هناك حاجة حقيقية لدراسة كيفية الاستفادة من الاستثمارات الاجنبية في دول المجلس وتقنين استخدامها وتوجيهها الى الانشطة والمجالات التي تطور البنية الانتاجية والخدمية وتضمن تحقيق نمو اقتصادي حقيقي وفي الوقت نفسه لحمايتها من النتائج السلبية التي حدثت في مناطق اخرى من العالم نتيجة للانسحاب السريع لرؤوس الاموال الاجنبية منها . ان الدعوة للاستثمارات الاجنبية غير المدروسة وغير الموجهة غالباً ما تلحق اضرارا اقتصادية واجتماعية بالغة بالدول المضيفة, حيث ان هناك ما يزيد على 766 محفظة استثمارية في العالم تستثمر في كافة المجالات من اسواق المال الى سندات الخزانة الى الدخول في المشاريع وغيرها ويساهم المستثمرون الامريكيون وحدهم فيها بمبلغ مقداره 360 مليار دولار امريكي. ان تحرك هذه الاموال حول العالم له تأثيرات ملموسة على اقتصاديات الدول اذ يؤدي دخولها اسواق اية دولة الى الانتعاش الاقتصادي ويسبب خروجها من تلك الاسواق الركود والافلاس. ويقول الدكتور عبدالرحمن الجعفري الأمين العام السابق لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية انه خلال عقدين من الزمن حلت ثلاث ازمات بعدة دول وتركت تأثيرات ملحوظة الازمة الاولى كانت ازمة المديونية وهروب الاستثمارات الاجنبية من دول امريكا اللاتينية, حيث تدهورت اقتصادياتها بسبب ضخامة القروض المصرفية والثانية في عام 1994 حيث واجهت المكسيك ازمة هروب الاموال الاجنبية التي تسببت في الركود الاقتصادي في عام 1995 ولولا التدخل الامريكي لانقاذها بضخ ما يزيد على اثني عشر مليار دولار لاصبحت المكسيك اثرا بعد عين من الناحية المالية اما الازمة الثالثة فهي ازمة دول شرق آسيا الحالية التي ما زالت قائمة مشيراً الى ان حجم الاستثمارات الاجنبية بين 1990 و1996 في هذه الدول حسب احصائيات البنك الدولي كانت حوالي 938 مليار دولار امريكي وكان نصفها استثمارات مباشرة من قبل الشركات غير الوطنية وكان يفترض ان توجه لاقامة مصانع ومنشآت انتاجية الا ان نسبة كبيرة منها, وصلت الى 20% وجدت طريقها الى المضاربة في الاسهم المحلية, وعلى الرغم من ا ن ماليزيا واندونيسيا وتايلاند لم تستحوذ على الاستثمارات الاجنبية بالقدر الذي استحوذت عليه الصين والمكسيك والبرازيل الا انها حصلت خلال الفترة ذاتها على 60 و50 و48 مليار دولار امريكي على التوالي, وهي مبالغ كبيرة. وهذا يدعونا الى التساؤل عن كيفية الاستفادة من الاستثمارات الاجنبية, في الوقت نفسه الذي نقلل فيه من مخاطر التعرض للهزات المالية, التي تسببها حركة التنقل السريعة للاستثمارات, ان الاستثمارات الاجنبية التي تأتي من خلال المشاركة في مشروعات صناعية مرغوب فيها, تؤدي الى نقل التقنية, وتدريب الايدي العاملة الوطنية: بشروط مناسبة تراعي المصالح الوطنية للدولة, وتنمي الاقتصاد الوطني, وهذه ــ بلا شك ــ تعتبر استثمارات مفيدة, ولكن الاستثمارات في الاسواق المالية من خلال: المحافظ, وبدون شروط, والتي تستخدم غالباً المضاربة على الاسهم والعملات يمكن ان تنسحب من السوق في اي وقت تشاء, مسببة هزات عنيفة في الاسواق المالية الهشة للدول النامية, وحديثة التصنيع كما هو الحال بأسواق دول المجلس, وهناك من يقول بأن الاسواق العالمية في الدول الكبرى مفتوحة, ويمكن الشراء والبيع فيها بدون شروط, الا ان هذا القول مردود عليه, حيث ان الاستثمارات الاجنبية صغيرة, مقارنة بحجم هذه الاسواق, الامر الذي يفقدها التأثير القوي عليها, اما بالنسبة للدول النامية فإن اقتصادياتها محدودة الحجم, ومن ثم فإن التأثير عليها يكون كبيراً, اذا ما قورنت بالاسواق الكبرى للدول الصناعية.