الفوائد عليه تتراوح مابين 12% الى 18% من ناحية, والقرض البحري (ذي المخاطر الاكبر) والذي كانت معدلات الفوائد عليه تتراوح مابين 20% الى 60% ولقد عرفت لديهم كذلك الفوائد المضاعفة أو المركبة. اما الرومان ففي البداية حرموا الفوائد على القروض ولكن مع تحضر المجتمع وتمدنه وظهور الحاجة الى اباحة الفائدة تخلوا عن التحريم واباحوا الفائدة وذلك وفقا للظروف الاقتصادية السائدة. والحقيقة ان تحريم الفوائد على القروض ظهر في كافة الحضارات القديمة حيث كانوا ينظرون اليه من زاوية اقترانه بالظلم. ولقد سجلت كتب التاريخ انه في بعض الازمنة كانت معدلات الفوائد على القروض تصل الى 300% سنويا وذلك وفقا للمخاطر التي يتحملها المقرض وحاجة المقترض خصوصا واذا كان القرض بحريا, اي سوف يستخدم لاغراض التجارة البحرية او الانشطة الاقتصادية البحرية. ولقد اتى الاسلام بنظام بين وواضح يحرم الفوائد على القروض تحريما قطعيا, ويجعل ذلك المبدأ من الثوابت الراسخة لهذا الدين القيم غير القابلة للجدال والنقاش. ولقد ذهب العلماء الى البحث عن علة التحريم وذلك نظرا لكون ذلك الحكم يدخل في باب المعاملات. وكان التركيز كله ينصب على الظلم الذي يسود المجتمع المتعامل بالربا مما يوجب سخط الله وغضبه الشديد على ذلك المجتمع, الذي بني نظامه على اسس مادية محضة متجاهلا قواعد هذا الدين التي ترسخ المبادىء والقيم الانسانية, وتقيم العلاقات على اسس المحبة والتآخي والتعاون والتسامح والتراضي والتعاطف والتقارب والمودة. وعلى الرغم من مضي حوالي 34 سنة على اجماع علماء المسلمين على حرمة الفوائد المصرفية واقتناعهم بأنها ربا, ونقصد بذلك قرار المؤتمر الثاني لمجمع الفقه الاسلامي بالازهر الشريف عام 1965م وما اعقبه من قرارات بعد ذلك لعلماء المسلمين, سواء عن طريق المؤتمرات العلمية او بشكل فردي, على الرغم من هذه الفترة الطويلة الا ان موضوع الفوائد المصرفية مازال وسيظل موضوعا ساخنا, بل انه يغلي من فترة الى اخرى. وهناك في الحقيقة تساؤلات تطرح ذاتها: فهل ان علماء الاقتصاد الاسلامي لم يستوعبوا بشكل جيد فلسفة النقود ووظائفها ومن ثم فلسفة الفوائد المصرفية والنظام المصرفي المعاصر؟ ام ان علماء الدين هم الذين لم يستوعبوا ذلك؟ ام ان رجال المال والاعمال هم الذين لم يستوعبوا ذلك؟ ام ان رجال الدولة ومتخذي القرارات هم الذين لم يستوعبوا ذلك؟ أم ان علماء الاقتصاد بشكل عام لم يستوعبوا ذلك؟ ام ان جماهير المسلمين لم تستوعب ذلك؟ ام ان فلسفة النقود ووظائفها والفوائد المصرفية تتغير بتغير تكنولوجيا البنوك وانظمتها ووظائفها والتكنولوجيا بصفة عامة؟ ام ان جميع هذه العوامل مجتمعة هي التي تقف وراء هذه الظاهرة التي قد يبدو للكثيرين ان حلها يكاد يكون مستعصيا ومعقدا؟ نحن في الحقيقة بحاجة الى وقفة مصارحة جادة مع انفسنا, لتجديد مناقشة هذا الموضوع من منطلق علمي محض بعيدا عن كل المؤثرات السياسية وغيرها, وفي ظل المتغيرات الاقتصادية والادارية والتكنولوجية التي تغزو عالم اليوم, وفي ظل الانفتاح العالمي او ما يسمى (العولمة) ودور منظمة التجارة العالمية في تدويل النظام المصرفي الربوي التقليدي بل والنظام الاقتصادي الرأسمالي بأكمله.