ذكر التقرير الاقتصادي لبنك دبي الوطني ان احدى اهم القضايا التي كانت وما زالت تواجه المسيرة التنموية بدولة الامارات العربية المتحدة هي الخلل السكاني. ان مواجهة التحديات المقبلة لمرحلة العولمة وبروز الاطار الجديد للتنمية المستدامة يوضحان اهمية هذه القضية للدولة في القرن المقبل. لقد كان التغيير الهيكلي لسكان الامارات مرتبطا بشكل لصيق بنموها الاقتصادي. ذلك ان معدلات اسرع للنمو كانت تعني طلبا اكبر على العمالة الوافدة, الأمر الذي أدى الى خلل سكاني بين المواطنين وغير المواطنين. لذا فإن أي حل مقترح لهذا الخلل يجب ان يتضمن استراتيجية للنمو الاقتصادي مرتبطة باستراتيجيات لتحريك وتنمية وإعداد السكان المواطنين. وأضاف التقرير الذي صدر في نشرة المصرف الأخيرة انه رغم انه يصعب الحصول على علاقة ارتباط عالية بين النمو الاقتصادي ونمو السكان في الأدبيات الاقتصادية, الا ان هذه هي الحالة المميزة للعديد من الاقتصادات محدودة العمالة في الخليج العربي (وخصوصا في السبعينات والثمانينات). ذلك ان سكان الامارات نموا خلال الانتعاش النفطي الأول 1975 ــ 1985 بمتوسط يصل الى 12.5% سنويا. وقد نما الجزء غير المواطن من السكان بمعدلات عالية جدا بلغت 15% سنويا خلال الفترة نفسها. ونظرا لمنح الجنسية والتسجيل لأول مرة للمواطنين في الأماكن النائية, فقد نما الجزء المواطن من السكان بمعدلات مرتفعة ايضا وصلت الى 7% سنويا. ورغم ان معدلات النمو السكاني للمواطنين وغير المواطنين تباطأت بشكل ملحوظ خلال 1981 ــ 1995, الا انها ظلت عالية بالمقارنة بالدول الاخرى. ويضع معدل النمو السكاني العالي عادة متطلبات وضغوطا كبيرة على الموارد الاقتصادية, حيث ان خفض البطالة بنسبة 1% يحتاج الى نمو اقتصادي بمعدل 3%. ويلاحظ ان معدلات النمو الاقتصادي قد تجاوزت معدلات النمو السكاني في المراحل الاولى لمسيرة الامارات التنموية, الا ان سكان الدولة اصبحوا ينمون بشكل اسرع بكثير من النمو الاقتصادي خلال 95 ــ 97, واذا استمر هذا النمط من النمو, فإن مستوى رفاهية الفرد (قياسا بنصيب الفرد في الناتج المحلي غير النفطي) سيتدهور تدريجيا. الخصائص الهيكلية للسكان وفيما يلي عدد من الخصائص الهيكلية لسكان الدولة المواطنين ذات الدلالات الجوهرية لأية سياسة تتم صياغتها لمعالجة الخلل السكاني من خلال الموارد البشرية المواطنة. الجنس: تمثل الاناث 49% من السكان المواطنين بدولة الامارات, بناء على الاحصاء السكاني لعام 1995. وهذا يبرز اهمية دور الاناث في عملية حشد الموارد البشرية المواطنة. ولكن يجب ان تتم عملية الحشد ضمن محددات عديدة اجتماعية وثقافية ودينية يمكنها التأثير على المشاركة النسائية في سوق العمل. التركيب العمري: يعتبر سكان الامارات من المواطنين سكانا شبانا. ويدل عدد السكان من الشباب على ان جزءا هاما منهم غير نشط اقتصاديا وعلى ان هناك حاجة لاستثمارات حكومية ضخمة في خدمات التعليم والصحة. ويشير الاحصاء السكاني 1995 الى ان اكثر من 46% من السكان المواطنين من الذكور هم اقل من 15 سنة بالمقارنة مع 45% من الاناث المواطنات. وفي الواقع, اذا ما نظرنا للجزء النشط اقتصاديا من السكان (مجموعات الفئة العمرية 20 ــ 59) فإننا سنجد حوالي 103.599 رجلا و108.025 امرأة هم الذين يشكلون هذه الفئة. وبما ان هذه الارقام تمثل 34% و37% من مواطني الامارات من الذكور والاناث على التوالي, فإنه يتضح بأن دولة الامارات يجب ان تعتمد على سياسات طويلة الأجل لمعالجة مشكلة الخلل السكاني فيها. ويشير التركيب العمري للسكان المواطنين بدولة الامارات الى العبء الاقتصادي الذي يتحمله الأفراد النشطون اقتصاديا. وتقدر نسبة الاعالة في الامارات بحوالي 98 في 1995, حيث تدل هذه النسبة على ان كل 100 فرد (في سن العمل) يشاركون 98 فردا (ممن ليسوا في سن العمل) في دخولهم. المستوى التعليمي: حدث تدفق العمالة الوافدة الى دولة الامارات نتيجة لعاملين نقص العمالة المواطنة ومحدودية الكفاءات التعليمية, وقد استجابت دولة الامارات للعامل الثاني بتحقيق تقدم ملموس في تزويد مواطنيها بالتعليم العام والعالي. وعلى الرغم من هذه المجهودات فإن الاحصاء السكاني 1995 يظهر بأن جزء كبيرا من السكان المواطنين مازالوا في حاجة للتنمية التعليمية وهذا ما تؤكده حقيقة ان 34 رجلا من كل مائة لم يحصلوا على تعليم رسمي, وبالاضافة الى ذلك فإن الذكور الحاصلين على الاقل على درجة الثانوية العامة يمثلون 21.2% فقط من السكان المواطنين من الذكور, كما تشير الاحصاءات الى ان الذكور الحاصلين على درجة جامعية او اعلى يمثلون 6.1% فقط من السكان الذكور المواطنين وبالنسبة للسكان الاناث المواطنات فإن هذه النسب تكون اعلى بقليل. الحراك المكاني للمواطنين ان التساؤل عما اذا كان السكان المواطنون مرنين في التحرك الجغرافي بين الامارات له دالات هامة في صياغة وتنفيذ اي حل يستهدف الخلل السكاني بالدولة. وتظهر بيانات الاحصاء السكاني 1995 انه لا يمكن اعتبار الحراك الداخلي للمواطنين كثيفا, ولكنه يعتبر ملائما في ضوء الديناميكية الهيكلية للاقتصاد الوطني ونقص العمالة فيه, وعلى سبيل المثال, نجد انه من بين الـ 191.030 شخصا الذين ولدوا في ابوظبي يوجد 2.4% فقط قاموا بالهجرة الى امارات اخرى. وترتفع هذه النسبة بشكل كبير في الامارات الاخرى حيث تصل الى 17.3% في دبي و15.9% في الشارقة, و14.9% في الفجيرة, و14.8% في عجمان. التوزيع الجغرافي في دولة الامارات يعتبر حجم كل امارة والفرص الاقتصادية المتاحة فيها هما المحددان لحجم السكان المواطنين فيها, ذلك ان اكبر ثلاث امارات واغناها في الاتحاد تحتوي على 75% من السكان المواطنين, حيث يوجد 37% في ابوظبي و3,18% في دبي و2,18% في الشارقة, اما اصغر ثلاث امارات (عجمان وام القيوين والفجيرة) فإنها تضم 14% فقط من السكان المواطنين, ان نسب توزيع السكان المواطنين بين الذكور والاناث على مستوى الامارة تكاد تكون متعادلة ومتماثلة في جميع الامارات. الخصوبة: لقد اوجدت التنمية الاقتصادية في دولة الامارات فرصا جديدة في مجال التعليم والعمل للاناث المواطنات وادى تواجد هذه الفرص بالاضافة الى نوعية ومتطلبات الحياة العصرية الى انخفاض ملحوظ في معدلات الخصوبة لدى المواطنات. حيث تشير البيانات الى ان المعدل الوطني للخصوبة انخفض من 6 اطفال للانثى الواحدة الى 7,4 خلال الفترة من 1988 الى 1995. اضافة الى ذلك فإن معدل الخصوبة للاناث المتزوجات (عدد الاطفال اقل من خمس سنوات مقسوما على عدد الاناث المتزوجات في سن الخصوبة) اظهر انخفاضا من 1500 طفل لكل 1000 انثى متزوجة الى 1200 طفل لكل 1000 انثى متزوجة وذلك خلال الفترة 1985 ـ 1995. دلالات للسياسة العامة: ان التحليل المشار اليه اعلاه يبرز عدة قضايا هامة لصناع القرار المعنيين بالخلل السكاني, فاذا ما اقتنعنا بأن تعبئة الموارد البشرية المواطنة تمثل عنصرا هاما في اية سياسة شاملة لتصحيح التركيبة السكانية للدولة, فإن هناك عدة نقاط يجب التأكيد عليها: * هناك حاجة لخطوات وسياسات فعالة لتشجيع معدلات نمو السكان المواطنين وزيادتها. * ان زيادة الانفاق الحكومي على التعليم والتدريب يعتبر بالغ الاهمية حيث ان ذلك سيدخل نسبا اكبر من المواطنين في سوق العمل. * يجب تحسين ظروف العمل وقوانينه للعنصر النسائي لتخفيف اعباء الحمل, والرضاعة ورعاية الاطفال عليهم وذلك لتشجيع مشاركتهم في سوق العمل. * يجب وضع القوانين والتشريعات التي من شأنها ان تشجع وتسهل الحراك المكاني للمواطنين بين الامارات المختلفة استجابة لاوضاع الطلب على العمالة.